لماذا لا تستثمر “الستاڨ” في الطاقة الرِيحيّة؟ هل فعلًا الاستثمارات الخاصّة هي الحلّ؟

رأي – اقتصاد سياسي – وليد حسني

خبير اقتصادي

يواصل الائتلاف الحكومي استحمارنا… فقبل سنوات قليلة بيعت شركة “ستيب” لمستثمر خاص، بثمن بخس، استبيح من خلاله قانون الشغل وعرق العمّال، في صمت رهيب لاتّحاد الشغل، الذي دأب على الخنوع أمام القطاع الخاصّ.

هاهي اليوم حكومة الشاهد تستبلهنا بكلّ أريحيّة وتُقدّم لنا مشروع انتاج الكهرباء من طاقة الرياح، الذي أسندته لأربع شركات خاصة أجنبية، على أنّه عمل جبّار يخدم المصلحة العامّة. طبعًا كلّ إنسان غير مطلّع على طيّات الصفقة سيثمّن هذا “الاستثمار” الذي لم يكلّف الدولة مليما واحداً، حسب قول الحكومة. ولكن في الحقيقة ستدفع الدولة ثمن هذا الاستثمار أضعافًا مضاعفة. وهو يمثّل أيضا تهديدًا للشركة التونسية للكهرباء والغاز ، وخاصّة تهديدا للسيادة الوطنية. أوّلًا: من منطق اقتصادي صرف هذا الاستثمار الأجنبي سيُكلّف الدولة أضعاف تكلفته … لنتخيّل شركة أجنبية مختصّة في الطاقة الريحيّة، تتّصل بها الحكومة وتعرض عليها أن تستثمر في تونس لتوليد الكهرباء من الطاقة الريحيّة ثمّ تبيعه لـ”الستاڨ”. وطبعا هذه الأخيرة ( يعني الدولة التونسية) تتعهد بشراء الطاقة المُولَّدة من عند هذه الشركات الخاصة الأجنبية بسعر مقرّر مُسبقا ( بين 110 و135 مليم للكليوات/ساعة لمدة عشرين عامًا) يضمن لتلك الشركات ربحها.

بمعنى آخر: الخطر الوحيد الذي يهدّد الشركات الخاصّة هو إفلاس الدول التونسية ! وهذا ما يُسمّى بربح شبه مضمون… ماذا ستفعل تلك الشركة؟! ستستثمر، وبكلّ سرور وبهجة . بمرور السنين ستدفع تونس أضعاف الاستثمار الأوّل، الذي تُوهمنا الحكومة أنّه لم يُكلّفها مليمًا، في شراء الكهرباء. زد على ذلك ستبيع “التساڨ” الكهرباء المُولّد من الطاقة الريحيّة بسعر مُدعَّم، أي بدون هامش ربح… وبالتالي ستسجّل الشركة العموميّة الخسائر، فيما ستراكم الشركات الخاصّة – الأجنبية – الأرباح.

وهنا نسأل، وبكلّ ما أوتينا من قوة: لماذا ليست الشركة التونسية للكهرباء والغاز هي من تقوم بالاستثمار؟! مع العلم أنّ توليد الطاقة الكهربائية من الهواء يتطلبُّ تكنولوجيا “بدائية” تتقنها أفقر الدول. وبما أنّ سعر الكيلوات من الطاقات البديلة ( الريحيّة والشمسية) أرخص من سعره عبر الطاقات الكلاسيكية، لماذا لا يكون هذا الاستثمار عموميًا، طالما ستكون الدولة رابحة؟ واليوم، بما أنّ تكلفة كيلوات الستاڨ أعلى من تكلفة الشركات الخاصة التي ستستثمر في تونس، فمن المتوقّع أن تطلب الدولة من الأولى التخفيض من انتاجها وتشتري من عند الخواص.

بدون استثمار عمومي لن تقدرالستاڨ على منافسة الشركات الأجنبية. وسنكتشف بعد عشر سنوات أنّها تحوّلت إلى مجرّد موزّع لكهرباء الشركات الخاصة! زد علي ذلك، تريد هذه الشركات الأجنبية المستثمرة قسطا – على الأقلّ – من أرباحها بالعملة الصعبة !

