تتبّع مجرى الماء
منذ أسابيع عدة، تتزايد في تونس الاحتجاجات بسبب انقطاعات المياه. ففي قفصة وجندوبة ومناطق أخرى، يقطع السكان الطرقات، وينشرون البيانات، ويتحدثون عن أيام قضوها بلا ماء ولياٍل انتظروا خلالها عودة المياه إلى الحنفيات.[1]
أعادتني هذه التحركات إلى كتاب قرأته في سنة البكالوريا: “السد” لمحمود المسعدي. تروي هذه المسرحية، المؤلفة من ثمانية مشاهد، قصة رجل يحلم ببناء سد ينتشل به قومه من الجفاف والعطش.[2]
بعد سبعين عامًا، شيّدت تونس السدود. ومع ذلك، ما زال العطش قائمًا.
كان يمكن للمقارنة أن تتوقف هنا، وكان وقعها سيظل قويًا. غير أن ما يعنيني في هذا النص ليس السد في ذاته، بل القيود التي ينطلق منها غيلان في تصوّر العالم الذي يريد بناءه، والانحيازات التي تشكّل نظرته إلى ذلك العالم.
سأتتبّع أولًا مجرى الماء: من السدود إلى القرى التي ما زالت محرومة منه. ثم سأتتبّع مجرى السلطة: سلطة الدولة ووعودها وخياراتها والقيود التي تشكّلت في إطارها. وعلى امتداد النص، ترافق مسرحية “السد” هذا المسار، لا بوصفها مجرد مثال توضيحي، بل باعتبارها حكاية ثانية تضيء الحكاية الأولى.
لا بد من العودة إلى ميمونة.
يرى غيلان عينًا تنساب مياهها في الوادي من دون أن يحتجزها شيء. وفي نظره، تبدّد هذه المياه قوةً كان يمكن تسخيرها؛ لذلك ينبغي احتجازها، وضبط جريانها، وجعلها منتجة. ومن هذا التشخيص يولد مشروع السد.
تنظر ميمونة، رفيقته، إلى العالم نفسه، لكنها لا ترى فيه أرضًا يابسة وسكانًا خاضعين فحسب. لقد ذهبت إليهم، وراقبت طقوسهم وأغانيهم ورقصاتهم، ورأت الشابة التي تهب جسدها للشمس طلبًا للطهارة. وهي تعرف أن صهباء، إلهة القحط، لا تحكم العطش فحسب، بل تمنحه معنى أيضًا.[3]
لا يدرك غيلان هذه الوظيفة. فهو يعتقد أن السكان يحبون الجفاف لأنهم ابتكروا طقوسًا وممارسات جماعية تعينهم على مواجهته. ويخلط بين تمسّكهم بالجماعة ورضاهم عن معاناتهم. فلا تعود الطقوس في عينيه سوى خرافات، ولا المعتقدات سوى عوائق، ولا القدرة على الصمود سوى دليل على السلبية.
لذلك لا يقتصر مشروعه على حجز الماء؛ فهو يريد القطيعة مع العالم الذي سبقه. يطلب من ميمونة أن تتخلى عن المعتقدات القديمة، ويقدّم نفسه، ومعه ميمونة، في صورة آدم جديد قادر على استئناف التاريخ بفعله الخالص. لكنه لا يسأل عمّا سيختفي باختفاء صهباء، ولا عمّا سيحل محل الروابط التي كانت تسندها.
ومع ذلك، لا تدافع ميمونة عن الجفاف في ذاته. إنها تقول إن الماء يجب أن يجري حرًا، وترفض تحويله إلى نصب يخلد قوة غيلان.[3]
بعد سبعين عامًا، لم يعد العطش يتكلم اللغة نفسها.
في المرتفعات المحيطة بطبرقة، ما زالت ميمة، وهي من سكان شعبة الربيع وتبلغ نحو الستين، تذهب إلى العين لجلب الماء. وفي شهادة جمعها “نوماد 08 – المرصد التونسي للمياه”، تروي أنها وجدت نفسها ذات يوم وجهًا لوجه مع ذئب. وما يثير غضبها أن هذا التفاوت كله يقع ضمن نطاق لا يتجاوز ستة كيلومترات. ففي شعبة الربيع، على أبواب طبرقة، تعيش وسط السدود والبحيرات الجبلية والعيون. والقرى المجاورة موصولة بالشبكة، والماء يغذي المنشآت السياحية في المنطقة. أما هي، ففي الستين من عمرها ما زالت تذهب إلى العين لتجلبه.[4]
إنها وحيدة أمام عطش نُزعت عنه القداسة. لم يعد عطشها إحالة إلى صهباء أو إلى أي إله آخر. إنها تنظر إلى المنشآت المحيطة بها وتسأل لماذا لا يزال الماء لا يصل إليها.
