يفتح في علامة تبويب جديدة

حين نصبح دخانًا في رئة الثورة

WhatsApp Image 2026 01 29 at 13.36.47

صورة بالذكاء الاصطناعي

بمنتهى العناء اقتلعت نورا نفسها من بيت راضية وخرجت جارية تبحث عن يوسف. كانت تعرف أنه لا يستطيع الذهاب بعيدا بمفرده وتعتقد أنها لن تجد صعوبة في العثور عليه. لكن المكان كان خاليا. من الساحة التي تتوسط المساكن، كان دخان خفيف لا يزال ينبعث من حطام الشاحنة المحترقة. دارت حول الحطام ومشت بمحاذاة الساحة الموحلة فلم تعثر هناك على بشر. وعندما أوشكت على بلوغ نهاية البلدة رفعت رأسها ونظرت الى الهضبة التي تحدها من جهتها الشرقية.. شتات من المساكن كان ينتشر هناك. نظرت طويلا وعضت على شفتها السفلى بقوة. وعلى غير إرادة منها انحدرت دمعة ساخنة وثقيلة من عينيها.

وتذكرت والحزن يخيم على كيانها، كيف عُولجت قضية السهل الذي لا يزال ممتدا وراء ما أصبح يعرف بالبلدة، لكن لم يعد بوسع قدميها أن تطآه، والمساكن التي كانت منتشرة في أرجاءه، قبل تقويضها كلها وحشر الجميع في تجمع سكني حول سفوح الهضبة وفوقها كذلك، ومد مسلك ضيق يربط التجمع السكني بالطريق البعيد. كان هو الشريان الوحيد الذي يصله بالعالم. وفي الأوقات الكثيرة التي ينسدّ فيها هذا المسلك، تغدو القرية بكل ما فيها من بشر، المكان الأشد وحشة وانعزالا في العالم.

والناس الذين تم انتزاعهم من السهل وقُذف بهم في سفح هذا التل الأجرد لم يبنوا مساكن لهم بقدر ما حفروا جحورا .

وأُقْفِلَ السهل دونهم بقدرة قادر.. ولم يعد أحد يعرف ما يدور فيه .

شاهدت نورا شبحين يرتقيان الهضبة. اطمأن قلبها قليلا، عرفت في أحدهما يوسف بمشيته البطيئة وقامته النحيلة. حددت النظر في الآخر فلم تهتدِ لمعرفته. لكن شيئا في حركاته، وفي الطريقة التي كان يساير بها يوسف في مشيه. كان يكاد يلتصق به وذراعه ملتفة حوله كأنه يُسنده. بذلت جهدا لتتذكر مشهدا شبيها بهذا رأته في الماضي. فلم يسعفها التذكر. لكن ما حاجتها للذكرى.. ومشهد الرجل وهو يسند يوسف ويرتقي به الهضبة بطيئا أمامها. كان فيه، وهي تتابعهما وهما صاعدان.. استعادة فائقة العذوبة، لكن مع ذلك مبرحة في ألمها، لما كان منطويا في أعماقها من حنين لدنيا ضاعت منها قبل أن تولد.

نشجت في خضم حرقتها، ثم تحول نشيجها إلى شهيق. نادت يوسف :

– يا.. يوسف، عد إلى هنا، لا تستطيع ارتقاء الهضبة وحدك

شعرت بالكلمات مثل حزمة من الشوك تكدست في حنجرتها، تخزها وخزا موجعا.

أحست بحركة خلفها، التفتت فرأت الجيلاني يقف قريبا منها.

– إنه بعيد.. بعيد ولن يسمعك

– اذهب إليه وأعده إليّ. توسلت إليه .

– سمعتك تناديه وتقولين له: لا تستطيع ارتقاء الهضبة وحدك.. لكنه ارتقاها، فمما تخافين؟

– من الرجل الذي معه؟

– لا أعرفه.. لكن لا يبدو غريبا عنه.. ثم أضاف

– سيعودان، لا تقلقي، لن يبقيا أبعد من وقت حضر التجول

– حضر التجول.. انبعثت الكلمات مثل لهب يندلع من فمها.. لا أعبأ بهذه الخرافة

– وأنا مثلك لا أعبأ بها.. لكن علينا أن نعبأ للرصاص.. فهو ليس خرافة.