عن السيادة الوطنية

بعد الاستقلال، بدلًا من إنشاء الستاڨ و”السوناد” وغيرها، كان باستطاعة حكومة بورڨيبة أن تُسند المشروع برُمّته لشركة EDF الفرنسية، وتزعم، كما يزعم اليوم رئيس الحكومة الشاهد، أنّ ذلك لن يُكلّف الدولة مليما واحدًا. لكن وقتها كان هنالك سياسيون ومسؤولون يفهمون معنى الدولة، وأنّ الدولة لا تموت وقد تبقى لآلاف السنين. وهي بالتالي لا يمكن أن تظلّ تشتري الطاقة من شركة خاصّة تستطيع في حالة حرب اقتصادية أو عسكرية أن تقطع عنها الكهرباء، أو أن تستغلّها دول اجنبية للضغط علي تونس ! هنالك قطاعات حيوية تكون الأولوية فيها للسيادة الوطنية، وعلى رأس تلك القطاعات الطاقة بكلّ أنواعها.

تستطيع الستاڨ أن تستثمر في الكهرباء من الطاقة الريحيّة والشمسية وأن تكون رائدة في هذا الميدان ويكون الربح عامًا وليس ربحًا خاصًا… لكنّ الحكومة التي رضعت النيوليبرالية في سفارة أمريكيا وفي احضان الاتحاد الأوروبي قرّرت ان يكون رأس المال الخاصّ هو الرائد في تونس.

شبه خاتمة

سياسة الحكومة اليوم فيما يخص الشركات العمومية تُسمّى بالإنجليزية “starving the beast “ أي “تجويع الدابةّ”. وعندما تجوع الدابّة وتهزل ولم تعد تصلُح لشيء نبيعها. أي عندما ننتهي من تخريب المؤسسات العمومية نقول انه لا فائدة منها ونخصخصها. هذه السياسة الاقتصادية التي تطبّقها حكومة الشاهد اليوم هي نفسها التي فرضها صندوق النقد الدولي في أمريكيا اللاتينية في الثمانينات ودمّر بها الاقتصاد والبُنى الاجتماعية هناك…

على الهامش: يُحكى أنّه شبّ حريق عظيم في الغابة، وكانت كل الحيوانات مرعوبة من هول هذا الحريق الّا عصفور صغير كان يحمل الماء في منقاره ويسكبه على النار. فصاح فيه الفيل: أيّها العصفور الأبله أوتظنّ أنّ هذه القطرات ستطفئ الحريق؟ فأجاب العصفور: أعرف ذلك، لكنّي أفعل ما يمليه عليّ ضميري. الى الرفاق الذين سيبعثون لي عليى الخاصّ عبارة ” على من تقرأ زابورك يا داوود؟” أجيب مسبقًا بمثل ما أجاب به ذلك الطائر.

اكثر قراءة

  • لسنا بخير ولكننا نقاوم لحظات ودهر في مخيّم لاجئين/ات فلسطينيّ ين/ات في بيروت

    برج البراجنة هو مخيّم فلسطينيّ يقع في الضاحية الجنوبيّة لبيروت، وهي منطقة معروفة بموالاتها لحزب اللّه. ها أنا أطأه لأول…

    بلا حياد

  • رأي | طوفان الأقصى: دروس لم تنته بعد…

    مع الساعات الأولى للطوفان صباح السابع من أكتوبر لم تكن صفارات الإنذار الصهيونية وحدها من دوّت في قلب "تل أبيب"،…

    بلا حياد

  • ديموغرافيا الحرب في فلسطين: حين يكون “الميلاد” آلية مقاومة في وجه “الميعاد”

    استيطان، استعمار، تهجير، قتلى… هذه المفردات وغيرها كانت ولا زالت الأكثر تردّدا على مسامعنا طوال حرب التحرير الفلسطينية، ولا نقصد…

    بلا حياد

  • ترجمة | جدار وبرج مراقبة: لماذا تفشل إسرائيل؟

    إيلان بابيه ترجمة: فاطمة الدهماني كانت البداية بحوما وبمجدال، أي حرفيا: بجدار وببرج مراقبة.من المحتمل جدا أن يكون مفكّرو الحركة…

    بلا حياد