أما مياه الشمال الغربي فتعرف كيف تسافر. تحتجزها السدود، ثم تعيد محطات الضخ دفعها عبر القنوات والأنابيب، فتغذي المدن الكبرى والمناطق المرويّة البعيدة عن مصادرها. والدولة هي التي أنشأت شبكة النقل هذه ونظّمتها. ففي أواخر تسعينيات القرن العشرين، كانت شبكات الشمال تنقل أكثر من مئتي مليون متر مكعب سنويًا، يذهب نحو مئة وستين مليونًا منها إلى شمال شرقي البلاد. وكانت هذه التحويلات تفيد أساسًا الأقطاب الساحلية الأكثر ديناميكية، وتعمّق اختلال التوازن داخل المجال الوطني.[5]
حين تتوقف الشبكة، لا تختفي الحاجة. ثمة من يمشي، ومن يحمل، ومن يخزّن الماء وينظّم استعمالاته اليومية. وتعوّض النساء، بعمل ما زال ملقى إلى حد بعيد على عاتقهن، ما تعجز البنية التحتية العمومية عن توفيره. لذلك لا تعاني ميمة من توزيع غير عادل للماء فحسب؛ بل يعوّض عملها فعليًا ما لا توفّره الشبكة.[6]
في شمال قفصة، لا يزال عبد الوهاب القمودي يرفض مغادرة أرضه. لكن نشاطه الزراعي ينكمش كلما تعذّر الوصول إلى الماء. فقد خفّض قطيعه إلى النصف، وتخلى، شأنه شأن مزارعين آخرين في المنطقة، عن بعض الزراعات التي كان يمارسها إلى ذلك الحين.
وعلى بعد بضع مئات من الأمتار، لا تخلّف الضائقة المائية الآثار نفسها على الجميع. فقد اتجهت ضيعة يملكها مستثمر إلى زراعة الحمضيات، وهي شديدة الاستهلاك للماء وليست من الزراعات المميّزة للمنطقة. وعلى مسافة أبعد، تخصّص شركة “بريماد” مئات الهكتارات لزراعة الخس. وتمتلك هذه الضيعات آبارًا عميقة تبلغ المخزونات الجوفية، إلى جانب منشآت لتخزين المياه.[7]
ينخفض منسوب المائدة المائية، لكن ليس بوسع الجميع أن يحفروا عميقًا كي يبلغوا الماء.
في الحوض المنجمي، تتغيّر وظيفة الماء.
في الردّيف، ترسم الانقطاعات إيقاع الحياة اليومية. وفي بعض أحياء المدينة، قد يقتصر التزويد أحيانًا على عودة خاطفة للماء في منتصف الليل. فتتدبّر العائلات أمرها بما تقدر عليه: مخزونات منزلية لبعضها، وشراء للماء أو صهاريج لمن يملك ثمنها. ويمتد النقص حتى إلى المؤسسات التربوية.
أما المائدة المائية العرائس–الردّيف فتُستغل بكثافة. فمن أصل 580 لترًا في الثانية تُسحب منها، يُخصّص 435 لترًا لمغاسل الفوسفات في المتلوي وكاف الدور. وهكذا تذهب ثلاثة أرباع المياه المستخرجة إلى معالجة الخام، فيما يتوزّع الربع المتبقي بين الزراعة ومياه الشرب. ويتطلب غسل كل طن من الفوسفات نحو خمسة أمتار مكعبة من الماء.[8]
هنا تختصر مائدة مائية واحدة العلاقة كلها: ثلاثة أرباع في جهة، والباقي في الجهة الأخرى.
يُستخرج الفوسفات ويُغسل ويُنقل، ويدخل الماء في إنتاجه. أما الردّيف فتنتظر عودته إلى الحنفية.
لا يتنافس قطاع الفوسفات وسكان الردّيف على الماء على قدم المساواة. فوصول القطاع إليه تنظّمه الدولة، وتدعمه البنية التحتية، وتضمنه وظيفته الاقتصادية؛ فيما يعتمد السكان على شبكة تقنّن حصتهم منه.
وهنا يعود السؤال الذي تركته “السد” مفتوحًا: أيّ تقدّم، ولصالح من؟ في الردّيف، تجيب ثلاثة أرباع مائدة مائية سلفًا عن هذا السؤال.
وإلى الجنوب أكثر، في قبلي، يسلك الماء طريقًا آخر.
لم تكن الواحة تنتج دائمًا على هذا النحو. أدخل الاستعمار الآبار، وأنشأ خارج الواحات القديمة مزارع نخيل موجّهة إلى السوق. وبعد الاستقلال، استأنفت الدولة هذا التوجّه وعمّقته. وأتاحت الموائد العميقة توسيع المساحات المرويّة، ففرضت دقلة النور نفسها تدريجيًا على الأصناف الأخرى، ثم جاء الاستثمار الخاص ليواصل المسار. ازداد الإنتاج، وازدادت الصادرات أيضًا. وتحت أشجار النخيل، أخذت الموائد غير المتجددة تنضب.[9]
يرحل التمر، ويرحل الماء معه.