– ربما، ربما.. ثقلت الكلمات في حلق نورا حتى استحالت إلى هضبة.. توشك نورا أن تتقيأها من فمها.. الرصاص، هو حقيقتهم الوحيدة

– حمدت الله أنني لم أذهب معهم يا نورا.. وضرب جزمته بالأرض ليخلصها من بقية الوحل.. ذهبوا وهم قلة، عزّل من كل سلاح، وأنا أخشى الغدر.. والخيانة ، وقلة حيلة الضعيف حيال القوي المُدجّج.. وأعرف مغبة التذلل والاستجداء، ولي معهما تاريخ طويل كريه لا أحب أن أذكره.. ولا من يُذكّرني به .

في الحال تذكرت نورا شيئا فتبدلت سحنة وجهها.

– إذا عاد يوسف فلن يبحث عني في غير محل الانترنات العمومي. هل ترافقني إليه ؟ لا أستطيع الذهاب وحدي

– سأذهب معك. لكن لن أدخل المحل، بل سأنتظرك خارجا، ولنصف ساعة فقط.

قبلت نورا بشرطه. وتمشيا حتى بلغا المحل..

فتحت الحاسوب وأدخلت اسمها المستعار “نوري ” nouri ، ثم كلمة السر وبحثت عن النقطة أمام اسم فاضل. لكنه لم يكن هناك. كانت هناك فقط جملة تمخر أعلى الصفحة

Fadhel vous a envoyé un message

الرسالة طويلة. لكنها بيدها نصف ساعة، وشكرت نورا للجيلاني أنه منحها نصف ساعة كاملة من وقته منتظرا لها أمام الباب. لكنها تساءلت بدهشة بينها وبين نفسها لم هو غير مهتم إطلاقا بمعرفة أخبار الاعتصام ومآلاته؟ وما يمنعه من الدخول معها ؟

” اليوم الخامس من الاعتصام :

– إنني لازلت هنا، وكذلك بقية رفاقي، والطين لا يزال عالقا بأحذيتنا، يخيل إليّ أحيانا أن هذه الأحذية قد تهترئ وتبلى قبل أن تزول عنها طبقة الطين العالقة بها. كأنها شيئا قدريا لا يزول وُسِّمنا به.

هذا يومنا الخامس في ساحة الاعتصام، أليس كذلك؟ وتسارع الأيام لا يحمل لنا جديدا بل كل شيء يبدو كأنه يتكرر.

الحكايات تتشابه عندما تُروى، كل يروي قصته.. وفي طيات كل قصة محنة مبرحة وألم عظيم.

لكن هل ترانا جئنا إلى هنا لمجرد سرد الحكايات والتنفيس عن الكرب؟ أليس ذلك كان فعل العاجزين؟

صداقات تنعقد.. وأواصر تمتد.. ووشائج تُقام.. لم أرَ في حياتي بشرا أكثر سخاء بالحب والمودة من رفاقي هؤلاء. إن رأوك تشكو البرد دفّؤوك بأجسادهم. وإن رأوا احدنَا جائعًا قاسموه كسرتهم وأرقدوه في فراشهم وارتضوا لأنفسهم النوم على صخرٍٍٍِِِِ بارد .

أكاد الآن أؤمن أن الأواصر التي مدّها بيننا هذا الأمد من التعايش، تَشَارُكُنَا في الأكل وفي النوم.. تقاسم نفس الطعام البائت وتقاسم عطن الأفرشة المستعملة طويلا، باردة أو دافئة، و رائحة الشاي الفائحة وأنفاس السجائر المتناوبة مع رشفاته، وتشاطر الوجع، ونظرات الاهتمام المتبادل دون كلام، كل يُعنى بالآخر. وكل يرى همّ الآخر همّه هو.. يضنيه على نحو متساو. كان هذا التعايش أكثر تمتينا للوشائج، وقرّبنا من بعضنا، بل صيّرنا جسما واحدا يشترك في شكوى واحدة.. مع اختلاف التفاصيل، من تلك الحوارات الباردة المطولة التي حاول عقدها قسرا على إرادتنا، أولئك المتأنقون أصحاب الشعور الطويلة وحاملو المحافظ المحتوية على حواسيب خلف ظهورهم وبأيدهم قهوتهم يحتسونها على مهل متناوبة مع أنفاس سجائر “الدنهيل” الفاخرة.

إنهم يسألوننا عن “الخط الايديولوجي” لكل مجموعة منا.. ولِفرْط إلحاحهم على معرفة أي خط نتبّعه، وعُدّ ذلك من علامات التميز الثوري فائق الأهمية، انجرف بعضنا من ضعاف النفوس في إظهار ما ليس فيهم.. أي الظهور بمظهر المتشبّعين بالثقافة.. والمطلعين على النظريات، فمارسوا في “النظرية” تجديدا لم يخطر ببال منتجيها الأصليين ..

