إنّها أيّام قاسية.. تملأنا حزنًا وغضبًا…
وهذا أمر طبيعي جدًا، بل وضروري…
ولكن، لا يجب أن نكتفي بهذه المشاعر…
وقياسًا على مقولة لسبينوزا “ليس المهمّ أن نفرح أو نحزن.. المهمّ هو أن نفهم”.
فلنحاول يا أيّها الرفاق، أن نحوّل ما حصل مؤخّرًا من إيقافات جديدة، إثر مسيرة 19 سبتمبر، وقبلها قرار تمديد حبس رفاقنا أبطال أسطول الصمود، إلى مدخل لفهم ما الذي يجري لنا.. ومالذي يجري حولنا.. وكمقدّمة ضرورية للعمل على إيجاد إجابات عمليّة على واقعنا. وهذه قراءة شخصية أقترحها على كلّ من يهمّه أمر التفكير الجماعي. وأنطلق فيها من خلال محاولة الإجابة على أسئلة ثلاث.
1- لماذا فعلت السلطة ما فعلته؟
منهجيًا، ربّما من الأسلم قبل الإجابة على هذا السؤال مباشرة، أن نحاول تفكيك وفهم طبيعة هذا الكيان الذي قرّر مؤخّرًا أن يبطش برفاقنا في أسطول الصمود، ثمّ يكرّ السبحة لتشمل حتّى من ساندهم. وهذا يفرض علينا جملة من الأسئلة المتداخلة: من هو قيس سعيّد؟ هل هو رئيس النظام أم السلطة؟ هل من فارقٍ بين هذين المصطلحين الذيْن يقع تدوالهما في النقاش العام دون تمييز أحيانًا؟
سأعود لاحقًا لمناقشة هذه الأسئلة الضرورية، لكن فلنحاول بدايةً فهم الأحداث الأخيرة. إذن، لماذا بادرت السلطة إلى اعتقال مناضلي أسطول الصمود، ومن ساندهم؟
هناك سبَبَيْن أساسيّيْن بتقديري:
– أوّلًا، وصلت هذه السلطة مؤخّرًا إلى استنتاج أنّ الوضع الدولي والإقليمي لم يعد يسمح لها بالمواصلة في الخطاب ذي سقف العالي ضدّ الاستعمار وحول تحرير فلسطين، وخاصة باتخاذ بعض الخطوات الرمزية المحدودة مثلما كان الحال مع قافلة الصمود ثمّ أسطول الصمود. فبعد ما رأته من اختطافٍ أمريكي سافر للرئيس مادورو في فنزويلا ومن حرب إجرامية ضدّ إيران، فهمت أنّ “الفسحة قد انتهت”، وأنّ الهامش الذي كان مقبولا من دولة المركز الإمبريالي خلال السنوات الماضية لم يعد قائمًا. إذ أفضت انتكاسة “محور المقاومة” (حتى وإن لم تكن نهائية أو استراتيجية) بعد سنتيْن من الإبادة في غزة وخلخلة وضع المقاومة اللبنانية إلى تداعيات نوعية. من أهمّها قرار الحلف الأمريكي الصهيوني أنّ الفرصة صارت مناسبة لبسط هيمنته المطلقة على المنطقة، وذلك عبر “تطهيرها” من كلّ نظام معادٍ لها (كما هو حال إيران) أو ممانعٍ (كما حصل مع النظام السوري السابق) أو حتى خاضع لكنه غير منصاعٍ تماما (وهو وضع دول مثل تونس والجزائر وسلطنة عمان والخ). ومن متطلبّات ذلك بالنسبة لتونس هو ابتعاد السلطة عن أيّ أنشطة، أو حتى مواقف، فيها معارضة جدّية للخطط الأمريكية والصهيونية. وإن تواصل الأمر على هذا النحو، لا شكّ في أنّ الخطوة القادمة ستكون الضغط عليها للانضمام إلى حظيرة التطبيع الابراهيمي مع العدو الصهيوني.