تمشي ميمة إلى العين. ويراقب عبد الوهاب أشجاره وهي تموت. وفي الردّيف، ينتظر الناس حلول الليل. أما في قبلي، فيُضخ ماء موغل في القدم كي تشق سلعة طريقها إلى السوق.
من طبرقة إلى قبلي، يتنقّل الماء، لكن حركته لا تخضع للحاجة وحدها. فالسدود والشبكات والآبار ومحطات الضخ توجّهه نحو استعمالات منظّمة سلفًا: تزويد المدن، وتغذية المنشآت السياحية، وغسل الفوسفات، وريّ الزراعات الربحية.
تعاني تونس من نقص المياه، ويزيد التغيّر المناخي هذه الندرة حدّة. لكن الندرة لا تفسّر لماذا تمشي ميمة إلى العين فيما تؤمَّن استعمالات أخرى. ولا تفسّر حمضيات شمال قفصة، ولا الأرباع الثلاثة من مائدة العرائس–الردّيف، ولا الماء الأحفوري المستهلك في إنتاج دقلة النور.[10]
الندرة لا تلغي السياسة، بل تضيّق مجالها وتجعل العلاقات التي تنظّم الوصول إلى المورد أكثر وضوحًا. يصيب الجفاف مجالًا جغرافيًا، لكنه لا يوزّع آثاره بنفسه. فبين النقص المادي والعطش الاجتماعي توجد بنى تحتية، وحقوق لسحب المياه، وموارد مالية، وقرارات عمومية.
لذلك لا يصل الماء أبدًا إلى فضاء متجانس. إنه يعبر علاقات الملكية، والتراتبيات الطبقية والمجالية، والتقسيم الجندري للعمل. يستطيع بعض الفاعلين تعميق آبارهم، أو بناء أحواض، أو شراء إمدادات بديلة؛ فيما يفقد آخرون محاصيلهم، أو يتكفّلون، بوقتهم وأجسادهم، بما لم تعد الشبكة توفّره.
لم يُلغِ السد العطش، بل أعاد إنتاجه داخل نظام سياسي. ولكي نفهم لماذا تعيش ميمة قرب منشآت التخزين وتواصل السير إلى العين، لم يعد كافيًا أن نتتبّع مجرى الماء؛ فلا بد من تتبّع مجرى السلطة.
تتبّع مجرى السلطة
غيلان ومّيارة
يرى غيلان أرضًا يابسة وسكانًا عطشى يواصلون عبادة صهباء، إلهة القحط. وما يراه حقيقي، لكن نظرته منحازة؛ فالعالم القائم أمامه لم يبق ساكنًا أو سليمًا من التحول. لقد أعاد الاستعمار تشكيل الأرض وعلاقات الملكية والإنتاج والمجالات وحياة السكان. غير أن الهيمنة لم تكن وحدها التي صاغت هذا العالم؛ فقد غيّرته أيضًا المقاومات وأشكال التضامن وطرائق الحفاظ على الجماعة أو إعادة تركيبها. كُتب النص في مطلع أربعينيات القرن العشرين ونُشر سنة 1955، وكان غيلان، بهذا المعنى، ابن عالمه. وما يفسّره بوصفه بقايا عالم قديم يحمل آثارًا متشابكة للهيمنة الاستعمارية ولأشكال الحياة التي قاومتها بإصرارها على البقاء.
وتتجسّد هذه النظرة في مّيارة، ملهمته. فمّيارة ليست الغرب في ماديته – الاستعمار والتراكم والاستخراج والقوة العسكرية واستغلال العمل – بل الغرب وقد تحوّل إلى صورة ورغبة. تحتفظ منه بالنور والحركة ووعد القوة، فيما تمحو الشروط التاريخية التي أنتجت تلك الصورة. وهكذا تشغل مّيارة موقع البياض بوصفه موقع امتياز: ترفع غيلان نحو القمم، بينما تظل ميمونة مشدودة إلى الأرض والأجساد والعمل والموتى. وهي أيضًا الوحي. فالحداثة التي تدّعي تخليص غيلان من المعتقدات القديمة تنتج إيمانها الخاص، وتحوّل تعثّر مشروع السد ماديًا إلى محنة بطولية. وبنظرتها تمنح مّيارة غيلان الاعتراف الذي يحتاج إليه.[11]
يرتفع السد، وتظل الحنفيات جافة.
ليس التناقض سوى ظاهري. فإذا كانت السدود والآبار ومحطات التحلية ومشاريع نقل المياه تتكاثر فيما يستمر النقص، فذلك لأن المشكلة لا تكمن في توافر المورد وحده، بل في علاقات السلطة التي تنظّم نقله وتوزيعه.