خطر للبعض أن يقرن ” الديمقراطية” ب” المركزية ” غيرة على وحدة القرار وخشية من تذرّره.

وخطر للبعض الآخر الحديث عن حكم مركزي قوي. ويعطي الأطراف صلوحيّات واسعة في اتخاذ القرار وتنفيذه.. لكن مع إبقاء كافة الموارد في قبضة السلطة المركزية. لماذا هذا ؟ لأن أهل الأطراف لن يتفقوا على تقاسم للموارد بينهم وسيشتبكون سريعا. فوجود الموارد تحت سلطتها يضمن أن لا يجور طرف على آخر.

وخطر لطرف ثالث تطعيم الاشتراكية بالليبيرالية لإعطائها طابعا محليا صرفا.. وجاءت القاضية ممن تحدث عن مساهمات رأس المال الوطني وتضحياته من أجل خلق فرص العمل لمئات الآلاف من المتعطلين.. مطالبا بمنح الرساميل “الوطنية” مزيدا من التسهيلات الضريبية والتساهل الإداري ليسهل عليه استيعاب الجيوش الجرارة من المتعطلين

وارتفعت بعض الأصوات تدعو الحكومة لإقرار ميزانية مستعجلة بديلة تُقرّ التمييز الإيجابي لفائدة الجهات المحرومة ..

وطالب عديد الشبّان بمزيد من التسهيلات عند إسناد القروض لبعث المشاريع..

هذه كلها عددتُها مقترحات لتحسين البؤس، وقائلوها عدّوها فتحًا مُبينًا لثغرة في جدار ذلك البؤس قد تنتهي بتقوضه الكامل..

لم يكن هؤلاء المطالبون يمثلون الأكثرية. إلا أنهم كانوا الأعلى صوتا..

وأخال أن تعمدهم رفع أصواتهم لأبعد مدى يستطيعون بلوغه كان للاستحواذ على أوسع مساحات التأثير ..

هؤلاء لا يرون شيئا ممكنا دون الدولة، ودون احتكارها للقوة واستحواذها على الموارد.

وانسجمت هذه الرؤية البائسة مع الفقر المريع الذي بدا لي جليًا ومُرعبًا في القدرة على التخيّل .

تخيل معنى جديد ورؤية جديدة لحياة جديدة في عالم جديد .

البقية.. أي أغلبيتنا، أكاد أقول أنهم أقعدهم الخجل. والتردّد، والارتباك، وجِدّة الموقف عليهم، ولم يكونوا يفقهون شيئا.

لكن قلوبهم كانت عامرة بالحب والمودة. ويَودّون إنشاء عالمهم الجديد بقوة الحب وحده.

شيء شدّني فيما قاله أحد الرجال كان معنا.. رجل شوّه البرص نصف وجهه، ويعرج بشكل واضح عندما يمشي:

توجه بصوت مرتعش لإحدى مجموعات المطالبين، وكان أعضاءها يجلسون متربعين على الأرض في شكل حلقة:

– يا أخواني.. إنني معكم فيما تطالبون به كله.. لكن من تُطالبونه بفعل كل هذا من أجلكم لا يشعر بشيء من آلامنا ولا يشبهنا ولا ينتمي إلينا ولا يمتُّ لنا بصلة ..

أشفى غليلي ذلك الرد..

***

أشعر بالملل الشديد وأنا أصغي لمن جاءونا وكل همهم تأكيد فاعلية نظرياتهم وقدرتها لو طبقناها بحذافيرها على تخليصنا من هذا البؤس. لو عملنا بجد على إسقاطها على الواقع .. فيختفي سوءه في الحال.

كنت أعتقد أن مراد سيكون أحد أولئك المتحذلقين، بعد أن اختفى سعيد من أمامي منذ اليوم الثاني ولا أعرف أين ذهب، رغم بحثي عنه طويلا. لكثرة ما تلقى من دروس من منية أختي طوال السنوات التي قضاها معنا بعد حادثة ضياع ماله التي حدثتك عنها فيما بعد..

تعرفين ما حدث له إثر ذلك.. تفطن والده لنقص في المال الذي ادّخره ليعالج نفسه من مرض في الكلى. كان هذا الوالد في حياته أعجف الجسد وطويلا ونحيلا مثل خيط، لو رأيته لفررت منه مذعورة، ولما صدقت أن ذلك الكائن الذي يدب على قدمين كان إنسانا.

