تتحقق الهيمنة الثقافية حين تتمكن الطبقة الحاكمة، وإضافة لاحتكارها وسائل الإنتاج الاقتصادية وللمؤسسات السياسية، من التحكم في الفضاء العام فكريا وثقافيا ومن امتلاك جلّ المربعات التي تخوّل لها أن تصدح بأفكارها التي تجعل، جرّاء فعل التكرار وإعادة التكرار، الأمور بديهية وحقيقية.
أفكار يتقبلها الجمهور الواسع ويعيد صياغتها في كلّ مرة حتى تثبت وتترسّخ أكثر. أي أنّ الهيمنة الثقافية تصير أمرا واقعا ومفروضا حين تنجح عملية الاستبطان الأيديولوجي كعملية اجتماعية ونفسية وسلوكية لأفكار المُهيمِن، أي الطبقة الحاكمة وتعبيراتها السياسية وتمثّلاتها الإعلامية والثقافية، من قِبل المتقبّل الذي يعيد الدفاع عنها بشراسة لا نظير لها، كما لو كانت أفكاره الخاصة التي وُلد بها (لا أفكار نولد بها بطبيعة الحال، بل أفكار نكتسبها) وجزءا من تكوينه الثقافي والنفسي.
إذًا لا يختلف التلفزيون أو الإعلام الرسمي والتقليدي عن المدرسة أو الجامعة لجهة الصبغة المدرسية التعليمية والتثقيفية ولجهة النزوع لفرض الدلالات وتأويلاتها. أو بكلمة أدق من حيث العنف الرمزي.
“إنّ كلّ سلطة عنف رمزي، أي كلّ سلطة تسعى لفرض دلالات وتسعى لفرضها على أنها شرعية، عليها أن تواري علاقات القوة التي هي المقام الأساس لقوتها، إنما تزيد إلى علاقات القوة تلك، قوتها الخاصة بها، أي قوتها الرمزية”. (1)
إن كان عنف الدولة يجد استقلالية في أشكاله، من العنف المادي الملموس كضربات هراوات الشرطة واستغلال رأس مال لمصنع أو رجل أعمال لهكتارات شاسعة من الأرض إلى العنف الرمزي المتمثل في فرض الدلالات الاجتماعية والقاموس اللغوي المُستعمل، فإنه يجد ارتباطا وثيقا من زاوية الإبقاء على حالة الهيمنة المفروضة وموازين القوى القائمة بين الطبقات المتصارعة.
بل وإن كان الشكل الأول، أي العنف المادي، يسهل ملاحظته وتتّبعه والتنديد به أو المطالبة بالحدّ من استعماله، فإنّ الثاني، أي الرمزي، يصعب تعقبه وتفكيك مفاصله وبناء عنف رمزي آخر يُقابله ويُجابهه.
في21 فيفري 2023 وفي بيان رسمي على صفحة رئاسة الجمهورية، والتي تحولت في السنوات الأخيرة إلى أهم منصة إعلامية ناشرة للمواقف الرسمية، أكد الرئيس قيس سعيّد بأنّ “هناك ترتيب إجرامي منذ مطلع هذا القرن لتغيير التركيبة الديموغرافية لتونس وأن هناك جهات تلقت تمويلات بعد سنة 2011 من أجل توطين المهاجرين غير النظاميين من أفارقة جنوب الصحراء في تونس” كما شدّد على ” ضرورة وضع حد بسرعة لهذه الظاهرة خاصة وأن جحافل المهاجرين غير النظاميين من إفريقيا جنوب الصحراء مازالت مستمرة مع ما تؤدي إليه من عنف وجرائم وممارسات غير مقبولة فضلا على أنها مجرَّمة قانونا »
إنّ مطاردة ترسّبات الهيمنة الثقافية العالقة فينا منذ عقود وانعكاساتها اللغوية واستعمالاتها الجدية أو الهزلية في حواراتنا العائلية اليومية أو الاجتماعية العابرة كانت لتأخذ جهدا عظيما للباحثين ووقتا هاما لعلماء الاجتماع .
شبيني أنا كحلوش ياخي؟ » « تي أحمد هاكا الوصيّف » « فولانة باش تاخذ وصيف » ..
ودون استطراد لمثل هذه العبارات، كان جهدنا لينصبّ على محاربة هذه الترسّبات إلى حين جعلها مُستهجنة بشكل بديهي دون أن نحسّ بأننا في خانة الصوابية المبالغة في مساءلة إرثنا الثقافي الثقيل والمليء بما لا نطمح إليه في مشروع آخر للإنسان.