إذن، في هذا السياق أتى قرار السلطة برفع الغطاء السياسي عن رفاقنا منظّمي أسطول الصمود، بعد أن احتجّ هؤلاء على قرارها بمنع خروجه ثانية من تونس. وغالب الظنّ أنّ بعض الأجهزة لعبت دورًا في تقديم موقفهم ذاك على أنّه “مكيدة مُدبّرة” من أجل إحراج الرئيس مع الأمريكان، وأنّ تأديبهم بشدّة سيقرأ كرسالة استرضاء للأمريكان لتفادي غضبهم.
– الثاني، هو تخوّف السلطة من خطر “نواة البديل”… أي بشكل أوضح، هذه السلطة بعد أن أحرقت كلّ مراكبها في السياسة، وبعد أن قرّرت وضع معارضيها من كلّ الأطياف في السجون ودجّنت الإعلام وشنّت حملة شعواء على المجتمع المدني والإعلام الجمعياتي، لم تعد تقبل بإمكانية قدوم بديلٍ عنها بطريقة “ديمقراطية”، كما أتت هي إلى الحكم قبل سبع سنوات. بعبارة أخرى، باتت السلطة تتعامل مع أيّ محاولة من سياسيين أو ناشطين مستقلّين عنها لبناء تنظيم سياسي قد ينافسها على الحكم مستقبلا على أنّه تهديد يجب استئصاله. ورغم أنّ مناضلي الأسطول لم يصلوا بعد إلى تلك المرحلة، إلّا أنّ ما راكموه من شعبية لدى عموم التونسيين (بفضل ما قدّموه طيلة السنتين الماضيتين من أجل غزة)، ونظرًا لخلفيتهم السياسية اليسارية (في أغلبها) وانتماء البعض منهم إلى تنظيمات، أو طموحهم لبناء تنظيمات سياسية، كان كافيًا كي ترى فيهم الأجهزة خطرًا يجب التعامل معه قبل أن يكبر ويصعب احتواؤه.
نفس المنطق تقريبًا حكَم طريقة تعامل السلطة مع مساندي معتقَلي الأسطول. الضرب بقوّة واستئصال النواة قبل أن تكبر وتتحوّل إلى حركة منظّمة قد تسبّب في إحراج السلطة أو المسّ بمصداقيتها أمام الشعب.
هناك سبب ثالث، أعمق، قد يفسّر بشكل أفضل ما يبدو من “انقلابٍ” للسلطة على مواقفها السابقة تجاه القضية الفلسطينية والحراك الداعم لها في تونس. هو باختصار، أنّ النظام ابتلع السلطة وروّض رئيسها وصفّى العناصر “الدخيلة” من حوله.
هذا العنصر الثالث في تفسير سلوك السلطة ليس هيّنًا. ويحيلنا ضرورة إلى محاولة الإجابة على السؤال الأساسي الثاني.
2- كيف وصلنا إلى هذا الوضع؟
للإجابة على هذا السؤال الكبير، يجب العودة إلى الأسئلة المطروحة في مقدمة النصّ ومحاولة الخوض فيها.
– من هو قيس سعيّد؟
قيس سعيّد هو سياسي مغامر وغير تقليدي. بمعنى أنّه لم يتبّع المسار المعتاد للسياسيين في بلادنا (خاصة بالنسبة للمعارضة)، سواء عبر الأحزاب أو النقابات وغيرها من الأطر التي “يتعلّم” فيها المرء السياسة. ولا أتى من الميادين التي اعتادت السلطة (مع استثناء بورقيبة وقائد السبسي) أن تنتج منها سياسيّوها (الأجهزة الصلبة والشركات الرأسمالية الأجنبية – خاصة مع “تكنوقراط” ما بعد الثورة). هو أقرب منه إلى فئة “التكنوقراط”، لجهة انعدام التاريخ النضالي والتجربة التنظيمية، لكنه يتميّز عنهم بحكم تكوينه بإلمامه ببعض الأفكار وبإتقانه بعض مفردات الخطاب السياسي الثوري، الذي انفتح عليه عندما كان طالب حقوق، ثمّ استأنفه بعد الثورة بعد أن وقع “إعادة تأهيله” من مجموعة “قوى تونس الحرّة”، المشكّلة من يساريين سابقين.