غيّر الاستعمار البنى الإنتاجية وعلاقات الملكية، وأدرج البلاد في موقع تابع داخل تقسيم دولي وعرقي للعمل من أجل تلبية حاجات الاقتصاد الاستعماري. ولتلبية هذه الحاجات، شيّد أولى المنشآت المائية الكبرى، وبنى الجهاز الإداري والقانوني المكلّف بتعبئة المياه. وهكذا أصبح نقل المورد وتوزيعه إحدى الوسائل المادية التي دمجت بها الأرض والإنتاج والسكان، على نحو غير متكافئ، في نظام اقتصادي يعود بالنفع على المركز الاستعماري.
نقل الاستقلال هذا الجهاز إلى دولة ذات سيادة، من دون أن يلغي البنى الاقتصادية التي تشكّل ذلك الجهاز في إطارها. أمّمت الدولة البنى التحتية المائية ووسّعتها، وبنت سدودًا جديدة، وطوّرت المناطق المرويّة، وعمّمت تزويد المدن. وأصبح الماء أداة لبناء الدولة، وتحديث الزراعة، والتحضّر، ودمج المجال الوطني. غير أن هذه السياسة حملت تناقضًا تأسيسيًا: فقد سعت الدولة إلى بناء السيادة الوطنية من موقع تابع داخل التقسيم الدولي والعرقي للعمل، مع استمرار اعتمادها على الأسواق الخارجية والتكنولوجيات المستوردة والعملات الأجنبية. وهكذا وجدت نفسها مدفوعة إلى إدارة هذا التناقض.[12]
هذه هي الوظيفة التي أقترح تسميتها “إدارة التبعية”. وهي لا تعني مجرد ارتهان دولة لقوى خارجية، بل الطريقة التي تنظّم بها دولة ما بعد استعمارية موازين القوى، وتدير تناقضاتها، وتسهم في إعادة إنتاجها. ويُفهم معنى الدولة هنا، استنادًا إلى نيكوس بولانتزاس، باعتبارها التكثيف المادي لموازين القوى بين الطبقات وشرائح الطبقات، كما تبلورت في أجهزتها وقواعدها وموظفيها. ويتيح نقل هذا التعريف إلى الدولة ما بعد الاستعمارية التفكير في ترابط الصراعات الاجتماعية الداخلية بعلاقات الهيمنة المكوِّنة للتقسيم الدولي والعرقي للعمل. ويمنحنا الماء موقعًا مميّزًا لرصد ذلك، لأنه يكشف، في آن واحد، خيارات التنمية، والتراتبيات الاجتماعية، والعلاقات الطبقية، وأشكال الارتهان الدولي، والطرائق الملموسة التي تتجسّد بها هذه العلاقات في المجالات والأجساد.[13]
ولا تُفرض القيود التي تديرها الدولة على هذا النحو من الخارج وحده. فهي تمتد داخل التشكيلة الاجتماعية عبر القطاعات والفئات المستفيدة من هذا الاندماج، والتي لا تتساوى في قدرتها على توجيه الأولويات العمومية. وهكذا يُعبّأ الماء لتوسيع الخدمات العامة ودمج المجال، ولكن أيضًا لدعم الأنشطة التي تعوّل عليها الدولة لتحقيق النمو وتوفير الإيرادات والعملات الأجنبية.
ابتداءً من سبعينيات القرن العشرين، أخذ التحرير الاقتصادي يعيد توجيه نموذج التنمية تدريجيًا، قبل أن يسرّع برنامج التعديل الهيكلي المعتمد سنة 1986 الخصخصة والانفتاح الاقتصادي واللجوء إلى التمويل الدولي. ولم يؤدِّ هذا التحول إلى انسحاب حقيقي للدولة، بل غيّر أساليب تدخلها، وعزّز اندماجًا في الاقتصاد العالمي قائمًا على أنشطة تصديرية ذات قيمة مضافة ضعيفة، تعتمد تنافسيتها إلى حد بعيد على انخفاض كلفة العمل والحصول على المواد الأولية بكلفة منخفضة.[14]
رسّخ نظام بن علي هذا التوجّه، وجعل الأداء الاقتصادي أحد أسس شرعيته. ولأنه لم يكن يملك شرعية بورقيبة التاريخية، التمس في النمو وتوسيع الخدمات العامة وتحسين المؤشرات الاجتماعية ما يبرّر سلطته. ففي بداية عهده، كان التلفزيون العمومي يعرض بانتظام بن علي في مناطق مهمّشة، يعلن أو يأمر بربطها بالماء والكهرباء، ثم يظهر سكانها وهم يعبّرون عن رضاهم: “جانا الماء، جانا الضو”. وفي هذا الإخراج، لم يظهر الوصول إلى الماء والكهرباء حقًا تضمنه المؤسسات، بقدر ما ظهر منّة يمنحها الرئيس مباشرة وتشهد على فاعلية سلطته.[15]
