يفتح في علامة تبويب جديدة

دولة “الفريڨو”: تجميد السياسة عوض تجميد الأسعار                         

دولة الفريقو

قرّرت الكتابة العامة لرئاسة الحكومة، يوم الجمعة المنقضي، تجميد نشاط الجمعية التونسية للأطبّاء الشبّان لمدة 30 يومًا، انطلاقًا من تاريخ 14 ماي.

ويتزامن هذا التجميد مع الندوة المرتقبة التي كانت مُبرمجة يوم 15 ماي للمنظمة، والمتعلّقة بدراسة شاملة لواقع الصحة العمومية، والعنف المُسلّط على مهنيّي الصحة، ونقص تأمين المستشفيات العمومية. كما يتنزّل في سياق محلّي اتّسم بالتحريض على الجمعيات قبل شنّ غارات التجميد “القانوني” المُتتالية عليها.

فبعد تجميد نواة، والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، والجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات، وإصدار قرار بحلّ جمعيتيْ الخطّ و’منامتي‘، يأتي الدور على المنظمة التي شكّلت رقمًا صعبًا في واقع الصحة العمومية، وتمكّنت من افتكاك مصداقية شعبية طيلة السنوات الفارطة.

ويستند التجميد، من الناحية التقنية القانونية، إلى خروقات مالية وتنظيمية، حسب ما ينصّ عليه المرسوم 88 المُنظّم للجمعيات.، لكنّ الدلالات السياسية التي يحملها، إذا ما وضعناها مع بقية السياسات العمومية والخيارات السياسية، تتجاوز الشعارات الجوفاء المتعلّقة بالسّيادوية وحماية المجتمع من الأموال المشبوهة وعُلوية القانون.

إنها مجموعة من الرسائل السياسية مضمونة الوصول: فإذا ما أردتم الحديث عن مسألة الهجرة أو انتقاد السياسات والخطابات المتواترة، قمنا بتجميدكم.. وإذا أردتم صحافة حُرّة تحترم العقل البشري، قمنا بتجميدكم.. وإذا أردتم الحديث عن الخور الهيكلي في منظومة الصحة العمومية، قمنا بتجميدكم أيضًا.

تختلف المواضيع، والنتيجة واحدة: لا حوار مع أحد، والفريڨو للجميع…

والمسألة هنا ليست مُجرّد آلية قمعية أو رفض للاختلاف أو المعارضة فحسب، بل هي قتلٌ تدريجي لكلّ عمل مُسيّس له علاقة بهموم الناس وتطلّعاتهم وقضاياهم. وهو تحريض متصاعد على كلّ التنظيمات والأحزاب والجمعيات، وكأنّ ما تقوم به السلطة السياسية الحالية وأجهزة الدولة خارج عن هذا النطاق، أو أنّ لها من الأهلية القانونية ما يتيح لها أن تفعل ما لا يفعله الآخرون، وأن تُفكّر كما لا يُفكّر الآخرون، أو أنّها تفقه ما لا يفقهه الآخرون.

كلّ الفرضيات إذن تؤدّي إلى منطق واحد: منطق الهيمنة المُطلقة على الفضاء العام، والنقاش العام، والحياة العامة، في استفادة كاملة وصريحة من امتيازات الحكم وأجهزة الدولة وأبواق الإعلام الرخيص.

هنا، يُعاد تشكيل معنى السياسة باعتبارها امتيازًا حصريًا.

والسلطة، بما تفعله، لا تعي أنّ الأمر قد ينقلب عليها في أيّ لحظة.، فرغم أنّ العلاقة بين المواطن والجمعيات الحقوقية والنقابات العمّالية والأحزاب السياسية قد ساءت في السنوات الأخيرة — «برشا من الحنّة وشويّة من رطابة اليدين» — إلّا أنّ هذه المُربّعات تبقى أطرًا للتفريغ «السلمي» والمؤسساتي للسخط والغضب الشعبيَّيْن.

وحين يتمّ ضرب هذه الأطر، تتبدّد أوهام السلطة الحاكمة في «الاستقرار السياسي»، ويصير كلّ تحوّل اجتماعي أو احتقان اقتصادي ميّالًا إلى الأقصى غير المُتوقّع من قبل الدولة.

ومع التجميد المُتواصل للجمعيات، والذي يُصوَّر ويُسوَّق على أنّه أمر لا يهمّ المواطن، أو أنّه لمصلحة المواطن، لم نرَ تجميدًا للأسعار أو تدخّلًا لتعديلها مع تدهور القدرة الشرائية ومواصلة سياسات التقشّف.