– هل يحكم سعيّد اليوم النظام في تونس؟
للإجابة على هذا السؤال، يجب أوّلا تحديد ما المقصود بـ”النظام”، فالبعض لا يقيم فرقًا بينه والسلطة. النظام بتقديري أوسع من السلطة. فإذا اعتبرنا أنّ السلطة هي مجموع السلطات الثلاث (التنفيذية والتشريعية والقضائية بفروعها المختلفة)، التي باتت اليوم مختزلة في التنفيذية، وتحديدا في موقع الرئيس، فإنّ النظام يشمل إلى جانب السُلطة، الشبكات العميقة والمتجذّرة داخل الدولة (في الإدارة والأجهزة الصلبة)، أو ما يُعرف في بعض الأدبيات السياسية بـ”الدولة العميقة”. وهذه الدولة العميقة أو النظام هما التكثيف المؤسساتي والدولتي لمصالح الطبقات الاجتماعية المهيمنة، وهي ائتلاف طبقي يتكون أساسا من ثالوث: برجوازية أصحاب البنوك، وكبار رؤوس الأموال (في الفلاحة والصناعة والتجارة) المرتبطة مصالحهم عضويًا بالخارج عبر مسارات التوريد والتصدير (أو ما يُعرف بـ”الكمبرادور”)، وكبار الموظفين في الإدارة والأجهزة الصلبة (أو ما يعرف بالبرجوازية البيروقراطية). وتنتقل قيادة هذا الائتلاف الطبقي السائد من فئة إلى أخرى حسب تغيّر الأوضاع السياسية بالبلاد وتأثيرها على التوازنات داخله. واليوم، يبدو أنّ الكفة عادت من جديد (كما في عهد بن علي) إلى البرجوازية البيروقراطية. وقد كان ذلك نتيجة منطقيّة لإجهاض تحوّل انتفاضة 17 ديسمبر إلى ثورة منتصرة (أو هزيمة الثورة بصيغة أخرى) من جهة، ومن جهة ثانية لفشل تجربة “الانتقال الديمقراطي” في حفظ الاستقرار السياسي الضروري لإعادة إنتاج مصالح الائتلاف، معطوفًا على الضغوط الإقليمية (خصوصا من محور “اسرائيل”- الإمارات- السعودية) التي سعت منذ 2011 إلى تصفية “التجربة الديمقراطية” التونسية، لأنّها رأت فيها – رغم مساوئها – تهديدًا كامنًا لمصالحها.
وقد وجدت هذه البرجوازية البيروقراطية في قيس سعيّد، بما يميّزه من صفات (صورة السياسي النظيف من “خارج النظام”، المثقّف إبن الطبقة الوسطى، افتقاده التنظيم السياسي، انعدام التجربة السياسية، الانفصال عن الواقع المادي، الغرق في بارانويا المؤامرات، رؤيته الخلاصية لنفسه ولدوره في التاريخ…) الشخص المناسب لاستعادة مواقعها وسطوتها تدريجيا. فبعد أن سايرته في صراعه مع حركة النهضة وبقيّة مكونات المشهد السياسي لما قبل 25 جويلية، عمدت بعد ذلك التاريخ بشكل تدريجي إلى عزله وتوجيه قراره. وذلك عبر إحداث فصل بينه وبين معظم الوجوه البارزة التي كانت حوله قبل انتخابات 2019 وصاغت معه مشروع “البناء الديمقراطي القاعدي” (تحديدا “رضا لينين” وسنية الشربطي)، ثمّ عبر إغراقه بتقارير أمنية حول “مؤامرات” لا تنتهي من المعارضين، مستغلّين بذلك شخصيته المستعدّة لتصديق هذه الروايات، وصولا إلى تصوير كلّ ما يجري في البلاد من أزمات على أنّه “مؤامرات” يحيكها من كانوا في السلطة ويريدون العودة إليها.