ولكن الأمر يختلف بالتأكيد حين يُصبح الخطاب مباشرا وواضحا ويقوده جهاز رسمي يتقبّله مئات الآلاف من المستمعين ومن المتابعين ومن القراء. خطاب يأتي من أعلى هرم للسلطة -والسلطة هنا ليس بالمعنى السياسي فحسب بل بالمعنى الثقافي أيضا – له انعكاساته الكارثية. وقبل أن نعيد استتباع ما سيحدث، لنعد إلى الجمل المستعملة أساسا.
– ترتيب إجرامي، أي أن المسألة لا تتعلق بصدفة تاريخية أو بتقسيم عالمي أو بتفسير لمنطق الهجرة نحو دول المركز أو بالهروب على الأقلّ من سياسات دول الشمال الاستعمارية في بلدان الجنوب. الأمر يتعلق بدستة من المجرمين الكارهين المجتمِعين في أحد البيوت، والذين لا نعلمهم بطبيعة الحال، من أجل التآمر على تونس وشعبها.
– الهدف هو تغيير التركيبة الديمغرافية؛ إذا يجب أن نحسّ جميعا بتهديد مباشر للمشترك الآمن بيننا، فالهدف هو أن يأتي يوم نُحرم فيه من الإحساس بالانتماء إلى بعضنا البعض أو أن لا نفهم بعضنا البعض أو أن لا نمارس تقاليدنا التي دأبنا عليها. ياللخطر المحدق الذي يحيق بنا !!
– جهات تلقت تمويلات بعد 2011، والتأكيد على التاريخ مهم في هذا السياق. فكل مصائبنا تأتي بعد تاريخ 2011، وتحديدا بعد 14 جانفي وبداية الالتفاف على انتفاضة شعبنا في 17 ديسمبر 2010، وهنا كل المساندين لهذا التقسيم والمنتمين إلى خط الانتفاضة « الحقيقي » يتلقون الإشارة. أما الحديث عن تدفق الأموال فهو مواصلة لوصم كل مدافع عن إنسانيته أو كل حالم بعالم آخر خال من الاضطهاد والتمييز، ووضعه في قفص الاتهام، ولو كان من أفقَر المُفقَّرين. كلّ من سيدافع عن المهاجرين غير النظاميين هو متلق للأموال وخادم أمين لقوى الاستعمار والأطراف الخفية التي نجهلها. تلك هي الحقيقة أو السردية التي نجح الخطاب في ترسيخها.
،هنا بالتحديد نحن أمام ظاهرة صناعة الرضا أو Manufacturing consent
وهو المفهوم الذي ابتدعه الصحفي الأمريكي والتر ليبمان واعتمده نعوم تشومسكي بعد ذلك، أي أنّ « النخبة الحاكمة”، وحتى تقوم بحماية نفسها باستمرار من غضب وثورة الجماهير، تلجأ إلى تكثيف الدعاية الموجهة إلى الجماهير بغرض تشكيل وعيها يما يخدم مصالح هذه النخبة.
وهو ما دأبت عليه أغلب وسائل الإعلام بعد هذا الخطاب الرئاسي، من خلال تهويل حالة الاحتقان الاجتماعي التي تشهدها مناطق من البلاد بعد توافد أعداد من المهاجرين غير النظاميين، مع التلميح تارة والتصريح تارة أخرى بأنّ تفاقم الأزمة الاجتماعية متأتٍ من هذا التزايد في أعداد المهاجرين. لم يسائل أحد سياسات التقشف بالتأكيد ولا فوضى السياسات العمومية في القطاعات الحيوية كالصحة والتعليم والنقل ولم يتم تعداد الجرائم المُرتكبة من تونسيين، والتي تجد مسبّباتها الاجتماعية أيضا، بقدر ما وقع ترصّد كل فعل يؤتى من قبل أيّ مُهاجر.
وتحوّلت جموع المهاجرين فجأة من ضحايا، للسياسات الشمالية الاستعمارية وللحروب وللأوبئة وللنزاعات المُسلحة الممولة من قبل رؤوس الأموال، إلى أعداء خطرين يصنعون الأزمات الداخلية تنفيذا لمؤامرة كُبرى خارجية.
والعاملون في مجال الأخبار والدعاية « يميلون إلى التعامل مع سرديات الأجهزة الحكومية على أنها حقائق، لأنّ العاملين في مجال الأخبار يُشاركون في التمسك بالنظام المعياري للأشخاص المخوّل لهم معرفة الأشياء في المجتمع » (2)
ولا يتعلّق الأمر فقط بمجرّد انحيازات ثقافية أو سياسية، بل أيضا بالارتباط البنيوي بين وسائل الإعلام القائمة أساسا على الإعلانات وبين المصالح الاقتصادية للمموّلين والقناعات الأيديولوجية. وفي هذا الإطار يصبح تصوير المهاجرين كعبء أداة خطابية تعيد توجيه الغضب الاجتماعي بعيدا عن ضوء السياسات النيوليبرالية، بشكل لا يتصادم مع المصالح الاقتصادية لكبار المموّلين. فيتقاطع منطق السوق الإعلاني مع إنتاج هذا النوع من الخطاب وتُهمّش السرديات التي تربط الأزمات الاقتصادية بالبُنى الاجتماعية وتُضمَن نسب المشاهدات العالية.