وطرده والده شر طردة، بل لم يكن الوالد بحاجة لطرده، فمراد لم يعد لبيت أبويه بعد أن صنع ما صنع.. قال لي: أقسم لك بكل عظيم يا فاضل.. أنني دائما أقرأ في عيني أبي كل المعاني العظيمة لكل الألم العظيم الذي قد يحمله بشر، كان صموتا كتوما قلّما يتكلم أو يشكو، وأنني لم أكن أنوي له غير الخير .. لم يكن المال الذي جمعه ليكفي، ولو زاده أضعافا مضاعفة، ليُشبع جشع المصحة الخاصة التي كان ينوي معالجة كليته فيها. وكان عليه انتظار سنين أخرى.. مع الألم والمكابدة.. حتى يجمع المال الكافي ليقبلوا إجراء العملية له. فكّرت أنني أستطيع بعمل خمسة أشهر في أحد أرياف ايطاليا أو مطاعمها، أن أوفر عليه الوقت وأجمع له المال الذي يحتاجه ليُداوي نفسه، كل هذه الأماني داعبت ضميري ونويت بحسم أن أصيّرها الأفق الذي تتجه إليه حياتي.. لولا أنني وقعت أخيرا فريسة لمن هو أكثر جشعا من تلك المصحة.

هكذا إذن لم تقع منية على التلميذ الملائم لها، وهي تجزل له النصح سنة إثر سنة.. وهو يتصلب جلده أكثر.

توضح لي أن مراد لم يشب على الوجه الذي أرادته له منية.. إنني لا أريد أن افكر أنها أحبّته أو أنه أحبّها أو أن شيئا ما دار بينهما أثناء سنين إقامته معنا.. جاهدت حتى بعد خراب البيت وانحسارنا في ذلك الجحر في الناحية الناتئة من التل.. تعرفين ما قيل لنا ؟ ليس من الممكن استمراركم في سكن بيت أقيم على أرض لا تملكونها. سنوفر لكم رقعة تقيمون عليها بيتا في الجهة الأخرى الناتئة من التل. أما هنا فبقاؤكم يعرقل أعمالا كثيرة لا يصح التلاعب بها..

لم يشب على أمثولة التنمية البشرية التي تهفو لها نفسها. واتضح لها أن تعاليمها وتوصياتها له بالصبر والقناعة والرضا بما يأتي والتحلّي بالتفاؤل وانتظار الأجمل كلها ذهبت غبارا منثورا في العاصفة مع الجوع الذي كان يفتك بأحشائه والضياع الذي يسور حياته.. ولغرابة أمره معها.. لا أذكر أبدا أنها عرضت عليه الزواج منها ولا شجعته عليه.. كانت تستمتع بصفة المعلم ويلذّ لها إقامة علاقة معه طرفاها متباينان، أحدهما عالم والثاني جاهل .

عندما اقتربت منه نجوى لآخر مرة تقترح عليه أن يرافقها إلى حيث يرجو أن تكتمل نضاليّته.. قبل بذلك، وتفاجأت بقبوله.. كنت أتمدد لأستريح من عناء يوم كامل من الحركة والدوران والحديث مع من أعرف ومن لا أعرف .. تعريفا بقضيتنا وكسبا للمزيد من الأنصار لها. وكانا هما قريبان مني. بل أوشك أن أقول أن مراد كان يجرها رويدا رويدا إلى حيث كنت ممددا ليتيح لي أن أصغي لما يتبادلانه من حديث. قبل مراد الذهاب، لكن ليس إلى الشارع الكبير..

– سأرافقك قطعا.. إن كان هذا ما تريدينه مني.. إلى القصر رأسا لأتبول في مدخله ..

– القصر؟ حدّقت فيه نجوى مندهشة.

– نعم، القصر.. أو أي مكان فاره أو ضيعة باذخة لأشنق أحدهم .

– أليست ثورة سلمية؟ وبّختْهُ نجوى بصوت صاخب بلغ سمعي بوضوح.

– سلمية “…” أمك.. رد بقوة.. متحريا الضغط على كل حرف من الكلمات .

ابتلعت نجوى ريقها ورمت سيجارتها في بركة ماء فانطفأت في الحال، رمقته مصدومة من الكلمة، والتفتت إلى مراد و وجهها يمتلأ بعلامات المهانة.

– لا أعرف ما الذي تحاول إثباته برغبتك الحارقة في التبول في مدخل قصر أو ضيعة، ولا أحد سيشكرك عليه، ولا سيغير شيئا، لو كنت تعتبره بطولة..

– لا أريد أن يشكرني عليه أحد ولا أن يعتبره أحد بطولة.. ما يهمني أنني مقتنع به وأراه فعلا ضروريا أكيدا.