الإجابة إذن على السؤال أعلاه، هي أقرب إلى ما يلي: سعيّد يحكم السلطة، لكن النظام ابتلع هذه السلطة، فصار سعيّد محكومًا من النظام وواجهةً له. هل يُنقص هذا الاستنتاج من مسؤولية سعيّد عمّا يجري؟ لا، مسؤولية سعيّد كاملة عمّا وصل إليه وما أوصل إليه البلاد بسبب انتهاجه الحكم الفردي. لكن أهمّية الاستنتاج تكمن في ضرورة فهم تشعّب النظام الذي نواجهه، وعدم السقوط في بعض الاختزالات السطحيّة التي تعيقنا عن التفكير السليم فيما يجب فعله لمواجهة الواقع.
يجرّنا ما سبق إلى نقاش مسؤوليتنا نحن (تحديدا من يعتبرون أنفسهم جزءًا من “اليسار الجذري” بمختلف عائلاته وتنويعاته) عن الوصول إلى هذا الوضع.
لعلّ الخطيئة الكبرى لليسار (الثوري منه كالإصلاحي) تتمثّل في تفويته الفرصة التي أتاحتها انتفاضة شعبنا وما تمخضت عنه من “انتقال ديمقراطي”. فالأخير، رغم كلّ نقائصه وعيوبه سمح بهامش محترم من الحريات العامة، كان يمكن لليسار أن يستغلّه في بناء حاضنته الاجتماعية عبر الانغراس صُلب الطبقات الشعبية. ورغم صعوبة هذه المهمّة وما تتطلبّه من وقت وجهد، إلّا أنّها لم تكن مستحيلة. صحيح أنّ اليسار وجد نفسه سريعا مستهدفًا باغتيالات لبعض قياداته وتهديدات جدّية لمناضليه، لكن هذا لا يغيّب حقيقة أنّ التنظيمات الأهمّ في اليسار والجبهة الشعبية (خاصة حزبيْ العمّال والوطد)، سقطت في شباك “اللعبة الديمقراطية” الليبرالية، وباتت الانتخابات همّها الرئيس. كما أنّ جزءًا من هذا اليسار انجرّ إلى أجندة النظام الذي استنزف جهده وتركيزه في قضية “محاسبة المسؤولين عن الاغتيالات”، وما أدّى إليه ذلك من خيارات تكتيكية غير صائبة.
يطول النقاش في تقييم أداء اليسار بما لا يتّسع له هذا النصّ. لكن ما يهمّنا أكثر بشكل مباشر هو أداء اليسار ما بعد 25 جويلية. فطيلة السنوات الخمس الأخيرة، شهدنا نقاشات، لم تخلُ من توتر أحيانًا، بين مجموعات وأفراد من اليسار، وتمحورت تقريبا حول الأسئلة التالية: هل سعيّد مسؤول عن كلّ ما يجري في البلاد من قرارات وممارسات رسميّة؟ هل هو يتحكم بـ”النظام” بشكل كامل؟ وبالتالي هل مسؤوليته كاملة أم جزئية؟ وبناء عليه هل يجب أن نعتبره خصمنا الرئيسي والمباشر أم لا؟
اختلفت الأجوبة على هذه الأسئلة باختلاف القراءات لحدث “الانقلاب الدستوري”، بين من اتّخذ مباشرةً موقف المعارضة والمواجهة ضدّ الانقلاب “الشعبوي” وصاحبه (مثل حزب العمّال وبعض “اليسار الليبرالي” ومستقلّون)، وبين من رأى فيه فرصة لـ “تصفية الانتقال الديمقراطي” (تحديدا ما اعتُبر هيمنة لحركة النهضة على المشهد السابق) والتقاطع مع ما يبرز في خطاب سعيّد من اتجاهات وطنية واجتماعية (حزب الوطد – شقّ الرحوي وبعض الماويين السابقين والمستقلّين ذوي الخلفية “الوطنية الديمقراطية” عموما). وبينهما كان هناك رأي آخر انطلق من تشخيص مختلف، لا يقوم على تحديد الموقف الأكثر “مبدئية” أو “ديمقراطية”. بل على كيف ترى الطبقات الشعبية قيس سعيّد منذ 25 جويلية؟ وكيف يؤثّر ذلك على الخطاب والتكتكيات المطلوبة من اليسار (الجذري تحديدا).