وباستعمال هذا النموذج للدعاية سوف “نتوقّع أيضا قصصا إخبارية عن الضحايا الذين يستحقون والضحايا الذين لا يستحقون”.
بعد الخطاب المذكور في 21 فيفري 2023 ، تحوّل عدد من المُتقبلين لهذه الرواية إلى مجموعة من الصيادين الذين يبحثون عن مهاجري جنوب الصحراء في أماكن عدة. وقد فُهم من الخطاب الرسمي أن لا خطوط حمراء في حماية الوطن، وأن كل الإجراءات متاحة في حالات الاستثناء كالتي نعيش.
وفكرة الإنسان المُستباح، الذي تحول إليه مهاجر جنوب الصحراء في تونس، تجد إرثها في التاريخ اليوناني القديم، وكانت فكرة بحث واشتغال عند الفيلسوف الإيطالي جورجيو أغامبين. وهي فكرة لا تتعلق بحرمان الفرد من حقوقه فحسب، بل ببنية سيادية كاملة تنتج فئة بشرية يتم إخضاعها باسم القانون ودون خرق له.
وتقوم السيادة عند أغامبين على قاعدة الاستثناء، “لأنها تُشكل الجسم السياسي عبر تحديد من ي ُسمح لهم بالاندماج فيه، والسيادة أعلى من القانون؛ لأنها تُقرر تطبيقه أو تعليقه، وتُحدد موعد َ بدئه ونهايته، وعلى من يُطبق ومن يستثنى، وهذه السيادة تقتضي إنتاج جسم سياسي على قاعدة تقسيم للحياة يعود إلى إرث يوناني قديم يُميز بين دلالتين للحياة: “زوي Zoè، الذي يُعبر عن حقيقة بسيطة للعيش المشترك بين جميع الكائنات الحية ‘الحيوانات والبشر، أو الآلهة’، والبيوس Bios الذي يُشير إلى شكل العيش السليم لفرد ٍ أو مجموعة”.
يصير المهاجر غير النظامي نموذجا دقيقا لما يسميه أغامبين “الحياة العارية”، حياة مدرجة داخل النظام القانوني من حيث السيطرة ، ولكنها خارجها من حيث الحماية. ويصبح المهاجر موضوعة للمراقبة والتحكم فتُفرض عليه قوانين الحدود والاحتجاز والترحيل دون أن يكتسب ذاتا قانونية مكتملة من زاوية حق الحماية. ودون أن يصير إنسانا كاملا، بالمعنى السياسي، فيتم اختزاله في جسد يقبل السيطرة.
هذا الوضع المفروض، لا بمنطق العنف المادي فحسب بل أيضا بالعنف الرمزي، يُنتَج عبر خطاب إعلامي وسياسي يُصوِّر المهاجر كخطر وعبء. وتُصبح الاستباحة أمرا مقبولا من الزاوية الاجتماعية، لأن المُهاجر قد جُرّد بالفعل وبشكل مسبق من صفته الإنسانية.
ولا يُعدُّ حشر الإنسان في مربع الاستباحة الكاملة بهذا المنطق مجرّد انحراف سياسي أو أخلاقي، بل أيضا نتيجة سياسية تحتاج بناء حدود داخلية ضيقة تُستثنى منها الفئة الأضعف التي تم إنتاجها كي يُعاد تعريف فئة أخرى “محميّة”، أو هكذا يُراد أن يُتصور، وهي المواطن التونسي في هذه الحالة .
في 13 أفريل 2026، كان تصريح النائب طارق مهدي صادما للكثيرين : “تغتصب واحدة إفريقية.. هذا ما يصيرش.. التوانسة ماشاء الله.. الزين موجود”. ولكنه مثل واحدا من التصريحات المكثِّفة لتصاعد الخطاب العنصري، بل أنه ربما تعدى الحدود التي رُسمت للخطاب الإعلامي المسموح به في معاداة المهاجرين.
ورغم إطلالة النائب الإعلامية ومحاولة إيجاد مخرج لما قاله، إلا أن التصريح مرّ دون محاسبة أو ردع.وسيكون من “الطبيعي” أن نستمع إلى تصريحات أخرى مماثلة في المستقبل دون أن نُصاب بالذهول ذاته.