الآن، صار السؤال حول ارتباط سياسات السجن والتنكيل والتجميد والعقاب من جهة، وغياب الإجراءات الاجتماعية لصالح الطبقات المُفقّرة من جهة أخرى، يتكرّر من حين إلى آخر حتى في الأوساط المتعاطفة مع الإجراءات «الثورية» لمسار 25 جويلية.

في المقابل، فإنّ السلطة المُرتبكة مازالت تخاف، ليس من معارضتها فحسب، بل من تشكّل مجتمع قادر على إنتاج معنى مستقلّ ومغاير للحياة العامّة، خارج اختزالية الانتخابات الفاترة وخطابات الحاكم متأخّرة الزمن والزمان. وهي، إذ تسعى إلى ضرب كلّ الروابط المُستقلّة عنها، فإنها تسعى إلى فرض الرقابة على كلّ فعل يخرج عن دائرتها، وإلى خلق علاقة مُباشرة لا وسيط فيها، ولا منازع لها، ولا مُحرّك لوثوقيتها، بين «القائد» و«الشعب»، وبين الزعيم ومُريديه.

عن معركة الحريات؟

تتغذّى الدعاية الرسمية ومشتقاتها المتناثرة على وصم كلّ المنادين بفضاء عام خالٍ من الترهيب بالعمالة والارتزاق والرغبة في الحفاظ على امتيازات سابقة في ظلّ «العشرية السوداء». ولمن لا يودّ مواصلة حساب الأيام، نُذكّرهم بأننا بلغنا «سُباعية ناصعة البياض».

نعم، استفاد عديد الأعداء الطبقيّين من امتيازات ما بعد انتفاضة 17-14، لكنّ منظومة الحكم الحالية لا تهدف إلى تقويض هذه الامتيازات فحسب، بل إلى تقويض كلّ ما تبقّى لنا من حرّية كتبتها الجماهير المُعدمة بدمائها السائلة في منزل بوزيان وتالة وقفصة وكلّ ربوع تونس.

وبالتالي، فإنّ الدفاع عمّا تبقّى من هذه المكاسب ليس دفاعًا فحسب عن المناضلين المُنحازين للاشتراكية، وللصحة الشعبية، وللعدالة الاجتماعية — وإن كان ذلك غاية في الأهمية — بل هو دفاع عن شروط أفضل لمواصلة النضال الطبقي والوطني، وعن المُتضرّرين الذين لا نعرفهم، والذين يقبعون في السجون، أو يرزحون تحت الفقر.

مقالات ذات صلة

  • فيديو | اعتصام “المعارضة النقابية”: فرصة “لإنقاذ الاتحاد” أم “تدميرٌ” له؟

    تقرير لإياد بن مبروك بمساهمة غسان بن خليفة يتواصل اعتصام "المعارضة النقابيّة" منذ يوم 25 جانفي الجاري في بطحاء محمد…

    الأخبار, عمّالية, هام

    اعتصام المعارضة النقابية
  • أيّام صعبة.. لكن اليأس ليس خيارًا

    إنّها أيّام قاسية.. تملأنا حزنًا وغضبًا… وهذا أمر طبيعي جدًا، بل وضروري… ولكن، لا يجب أن نكتفي بهذه المشاعر… وقياسًا…

    بلا حياد

    اليأس ليس خيار
  • سياسة الإلهاء رديفًا للقمع

    «يمكن للتلفزيون، على نحو مفارق، أن يحجب وهو يُظهر، بأن يُظهر شيئًا آخر غير ما ينبغي إظهاره.» بيار بورديو (عالم…

    افتتاحيّة, الموقف

    سياسات الالهاء
  • سلطة العجز والضدّ

    عاش التّونسيون والتّونسيّات صيْفًا ساخِنًا لا يُذكّرنا ربّما إلاّ بصيف الكوفيد. فإضافة إلى موجات الحرّ غير المسبوقة التّي تسبّبت في…

    افتتاحيّة

    سلطة العجز والضد
  • عن وطن لا يخلعُ ثوب العزاء …

    سقط الجدارُ في المزّونة، وراح ثلاثة من فلذات أكبادِنا ضحيّةً للإهمالِ الرّسمي. وتفاعُلاً مع فاجِعة الأهالي، سارعت أجهزة الدولة بتقديم…

    بلا حياد

    Thawb al 3aza