وقد ذهب أصحاب الرأي الأخير (وقد كنت ورفاق آخرين من ضمنهم) إلى ضرورة بناء خطاب معارض ينتقد سعيّد من يساره لا من يمينه. أي أنّه طالما حصل “الانقلاب” ولا قدرة لأحد على إيقافه، وطالما لاقى ترحيبًا شعبيًا واسعًا (لأسباب موضوعية لا حاجة لشرحها)، فإنّ الإصداع بموقف معارض حدّي وصدامي قد يكون عملًا شجاعًا ومبدئيًا، لكنّه لن يكون ناجعًا لأنّه لن يُقنع الجمهور الذي يفترض أنّنا نسعى لإقناعه بخطابنا وبرنامجنا (وطبعا هذه المسألة خلافية أصلًا مع أجزاء أخرى من اليسار المذكور أعلاه). ولذلك، كان التكتيك الأنسب بتقديرنا هو الاعتراف لسعيّد بما قد يتخذه من قرارات إيجابية لصالح الطبقات الشعبية، ونقده كلّما واصل في سياسات من سبقوه. وعلى عكس اليسار الذي رحّب بـ 25 جويلية، وإن لم نكن من المعجبين بـ”الانتقال الديمقراطي” الزائف السابق، فإنّنا كنّا ضدّ “رمي المولود مع ماء الحمل”، أيّ ضدّ التفريط بما هو إيجابي – بل وضروري لنضالنا الثوري – في هذه “الديمقراطية الليبرالية التابعة”، كما كنّا نصفها، ألا وهو الحرّيات العامة (حرّية التعبير والإعلام، والتنظم والتظاهر وتأسيس الأحزاب والجمعيات والنقابات والخ). وبالتوازي مع هذا الخطاب، كان التركيز على أهمية التنظّم والعمل الجماهيري الهادف للانغراس صلب الطبقات الشعبية. لن أدخل أكثر في تفاصيل قد لا تعني القارئ، لكنّي أردت فقط توضيح مسألة القراءات المختلفة لكيفية التعامل مع حدث 25 جويلية. لأنّها ذات صلة بالأسئلة حول طبيعة الكيان السياسي الذي نواجهه اليوم.
بعد هذا العرض ومحاولة فهم ما الذي يجري اليوم وكيف وصلنا إليه، يبقى السؤال الحارق والمتجدّد حول ما يجب فعله.
3- ما العمل؟
الإجابة على هذا السؤال تقتضي محاولة استقراء السيناريوهات الممكنة في الفترة المقبلة.
في ظلّ ما يمكن تسميته بـ”توازن الضعف” بين السلطة ومعارضاتها (بما فيها اليسارية)، وبالنظر إلى ما يبدو جلّيًا من استقالة شعبية شبه تامة من الشأن السياسي (نتيجة لفشل كلّ الفرقاء السياسيين خلال السنوات الماضية)، وفقدان أغلب الناس الثقة في أيّ بديل سياسي ممكن، فإنّ تطوّر الأوضاع خلال الفترة المقبلة سيخضع بدرجة كبيرة نسبيًا إلى المتغيّرات الإقليمية والدولية. تحديدًا إلى نتائج المواجهة الدائرة حاليا بين أمريكا ومحور حلفائها ووكلائها ومحور إيران وحلفائها.