قلّصت التحولات الليبرالية بعض الوظائف الإنتاجية والاجتماعية للدولة، لكنها لم تقلّل بالضرورة سلطتها. بل غيّرت دورها: تدخلت الدولة بصورة أقل مباشرة بوصفها منتجًا ومستثمرًا، مع بقائها أساسية في تنظيم الأسواق وتخصيص الموارد وحماية الاستثمارات واختيار الفاعلين الذين يمكنهم الانتفاع منها. وفي عهد بن علي، أفادت إعادة تموضع الدولة تدريجيًا المجموعات الاقتصادية الأقرب إلى مراكز القرار، وأسهمت في تكوين رأسمالية المحاباة.[16]
وفي قطاع المياه، تجسّد هذا التحول في الانتقال التدريجي من سياسة تتمحور حول تشييد منشآت جديدة إلى إدارة للطلب تقوم على أداء المشغّلين والتسعير واسترداد التكاليف. حافظت الدولة على التحكم في البنى التحتية الاستراتيجية والتخطيط وتخصيص المياه، لكنها نقلت جزءًا من الإدارة اليومية والصيانة والتكاليف إلى جمعيات مستعملي المياه، ثم إلى مجامع التنمية الفلاحية. وهكذا أبقت القرارات المركزية تحت سيطرتها، فيما حمّلت المستخدمين والمستويات المحلية مسؤولية إدارة النقص والفواتير غير المسددة والنزاعات.[17]
تحلم ميمونة. ترى السد “معلّقًا في الهواء، بلا سند”، وترى، قبل كل شيء، الأجساد التي يقوم عليها. ففي حلمها، “لا يتكوّن السد من حجارة، بل من جماجم” يعبر الماء من خلالها.[18]
يعيد هذا الحلم المنشأة إلى شروط إنتاجها. فتحت الحجارة والسردية البطولية للبنّاء، ترى ميمونة الحيوات التي التهمها مشروع السد.
لكنها لا تملك الحل. فالحفاظ على الروابط لا يكفي لإرواء العطش. والمطالبة بأن يبقى السد إمكانًا “لم يُولد بعد” تحمي العالم من عنف تحقّقه، لكنها لا تمنح السكان الماء. تكمن قوة ميمونة في موضع آخر: فهي تمنع ضرورة تغيير الواقع من أن تمحو سؤال الكلفة والوسائل والفاعلين الذين ينهضون بهذا التغيير. وبهذا المعنى، لا تسائل ميمونة السد بقدر ما تسائل مفهوم التقدّم.[18]
ما تراه ميمونة خلف السردية البطولية للسد صار مرئيًا سياسيًا سنة 2011. فمن الحوض المنجمي والمناطق الداخلية والأحياء الشعبية، فرضت الفئات التي تحمّلت كلفة المشروع التحديثي، من دون أن تنال نصيبًا متساويًا من منافعه، شروط وجودها على الساحة السياسية الوطنية. ولم تعد البطالة واللامساواة المجالية ونزع الملكية وتدهور الخدمات العامة تُقدَّم بوصفها مظاهر تأخّر ستتكفّل مواصلة التنمية بتجاوزها، بل صارت تكشف كيف وزّعت تلك التنمية مواردها ومنافعها وأكلافها بين المجالات والفئات الاجتماعية.[19]
غيّرت ثورة عامي 2010 و2011 أشكال التمثيل السياسي، لكنها لم تغيّر البنى الاقتصادية ولا وظائف الدولة التي تنظّم هذا التوزيع؛ إذ كان تغييرها يعني مساءلة الدولة نفسها. واعترفت الحكومات المتعاقبة باللامساواة الجهوية، ووعدت بتوزيع أفضل للاستثمارات، وأدرجت الحق في الماء في دستور 2014. ومع ذلك، واصلت السياسات المائية الانطلاق من الأولويات نفسها: تأمين تزويد المدن والأنشطة الاقتصادية التي تُعد استراتيجية، وزيادة الإنتاجية الزراعية، والحفاظ على القطاعات التي تدرّ الإيرادات والعملات الأجنبية، والبحث عن تمويلات خارجية لصيانة البنى التحتية أو توسيعها.[20]
وهكذا تواصل الفئات التي خضعت للتبعية دخولها إلى الساحة السياسية من خلال التحركات المطالبة بالماء. فالانقطاعات، والكيلومترات المقطوعة للوصول إلى عين، والمحاصيل المتروكة، والليالي التي تُقضى في انتظار عودة الماء إلى الحنفية، تتحول إلى مطالب جماعية موجّهة إلى الدولة. وهي لا تطالب بتحسين تقني للشبكة فحسب، بل تعترض على الخيارات التي تتيح للفوسفات والسياحة والزراعات التصديرية وكبار المستثمرين تأمين وصولهم إلى الماء، فيما تظل مجموعات سكانية كاملة خاضعة للتقنين.
