ماذا  يعني مشروع ’إلماد‘ ؟ : طاقة خضراء لأوروبا وتبعيّة لتونس

17/12/2025
WhatsApp Image 2025 12 17 at 15.24.26


هل يمكن أن تلتقي الطاقة النظيفة والخضراء مع نظام طاقي إقليمي مرن أم هو مجرّد “تجميل أخضر”؟

عندما ننظر عن قرب لمشروع الربط الكهربائي”ألماد” (ELMED) بين تونس وإيطاليا نرى أنه في الواقع يُعمّق التداين ويعزّز التبعية بالنسبة لتونس، بينما يساعد إيطاليا على تعزيز صورتها البيئية.

تواجه تونس أزمة طاقيّة متصاعدة. فقد كانت البلاد شبه مكتفية ذاتياً في الماضي، لكنها الآن تنتج أقل من نصف استهلاكها. إذ أنّ أكثر من 95٪ من الكهرباء في تونس تأتي من الغاز الطبيعي، وثلث هذا الغاز مستورَد من الجزائر. حتى الكهرباء نفسها باتت تُستورَد بشكل متزايد. ففي عام 2023، تمّت تلبية 11٪ من الطلب على الكهرباء في تونس من خلال الواردات، ما يكشف عن التبعية الهيكليّة المتزايدة للبلاد في مجال الطاقة وما يعرّضها للاستنزاف المتنامي لمواردها من العملة الصعبة.

لكن، وبدلاً من إعادة التفكير في هذا النموذج المُعطَّل، ضاعفت الحكومة التونسية من انخراطها فيه عبر الاقتراض من المؤسسات المالية الدولية وعبر المُضيّ قُدُمًا في خصخصة قطاع الطاقة والتماهي مع مخطّطات الاتحاد الأوروبي لإزالة الكربون. ويُعتَبر مشروع الربط التونسي الإيطالي “ألماد” الرائد في هذا النهج – وهو خطّ كهربائي بحري بطول 200 كيلومتر يتمّ الترويج له بأنه علامة بارزة للتعاون بين بلدان البحر الأبيض المتوسط.

بوابة خضراء أم شكل جديد من الخضوع؟

يُصوَّر “ألماد” في الخطاب الرسمي على أنّه مشروع “مُربح للطرفين” وخطوة نحو نظام طاقي إقليمي أنظف وأكثر مرونة وترابطًا. بيْد أنّ الواقع مختلف، وهذا ما نحاول أن نُثبته في دراستنا الأخيرة1تونس ومشروع إلماد : ربط كهربائي مع أوروبا أم ارتباط بالأجندة الطاقيّة الأوروبية ؟. إذ صُمّم المشروع أساساً وفق أولويّات ليست تونسية بل أوروبية. فخلف خطاب الشراكة يَكمُن نمطٌ مألوف من “الاستعمار الأخضر” تُحقّق من خلاله أوروبا أهدافها في إزالة الكربون على حساب بلدان الجنوب وسيادتها.

من ديون العموميّة إلى أرباح الخاصة

يتشكّل تمويل المشروع أساسا من قروض أوروبية وقرض من البنك الدولي، ويتمّ تنفيذه بشكل مشترك من قبل الشركة التونسية للكهرباء والغاز (STEG) ومشغل شبكة إيطالي، ’تيرنا‘. من أجل تجسيد هذه الصيغة، كان لزاما اللجوء للمؤسسات المالية العالمية لتعبئة الموارد المالية اللازمة لتنفيذ المشروع والتحضير للبنية التحتية المصاحبة خصوصا لدى الجانب التونسي.

اتخذت هذه الموارد شكل قروض لتونس، ممثلة في الشركة التونسية للكهرباء والغاز، فيما اكتفى الجانب الإيطالي، ممثّلا في شركة ’تيرنا‘، بالتمويلات الذاتية من أجل رفع عوائد المردودية له. أما الاتحاد الأوروبي فقد ساهم عبر تقديم هبة للطرفين باعتبار المشروع يخدم مصالحه الاستراتيجية.

اتخذت التمويلات المقدّمة للشركة التونسية للكهرباء والغاز الشكل التالي:

Image

في أواخر سبتمبر 2025، منَحت STEG وتيرنا عقداً بقيمة 460 مليون يورو (532 مليون دولار) للشركة الإيطالية ’بريزميان‘ (Prysmian) لبناء خطّ بحري بقدرة 600 ميغاواط، ضمن تكلفة إجمالية للمشروع تُقدر بـ 1.16 مليار يورو.