1- في حالة نجاح محور العدو الأمريكي\الصهيوني ووكلائه الإقليميين في هزيمة “محور المقاومة”:
سيؤدّي هذا التطوّر الكارثي إلى تداعيات أسوأ على كامل المنطقة. وفيما يخصّ تونس (وكذلك الجزائر)، سيُترجم ذلك إلى ضغط أشدّ (وأسهل) على السلطة في البلديْن من أجل الالتحاق كلّيًا بالمحور المنتصر والالتزام بسياساته. وهو ما سيعني المزيد من السياسات النيوليبرالية اقتصادًا، والمزيد من التفقير والبطالة، والانضمام إلى اتفاقيات التطبيع مع العدو الصهيوني. سيؤدّي كلّ ذلك إلى احتجاجات اجتماعية وسياسية، لن تتردّد السلطات في قمعها. وما يسهّل ذلك، هو أنّنا في عصر هيمنة “الشقّ الغاشم” من الامبريالية، أي أنّنا إزاء حكومات يمينية ذات جوهر فاشي في المركز الامبريالي (تحديدا في الولايات المتحدة)، ولا تبالي أبدًا بمسائل الحرّيات وحقوق الإنسان. وبالتالي لن تعترض على حملات قمع الشعوب أو تصفية المعارضين في بلادنا. وذلك على عكس ما كان من هيمنة سابقة لـ”الشقّ الناعم” (أو الليبرالي) من الامبريالية، التي كانت تستعمل ورقة الديمقراطية وحقوق الانسان لخدمة مصالحها وللدفع بمن ترى إمكانية لاحتوائهم إلى الحكم (وقد رأينا ذلك في تعويل الحزب الديمقراطي الأمريكي على حركات الإخوان المسلمين في مرحلة “الربيع العربي”)، مع تشجيعهم على اعتماد آليات الهيمنة الثقافية والاقتصادية أكثر من آليات القمع الأمني السافر.
سواءٌ قَبِل سعيّد بكلّ ما يُطلب منه أو لم يقبل، فإنّ النظام التابع بنيويًا للمركز مستعدٌ مسبقًا لذلك. ولن يتردّد في إزاحته عبر انقلاب إن لزم الأمر. ولن يجد سعيّد حينئذ أحدًا ليقف معه، لأنّه يُعدم اليوم أيّ حظوظ مستقبلية لتحالفات سياسية على قاعدة رفض الإملاءات الاستعمارية التي ستتعاظم.
2- في حالة فشل المحور الأمريكي\الصهيوني ووكلائه الإقليميين في هزيمة “محور المقاومة”:
أي يعني في حال صمدت إيران وحلفائها في وجه أمريكا ووكلائها، فإنّ ذلك قد يخلق وضعا مختلفا في تونس. سيخفّ نسبيا الضغط الأمريكي عليها (وعلى الجزائر)، خاصة في حال حصل تغيير انتخابي في الولايات المتحدة. هذا الوضع الجديد قد يعيد شيئا من التوازن النسبي داخل النظام، بما يسمح لقيس سعيّد بإعادة حساباته وتغيير سياسة السلطة داخليا. قد يعود إلى خطاب “الممانعة” السابق ويقرّر إحداث إنفراجة سياسية بالبلاد. ليس متوقّعا أن يبادر سعيّد إلى “مصالحة وطنية” مع جميع من وضعهم في السجن، لكن قد يختار تخفيف الاحتقان بالإفراج عن جزء منهم (خاصة من يتقاطعون مع بعض خطابه “السيادي”).
إلّا أنّ هذا الاحتمال يبقى ضعيفا. فمن جهة، حتى لو نجح محور المقاومة في الصمود وإفشال المشروع الأمريكي الصهيوني، فهو سيحتاج إلى وقت كي يرمّم قدراته وتنتقل المنطقة إلى وضع استراتيجي جديد. كما أنّ ما ظهر خلال السنوات الأخيرة من سلوك سعيّد وشخصيّته يجعلان من الصعب توقّع تحلّيه بالمرونة اللازمة لمراجعة نفسه وسياساته الفاشلة، بل والكارثية.
وعليه، في حال تحقّق السيناريو الثاني (بهذا القدر أو ذاك)، فسنكون على الأرجح إزاء انفراجة جزئية في الوضع السياسي الداخلي، لكن مع تواصل تعفّن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسيادية بدرجة أكثر بطئًا. ورغم سوئه، يبقى هذا السيناريو أقلّ فداحة من الأوّل، لأنّه قد يتيح هامشًا أوسع نسبيًا لليسار الجذري كيف يعيد تنظيم صفوفه.