شرعنة اضطهاد الحلقة الأضعف هي آلية اجتماعية متكررة عبر التاريخ من أجل تفريغ الأزمة وتحويل الضحايا إلى جلادين لمن هم أقل منهم حماية، ومواصلة في العنف الهرمي المُسلط تحت أبواق التطبيع مع ما يحدث، وتوحيد الجمهور عبر تخويفه من خطر الآخر. وهي سياسات لا تختلف في مضامينها مع العنف المسلط من قبل الحكومة الإيطالية وسياسة الردع البحري الذي تمارسه وسياسة تفكيك المخيمات في فرنسا وغيرهما. سياسات تجد أسسها في نظريات التفوق الأخلاقي لشعب على آخر.
ولتكتمل مفاصل الخطاب المضلّل، يُزجّ بالعبارات السيادوية في كلّ ركن. إذ صارت للسيادة دلالات شوفينية تعيد إلى أذهاننا ترسّبات الخطاب القُطري الضيق المتعلق بالأمّة التونسية والقومية التونسية المحافظة عوض أن تحمل دلالات فك الارتباط بالامبريالية وسماسرتها وبأحقية الشعوب التي يوحّدها الاضطهاد بالسيادة على مقدراتها وثرواتها المنهوبة من نفس العدو.
فمثلما يمكن للسيادة أن تشق طريقها للخروج من دائرة التبعية للمركز الرأسمالي العالمي، يُمكن أن تسلك السيادوية طريق البحث عن ضحية أقرب وأضعف، بل وعوض أن تحاول الخروج من منطق الهيمنة المفروض تعيد إنتاجها في الهوامش والأطراف.
أولا، لا يجب أن ندافع بأي حال من الأحوال عن الفعل العنصري الذي تمارسه الجماهير في أي لحظة من اللحظات أو التطبيع معه بداعي الحديث عن الترسبات الثقافية، ولكن مهاجمتها تحت يافطة التنوير والتثقيف القسري يؤدي بدوره إلى نتيجة عكسية. إنتاج هيمنة ثقافية عكسية لا يجب أن يتحول إلى إنتاج للفوقية أو التذاكي.
هي مساحة عامة للصراع، مازلنا نفتقر فيها للأدوات المناسبة وللأساليب المناسبة أيضا. ومازلنا لم نوحد فيها المضامين والمنظومات الحجاجية التي تجابه العنف الرمزي المسلط من الجانب الآخر.
وهذا المقال لا يطرح ما يجب أن يكون، لأنها مهمة تستحق عقلا جمعيا ونفسا طويلا، ولكنه يمكن أن يشير باقتضاب شديد إلى بعض النقاط التي يجب أن نأخذها بعين الاعتبار:
– تفكيك الخطاب العنصري وتبيان ارتباط الهيمنة الثقافية بالهيمنة الاقتصادية والسياسية ومحاولة تفسير حركة التنقل والهجرة على ضوء متغيرات متطلبات المركز والسياسات الاستعمارية الهادفة إلى نهب مقدرات الجنوب.
– إبراز التناقض الحقيقي مع المركز الامبريالي وتحميله مسؤولية الأزمات الاجتماعية المتفاقمة في دول الجنوب ووهن إفرازاته الحقوقية التي تم إرساؤها كحرية التنقل.
– تفعيل التضامن في مواجهة موجة التشويهات والتخوينات وحتى العنف المادي والقمع الذي تلجأ له السلطة.
– إيجاد الخطاب المناسب غير المنفر واحترام المتقبل من زاوية إمكانية تطوير موقفه في كل مرة.
– بناء منظومات حجاجية مقابلة للنزعات القطرية الضيقة المعادية لتحرر الشعوب وإبراز المناطق المضيئة تاريخيا من تجارب التضامن الإنسانية.
– تشبيك القطاعات المتداخلة ومحاولة فرض إصلاحات في المناهج التربوية بما أن المدرسة هي أيضا فضاء للصراع وللهيمنة.
قد تكون هذه النقاط محاور بحث واجتهاد طويليْن، ولكنها يمكن أن تمثل مسارا طويلا للنضال يعيد صياغة الوعي المناهض للعنصرية من داخل الديناميكيات الاجتماعية لا من خارجها ودون فرض وصاية رمزية جديدة باسم التحرر.
————————————————————————————————
1 بيير بورديو وجان كلود باسرون « إعادة الإنتاج في سبيل نظرية عامة لنسق التعليم »، ص1042
2 نعوم تشومسكي”الإعلام وصناعة الموافقة”، ص253
3 المصدر السابق، ص384
4محمد الهادي العمري “حالة الاستثناء والإنسان المُستباح عند جورجيو أغامبين”، مجلة تبيُّن للدراسات الفلسفية والنظريات النقدية العدد 48 ربيع 2024