غير أن الاعتراف القانوني بالحق في الماء لا يغيّر النموذج الذي ينظّم نقل المورد وتوزيعه. فعلى الرغم من تبجّحات قيس سعيّد السيادوية، تواصل المشاريع التي وافق عليها البنك الدولي سنة 2026 – من تحلية المياه وتحديث الشبكات وإعادة تأهيل المناطق المرويّة وتعزيز المشغّلين ورقمنة الإدارة – التعامل مع الماء من منظور أداء المشغّلين، واسترداد التكاليف، ورفع المردودية، والوصول إلى الأسواق. وبما أنها ممولة بالاقتراض الخارجي، فهي تعمّق الارتهان المالي للدولة، وتمنح البنك الدولي دورًا في تحديد الإصلاحات المؤسسية وأنماط الإدارة والمعايير التي تُقيَّم وفقها استعمالات المياه وتُرتَّب في سلّم الأولويات.[21]
ولا يقتصر هذا المنطق على المشاريع المائية بالمعنى الضيق. ففي ماي 2024، وقّعت الدولة التونسية مذكرة تفاهم مع “تي إي إتش 2”، وهي مشروع مشترك بين توتال إنرجي ومجموعة “إيرين”، ومع شركة “فاربوند” النمساوية، لدراسة إنجاز مشروع “Notos 2H” للهيدروجين الأخضر في الجنوب التونسي. ويستهدف المشروع إنتاج مئتي ألف طن سنويًا في مرحلته الأولى، مع إمكان بلوغ مليون طن، اعتمادًا على الكهرباء الشمسية وطاقة الرياح ومياه البحر المحلّاة. وقد صُمّم أساسًا لتزويد السوق الأوروبية، ولا سيما أوروبا الوسطى، عبر ممر أنابيب “Corridor 2SoutH”. بذلك تُنشأ في تونس قدرات جديدة للطاقة والتحلية لإنتاج سلعة موجّهة في المقام الأول إلى أوروبا، فيما لا تزال مجموعات سكانية تونسية محرومة من الماء الصالح للشرب أو خاضعة للانقطاعات. ولا يعني ذلك أن مياه التحلية المخصّصة للهيدروجين تُقتطع مباشرة من شبكة الشرب، بل يكشف ترتيبًا سياسيًا للاستثمارات والموارد يجعل البنية التحتية اللازمة للتصدير قابلة للتخطيط والتمويل، بينما يظل تأمين الحق في الماء متعثّرًا.[22]
تعمل الآلية في حلقة مغلقة: تدفع الأزمة المائية إلى الاقتراض بالعملات الأجنبية؛ ويزيد سداد الديون الحاجة إلى تلك العملات؛ فتعزّز هذه الحاجة أولوية القطاعات التي توفّرها، مع أن عددًا منها يضغط بشدة على الموارد المائية؛ فيفاقم ذلك الأزمة ويبرّر تمويلات جديدة. وهكذا يصبح الاقتراض وسيلة لمعالجة أزمة يسهم السعي إلى تحصيل العملات الأجنبية نفسه في إعادة إنتاجها.[23]
منذ عام 2011، تغيّرت الحكومات والمؤسسات والخطابات السياسية، من دون أن تتغيّر الدولة التي تواصل إدارة التبعية. يُعترف بالمطالب، ويُعلن الحق في الماء، وتُحدَّث أدوات الإدارة، لكن علاقات السلطة التي تحدّد نقل المورد وتوزيعه تبقى قائمة. لذلك لا يمكن طرح مسألة الماء من دون طرح مسألة السلطة والدولة.
المأساة والمهزلة والمأساة الهزلية
لكي يصعد غيلان مع مّيارة، عليه أن يهجر ميمونة، وأن يهجر معها الجماعة والهشاشة وذاكرة الحيوات التي استهلكها المشروع. عندها يمكن أن يبدو له اقتلاعه من العالم المستعمَر ارتقاءً.
وهكذا يضع المشهد الأخير من النص نظامين للحقيقة في مواجهة بعضهما. ترى ميمونة الأنقاض تتهاوى في الهاوية، بينما يرى غيلان، وقد استدار نحو مّيارة، السد يرتفع.
ولا تزال هذه المواجهة تخترق سياسة المياه. ترى الدولة المنشآت التي شُيّدت، وقدرات التخزين، وكيلومترات الأنابيب، وكميات المياه المحوّلة. أما ميمة فترى الكيلومترات التي عليها أن تقطعها للوصول إلى عين. ويمكن للبنى التحتية ذاتها أن تبدو، من موقع السلطة، دليلًا على التنمية، وأن تبدو، من المناطق التي تمر عبرها، تجسيدًا ماديًا لنزع الملكية.