وقد تطول المواجهة قبل أن تتضّح معالم أحد السيناريوهين المذكورين أعلاه، وما سيعنيه ذلك من ارتفاع لأسعار المحروقات وتأثيرها على أسعار بقية المواد، وبالتالي تفاقم الأزمة الاقتصادية والاجتماعية بالبلاد. وهو ما سيؤدّي إلى المزيد من القمع من جهة للفئات الاجتماعية التي قد تنخرط في احتجاجات على تدهور أوضاعها، وكذلك المزيد من سياسة الإلهاء عبر اختلاق “مؤامرات” و”قضايا أخلاقية” أكثر لتشتيت انتباه الناس. قد تنجح هذه السياسة – التي يقع تطبيقها حاليا – لفترة من الوقت، لكنها غير مستدامة. وفي حال انفجرت الأوضاع الاجتماعية في شكل انتفاضة تتطلبّ قمعًا أمنيًا شديدًا لها، فلن يتردّد النظام في التضحية برأس السلطة لضمان تخفيف الاحتقان الشعبي وإعادة إنتاج نفسه. وللأسف لن يؤدّي ذلك – على الأرجح – إلى تحسّن ملموس في مستوى الحرّيات (ربما بعض إجراءات انفراجية مؤقتة على طريقة بن علي بعد انقلاب 7 نوفمبر) ولا إلى تغييرات حقيقية في المجالين الاقتصادي والسيادي. فميزان القوى لا يسمح بعد لقوى الثورة بالتقدّم نحو تحقيق التغيير الجذري المطلوب.
أمام هذا المشهد الصعب وهذه التوقعات، التي تغلب عليها القتامة، ما المطروح على قوى اليسار الجذري؟
حقيقة، لا أرى حلًا سحريًا ولا مقترحات مبتكرة عندي. أعتقد أنّ الإجابة ما تزال هي نفسها: ضرورة التنظّم بشكل سليم (وبما يتطلبّه الواقع الجديد)، والعمل على الانغراس الميداني صلب الطبقات الشعبية. وذلك بانتهاج أساليب نضالية جديدة، نبتعد فيها أكثر عن المشهديّة وعن الاكتفاء بشبكات التواصل الاجتماعي، وأن ننخرط مع الناس في معاركهم اليومية من أجل تحسين أوضاعهم (سواء في الشغل أو الصحة أو التعليم أو النقل أو السكن أو غيره)، والعمل على تعزيز وعيهم السياسي وتنظمهم الذاتي. والعمل دعائيًا بشكل ذكي (بعيدًا عن الدعاية المباشراتية الفجّة أو الخطاب الأيديولوجي المغلق) على توضيح ارتباط مشاغلهم ومشاكلهم اليومية بما هو سياسي، وبثّ فكرة مقاومة السائد والتنظّم من أجل تغييره.
نحن، بحاجة أوّلاً إلى الصمود، ماديًا وخاصّة معنويًا. أي إلى عدم الاستسلام للشعور بالهزيمة ولأفكار الخلاص الفردي والانسحاب. وهو ما سيتطلبّ الإبقاء على قدرٍ كافٍ من الجهد والطاقات في أنشطة تتعلّق بالإفراج عن المعتقلين والدفاع عن الحرّيات، فهذة مسألة أولوية لا يمكن التفريط فيها. لكن لا يجب أن يُختزل كلّ جهدنا وتفكيرنا في هذه المعركة، التي رغم ضرورتها فإنّها تدور بعيدًا عن ساحة الشعب. كما أنّ هذه المعركة (خاصة في ظلّ ضعفنا)، يمكن أن تتحوّل بسرعة، إن لم نحسن إدارتها، إلى معركة فوقية نخبوية لن نكون محدّدين لخطابها أو أهدافها. ولذلك لا يمكن التعويل عليها وحدها لتغيير الأوضاع نحو الأفضل.
ولذلك، نحن نحتاج ثانيًا إلى ما يشبه خطّة “إعادة انتشار”. أي إلى مسارٍ تُعطى فيه أولوية الجهد والتفكير لأشكال تنظيمية يكون هدفها الأساس بناء قاعدة اجتماعية مؤمنة بمشروع التغيير الجذري من أجل دولة عادلة اجتماعيا وسيّدة على ثرواتها وقرارها الوطني. طبعا، هذا الأمر ليس سهلًا بالمرّة وسيتطلّب وقتًا طويلا وتضحيات جسام، لكن لا سبيل آخر غيره يمكنه أن يوصلنا إلى تحقيق مرادنا: وطنٌ حُرٌ وشعبٌ سعيد.