يعني هذا بالنسبة للدولة التونسيّة ديْنًا خارجيًا جديدًا وضغطًا ماليًا متزايدًا على STEG، التي يتعيّن عليها الاقتراض بالعملة الصعبة لتمويل حصّتها في المشروع. أما بالنسبة لرأس المال الإيطالي والأوروبي، فهو يعني عقودًا مضمونة وهوامش ربح وسيطرة طويلة الأجل على ممرّ طاقة استراتيجي. نرى مرّة أخرى هنا، أنّ الديْن العمومي في بلدان الجنوب يدعم أرباح الخواصّ في الشمال.

تفكيك القطاع العام في مصلحة الهيمنة الرأسمالية

بدلاً من التخفيف من مشاكل الطاقة في تونس، يهدّد مشروع “ألماد” بمزيد تعميقها. بداية، سيزيد المشروع من ديون الشركة التونسية للكهرباء والغاز بنسبة لا تقلّ عن 15٪ . كذلك سيجعل تونس مجبَرة على شراء الكهرباء بأسعار مُقوّمة باليورو، وهو ما يعرّضها لتقلّبات الأسواق الأوروبية. فوِفقًا للدراسة، قد يتسبّب المشروع بخسارة نحو 220 مليون يورو من العملة الصعبة للدولة التونسية خلال العقد الأول من تشغيله.

علاوة على ذلك، سيتسبّب المشروع في إضعاف دور الشركة وهي التي كانت العمود الفقري لنظام الطاقة في تونس. إذ أنّه من المتوقَّع أن تنخفض حصّتها من الإنتاج الوطني للكهرباء من 88٪ سنة 2023 إلى 36٪ فقط بحلول سنة 2035، لتصبح مجرّد وسيطٍ بين المنتجين الخواص والمستهلكين التونسيين.

فيديو من إنجاز المرصد التونسي للاقتصاد ومجموعة العمل من أجل ديمقراطية الطاقة

إذن هذا ليس “انتقالاً طاقيّا”، بل هو فقط انتقال من التحكّم العمومي إلى الهيمنة الرأسمالية، ومن السيادة الطاقية إلى التبعيّة في هذا المجال.

طاقة خضراء لأوروبا، استعمار أخضر لتونس

في الأصل،كان المشروع يهدف إلى تصدير الكهرباء من تونس إلى إيطاليا، لكن صارت الفكرة اليوم أن تتدفق الكهرباء في كِلا الاتّجاهين، ممّا يتيح لإيطاليا تصريف فائض إنتاج محطاتها إلى تونس. يدّعي مؤيّدو “ألماد” أنه سيوفّر الطاقة المتجددة والاستقرار الكهربائي بأسعار تفاضليّة لتونس. لكنّه عمليًا سيستبدل التبعية للغاز الجزائري بالتبعية للكهرباء الأوروبية. وبينما تؤمّن أوروبا وصولها إلى الطاقة النظيفة، تُترَك تونس في حالة من تراكمٍ للديون وتراجعٍ للقدرة الإنتاجية.

لقد ذهبت معظم امتيازات الطاقة المتجدّدة في تونس إلى شركات أوروبية، بينما يتواصل تعطيل المشاريع المحلية. يعيد هذا الانتقال الأخضر المزعوم إذن إنتاج نفس المنطق الاستخراجي للرأسمالية الأحفورية، لكن الآن باللون الأخضر. بهذا، وكما تؤكّد ذلك مجموعة العمل من أجل ديمقراطية الطاقة، فإن “ألماد” يمثّل فصلاً جديداً في قصة الاستعمار والتبادل غير المتكافئ: أوروبا تُحمّل الجنوب تكاليف إزالة الكربون والمخاطر والديون وعدم الاستقرار.

كيف يمكن أن يكون البديل السيادي؟

إنّ رفض ربط “ألماد” لا يعني رفض جميع الروابط الكهربائية. على سبيل المثال، ربط تونس السابق بالجزائر كان قائماً على الدعم المتبادل وعلى أولويّة استقرار الشبكة، وليس على الربح أو التصدير. لكن حتى هذا الاتّفاق أصبح غير متكافئ، حيث أصبحت تونس الآن تعتمد بشكل كبير على الواردات الجزائرية، وهذا تحذير ممّا يحدث عندما تصبح “الشراكات” غير متوازنة.

إذن، يجب أن يرتكز الانتقال العادل والديمقراطي للطاقة في تونس على مبادئ الملكية العامة والتضامن الإقليمي والأولويات المحلية. وتقترح مجموعة العمل من أجل ديمقراطية الطاقة مجموعة من الإجراءات العمليّة:

  • تعديل قانون الطاقة المتجدّدة لسنة 2015 لضمان أن تقتصر صادرات الكهرباء على الفوائض الحقيقية التي تديرها الشركة التونسية للكهرباء والغاز حصرياً.