ينتمي غيلان وبورقيبة إلى زمن المأساة. كلاهما يؤمن بمهمته وبالأفق الذي تفتحه. يريان عالمًا متناثرًا ينبغي توحيده، وتاريخًا ساكنًا ينبغي تحريكه، ومشروعًا ينبغي إخراجه من حيّز الإمكان إلى حيّز التحقّق. ويشكّل هذا الإيمان مصدر قوتهما بقدر ما يشكّل مصدر عماهما. إنهما يريان السد وهو يرتفع، ولا يريان بالوضوح نفسه الأجساد التي يقوم عليها.
بن علي هو المهزلة. يستعيد كلمات المشروع التحديثي وحركاته ومنشآته، ولكن من دون إيمانه المؤسِّس.
قيس سعيّد هو المأساة الهزلية. لديه حلم ويحاول تحقيقه. لكنه، ما إن بلغ قمة الدولة، حتى صار رهينة التناقضات التي تخترقه.[24]
الهوامش والمراجع
[1] نوماد 08 – المرصد التونسي للمياه، “خارطة العطش”، تنبيهات جويلية/يوليو 2026؛ عبير الشملي، “انقطاع المياه: غضب واحتجاج سكان المتلوي”، La Presse de Tunisie، 8 جويلية/يوليو 2026؛ “جندوبة: سكان يغلقون طريقًا احتجاجًا على العطش ورداءة المياه”، Business News، 13 جويلية/يوليو 2026.
[2] محمود المسعدي، “السد”، مسرحية في ثمانية مشاهد، ترجمة عز الدين قلّوز، تقديم جاك بيرك، باريس، Arcantère–UNESCO، 1994. كُتب النص في الفترة الفاصلة بين 1939 و1940، وصدرت نسخته العربية في كتاب سنة 1955.
[3] محمود المسعدي، “السد”، مرجع سابق؛ ليلى النفاتي، “فن الكتابة في الأدب التونسي: حالة محمود المسعدي”، أطروحة دكتوراه، جامعة لورين، 2020، من ص 102 إلى ص 112. يرد عند النفاتي وصف الشابة التي “تهب نفسها للشمس” وفكرة أن الماء يجب أن يجري حرًا.
[4] مالك الزغدودي، “نقص المياه في أرياف طبرقة: شهادات من الأرض حول معاناة النساء الريفيات”، المرصد التونسي للمياه – Nomad 08/WatchWater، 10 أكتوبر 2023، https://www.watchwater.tn/ar/blog/2023/10/10/132-nks-lmyh-fy-aryf-tbrk-shhdt-mn-lard-hol-maan-lns-lryfyt
[5] عبد الله الشريف، “مشكلة المياه في شمال شرقي تونس: ندرة أم سوء إدارة؟”، ضمن “الماء والبيئة: تونس والأوساط المتوسطية”، ليون، Éditions ENS، 2003، الفقرات من 19 إلى 23، https://books.openedition.org/enseditions/867
[6] منظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، “التقييم الوطني للنوع الاجتماعي والزراعة: تونس”، روما، 2018؛ هيئة الأمم المتحدة للمرأة، From Commodity to Common Good: A Feminist Agenda to Tackle the World’s Water Crisis، 2023.
[7] مالك الزغدودي، “السياسة المائية في شمال قفصة: عطش صغار الفلاحين ومياه للشركات الكبرى والمستثمرين”، المرصد التونسي للمياه – Nomad 08/WatchWater، 18 جويلية/يوليو 2023. يثبت المصدر وجود ضيعة للخس تمتد على 500 هكتار، من دون أن يذكر أنها تضم أصنافًا مختلفة.
[8] ديان روبير، “ريبورتاج من الردّيف: وراء انقطاع المياه، آفاق الفوسفات المسدودة”، نواة، 31 مارس 2017. يورد المقال رقم 435 لترًا في الثانية، أي ثلاثة أرباع إجمالي التدفق المستغل؛ أما إجمالي 580 لترًا في الثانية فهو استنتاج حسابي.
[9] زوي فيرنان، بمشاركة منى الهلالي، “تصدير التمور والكلفة المائية للعملات الأجنبية: سياسات زراعية تحكم على منطقة قبلي بالندرة”، المرصد التونسي للاقتصاد، ديسمبر 2020؛ عثمان العبيدي، “الحصيلة المائية لواحات ولايات قبلي وتوزر وقفصة وقابس”، وزارة الفلاحة/البنك الدولي، 2019.
[10] البنك الدولي، Tunisia Country Climate and Development Report، 2023، ولا سيما الأقسام المخصّصة للإجهاد المائي وتراجع توافر المياه.
[11] جاك بيرك، مقدّمة لكتاب “السد” لمحمود المسعدي، مرجع سابق؛ ليلى النفاتي، مرجع سابق، من ص 110 إلى ص 112. إن مماثلة مّيارة بالحداثة الغربية وبموقع البياض هي من تأويل الكاتبة.
[12] عبد الله الشريف، “مشكلة المياه في شمال شرقي تونس”، مقال مذكور؛ الجمهورية التونسية، مجلة المياه، القانون عدد 75-16 المؤرخ في 31 مارس 1975.
[13] استنادًا إلى نيكوس بولانتزاس، تشكّل الدولة التكثيف المادي لموازين القوى بين الطبقات وشرائح الطبقات، كما تبلورت في أجهزتها وقواعدها وموظفيها. نيكوس بولانتزاس، L’État, le pouvoir, le socialisme، باريس، Presses universitaires de France، 1978.
[14] Stephen J. King، “Structural Adjustment and Rural Poverty in Tunisia”، Middle East Report، 1999؛ البنك الدولي، The Unfinished Revolution: Bringing Opportunity, Good Jobs and Greater Wealth to All Tunisians، 2014.
[15] حول شخصنة السلطة وإخراج الخدمات العامة في صورة مشهدية، انظر: بياتريس هيبو، La force de l’obéissance. Économie politique de la répression en Tunisie، باريس، La Découverte، 2006.
[16] بكار غريب، “الاقتصاد السياسي للثورة التونسية: الفئات الاجتماعية في مواجهة رأسمالية المحاباة”، Revue Tiers Monde، 2012/4، العدد 212، من ص 19 إلى ص 36؛ البنك الدولي، The Unfinished Revolution، 2014.
[17] منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي، “حوكمة خدمات المياه في تونس”، باريس، 2014؛ الفاو/الخطة الزرقاء، “الإدارة المستدامة للموارد المائية في تونس”، التقرير الوطني؛ زوي فيرنان، بمشاركة منى الهلالي، “تصدير التمور والكلفة المائية للعملات الأجنبية”، مرجع سابق.
[18] ليلى النفاتي، مرجع سابق، من ص 109 إلى ص 111؛ Batoul Wellnitz-Jalabi، “الماء وأسطورة الخلق في المخيال العربي”، من ص 147 إلى ص 148. تعيد الدراستان نشر الرؤيا الختامية من نص المسعدي والتعليق عليها انطلاقًا من الطبعة الفرنسية لسنة 1994.
[19] عمر بلهادي، “التنمية الجهوية اللامتكافئة في تونس: التراكم المجالي والسحلنة”، Cahiers de la Méditerranée، العدد 49، 1994، من ص 133 إلى ص 156؛ “Tunisia’s Marginalized Redefine the Political”، Middle East Report، 2021.
[20] دستور الجمهورية التونسية المؤرخ في 27 جانفي/يناير 2014، الفصل 44: “الحق في الماء مضمون. المحافظة على الماء وترشيد استغلاله واجب على الدولة والمجتمع”.
[21] البنك الدولي، “Tunisia: Major Push to Strengthen Water Security and Resilience”، بيان بتاريخ 1 أفريل/أبريل 2026؛ Program Appraisal Document، 10 مارس 2026؛ Irrigated Agriculture Modernization Project, Implementation Status & Results Report، 29 جوان/يونيو 2026. تبلغ قيمة العمليتين الموافق عليهما، على التوالي، 208.5 و124 مليون دولار.
[22] رئاسة الحكومة التونسية، “توقيع مذكرة تفاهم بين الجمهورية التونسية ومجمع الشركات الفرنسية والنمساوية تتعلق بتطوير وإنجاز مشاريع الهيدروجين الأخضر”، 27 ماي 2024، https://pm.gov.tn/node/2148/en؛ TotalEnergies، “Hydrogène vert : TE H2 s’associe à VERBUND pour un projet à grande échelle en Tunisie”، 28 ماي 2024، https://totalenergies.com/fr/actualites/communiques-de-presse/hydrogene-vert-te-h2-sassocie-verbund-pour-un-projet-grande-echelle-en-tunisie؛ Green H2 Tunisia، “La stratégie”، https://www.greenh2tun.gov.tn/la-strategie/.
[23] تُوثّق المبالغ والأهداف ومؤشرات استرداد التكاليف في ملفات البنك الدولي المذكورة في الحاشية 21. أما الربط بين هذه الآليات في حلقة من الارتهان فهو من التحليل النقدي للكاتبة.
[24] كارل ماركس، “الثامن عشر من برومير لويس بونابرت”، الفصل الأول، 1852؛ العربي شويخة وإيريك غوبان، “تاريخ تونس منذ الاستقلال”، باريس، La Découverte، 2015؛ بياتريس هيبو، “الإصلاحية، السردية السياسية الكبرى لتونس المعاصرة”. أما تطبيق أوصاف “المأساة” و”المهزلة” و”المأساة الهزلية” على بورقيبة وبن علي وقيس سعيّد فهو من تأويل الكاتبة.