  • تطوير خطة وطنية لتوليد الكهرباء بناءً على الطلب المحلي والموارد المستدامة المتوفرة، وليس التزامات التصدير.

  • تعزيز عمومية الكهرباء والقدرة التمويلية للشركة التونسية للكهرباء والغاز لقيادة تطوير الطاقة المتجددة بدلاً من تهميشها لصالح القطاع الخاص.

  • إعادة توجيه القروض المستخدمة في “ألماد” نحو الاستثمار العام في الطاقة الشمسية والكهرومائية. على سبيل المثال، يمكن أن تموّل 390 مليون يورو المُقترضة من أجل مشروع إلماد مشروعاً فوتوفولطياً بقدرة 600 ميغاواط، يلبّي الاحتياجات المحلية ويخلق فرص عمل ويقلل التبعية للوقود الأحفوري.

دروس من الشمال

رفضت بعض الدول الأوروبية الروابط الكهربائية التي تهدف للتصدير وذلك باسم مبدأ السيادة. فقد ألغت النرويج مخطّطًا للربط الكهربائي بدولة اسكتلندا في 2023 لحماية أمنها الطاقي المحلّي واستقرار أسعارها. وقامت السويد بالشيء نفسه في 2024، رافضة ربطاً بطول 300 كم مع ألمانيا لحماية مصالحها الوطنية والتحكم بشبكتها.

إذن، إذا كانت دول الشمال الغنية تستطيع رفض مشاريع مماثلة للدفاع عن استقلالها الطاقي، فلماذا تُجبَر تونس على قبول مشروع يهدّد مصالحها؟

السيادة الطاقية أم التبعية الخضراء؟

’ألماد‘ ليس مجرّد مشروع بنية تحتية: إنه خيار سياسي يُجسّد نموذج تنمية تظلّ فيه تونس هامشية، مدينة وتابعة، وتخدم النموّ الأخضر لأوروبا.

لكن هناك طريق آخر: يمكن لتونس بناء مستقبل طاقي يرتكز على العدالة والديمقراطية والسيادة، يضع احتياجات الناس فوق أرباح التصدير، وخدمة الصالح العامّ فوق المصالح الخاصة، والتعاون فوق الخضوع.

ليس السؤال إذن ما إذا كان يجب على تونس الارتباط بأوروبا، بل بأيّ شروط، ولصالح من؟


الهوامش:

1 تونس ومشروع ألماد: ربط كهربائي مع أوروبا أم ارتباط بالأجندا الطاقيّة الاوروبيّة؟ إلياس بن عمّار إصدارات مجموعة العمل من أجل ديمقراطيّة الطاقة والمعهد العابر للقوميّات.

مقالات ذات صلة

  • فيديو | اعتصام “المعارضة النقابية”: فرصة “لإنقاذ الاتحاد” أم “تدميرٌ” له؟

    تقرير لإياد بن مبروك بمساهمة غسان بن خليفة يتواصل اعتصام "المعارضة النقابيّة" منذ يوم 25 جانفي الجاري في بطحاء محمد…

    الأخبار, عمّالية, هام

    اعتصام المعارضة النقابية
  • سلسلة «العدوان الأمريكي على فنزويلا: مدخل لفهم التجربة البوليفارية» – ج1 – مقدّمة: الظرف الراهن في فنزويلا

    هذا النص تمهيد لسلسلة تضم خمس مقالات تتناول الإعلام والسياسة والاقتصاد والكوميونات والنهج التشافيزي في فنزويلا. إن ما ستعالجه مقالات…

    بلا حياد

    WhatsApp Image 2026 01 11 at 15.13.13
  • واقع بلا أحلام: صراع البقاء في حي علي باي

    طريق حفوز.. هذا الحي مترامي الأطراف الذي أُقيم على الطرف  الغربي  لمدينة القيروان، بعد أن اختنقت هذه بساكنيها، ولفظ الريف…

    بلا حياد

    WhatsApp Image 2026 01 08 at 19.15.47
  •                  النظام العالمي الجديد و عقيدة دونرو             

    افتتح رئيس الامبريالية الأمريكية السنة الجديدة بعمليّة عَنجُهية خاطفة ضدّ دولة فنزويلا من خلال اختطاف هوليوديّ للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو…

    افتتاحيّة

    WhatsApp Image 2026 01 07 at 17.49.20
  • من أجل استعادة خيال 17 ديسمبر

    مع حرب التحرير الوطنية أو مع العملاء والخونة؟ مع الحربعلىالفساد أم ضدّها؟مع الانتقال الديمقراطي المغشوش والمُخترَق أم مع التنكيل بكل…

    افتتاحيّة

    WhatsApp Image 2025 12 16 at 13.27.45