-لكنك لن تجد أحدا ممن تبحث عنهم هناك، من اللصوص والقوّادين.. فكلهم مختفون .. وسيعرفون دائما كيف يختفون، فلهم خاصية الزئبق، وإن حصل ووجدت أحدا هناك فلن يكون غير مخلب قط ..

ألم أقل لك إنها عاهرة، لكن بوسعها إفادتنا بالكثير من الحقائق ..

كأنك تعبر نفقا مظلما مستعينا بمدد من الشيطان

***

أفقنا صباحا على هرج ومرج عظيميْن.. اضطراب شديد شق الساحة.. لم أفهم شيئا في البداية، ثم لم ألبث أن رأيت المحتجّين، الذين بلغ تعدادهم الآن المئات ينقسمون إلى مجموعات كل مجموعة انتحت لنفسها ناحية من الساحة ورابطت فيها.

سمعت أحدهم يصرخ :

– جهزوا القائمات.. جهزوا القائمات

جاءنا بعد قليل شخص يُشبهنا. ملابسه تقرب إلى أن تكون أسمالا، يطلب منا أن ننقسم إلى مجموعات حسب المناطق، وأن يتقدم من كل مجموعة شخصان أو ثلاثة كممثلين لها.. وإن اتضح أن هناك مناطق ليس لها ممثلوها هنا فلابد من الانتظار إلى حين وصول ممثلين عنها ثم تجهيز القائمات.

فليس من العدالة أن تتمتع مناطق وتحرم أخرى .

حسبت وحسب مراد أن الأمر يتعلق بقائمات بأسماء من ننوي شنقهم من أعدائنا المفسدين الذين تدور أسمائهم على كافة الألسن، ممن افتكوا ونهبوا كل شيء، وملؤوا حياة البشر بالمرارة واليأس. وخطر ببالي أن الطريق صار سالكا نحو قصورهم وضياعهم ومصانعهم وأملاكهم، وأولها القصر الكريه الذي تأتينا منه الرائحة الكريهة للكلبة التي لم نعرف هل ماتت أم أتت بنسل كثير يخلفها.

وحسب مراد أنه استراح من عناء مرافقة نجوى إلى قصر أحدهم.. وكفته مؤونة شنقه هناك، فالرفاق سيشنقونه هنا.

– سنمسك الوطاويط الفزعة وخراء الخوف يرفضّ من مؤخراتها ونحصل على مشاهد شنق مهولة تشفي غليل ستّين عاما من القهر. قال مراد متشفّيًا قبل أن يفهم مدلول تجهيز القائمات.

ذلك الرجل الذي تحدث عن ضرورة أن يكون لكل منطقة ممثليها، وأن ينتحي هؤلاء الممثلون كل مجموعة على حدة، لكي تكون مطالب كل منطقة واضحة ومرتبة حسب الأولوية. شاهدته يتحرك دون هوادة بين المجموعات ويتحدث مع ممثليها ثم يخرج ورقة ويشرع بخط تدوينات مطولة .

شاب كان يقف متكئا على أحد الحيطان وكعب قدمه يدق دون انقطاع عليه، لم يتحمس لتجهيز القائمات ولا اشترك في صياغة المطالب التفت هذه الساعة إلى ذلك الرجل الأبرص الأعرج وقال وهو يشير برأسه متهكما لصاحب الأسمال الذي كان منشغلا بتدوين المطالب وإعداد القائمات:

– أنظر إليه.. صاحبنا ذاك.. إنه يشبهنا وينتمي إلينا تماما.. بل هو أحدنا

قابله الآخر بنظرة مذعورة، ولم يعقب بكلمة.

***

أذهلني ما سمعته منه.. مطالب كل منطقة.. أكان هذا معنى جهزوا القائمات ؟ القائمات لم تكن إذن بأسماء المطلوبين للمحاكمة والشنق، ولم تكن بالأملاك التي ينبغي أن تُصادر وتُفتكّ وتُعطى إلى المحرومين، بل جملة من مطالب التشغيل وتحسين ظروف العيش والحصول على مورد رزق وإصلاح مسكن ومنحة وقتية للأطفال والوالدين المسنين.

لا شيء غير ذلك .

نحت نورا عينيها عن الشاشة ودفنت رأسها بين كفيها. ولسوء حظها لم تستطع أن تبكي.. كل ما كان في مآقيها سفحته من أجل يوسف، والآن هي لا تجد دمعة واحدة تسفحها بكاء على حلم الشبان الضائع.

ولأنها عجزت عن أن تبكي، شعرت باختناق مريع .

عاد فاضل: بلغني أن قوافل كثيرة شرعت تتحرك إلى جهات الداخل مُحمّلة بالمساعدات.. تبّا لهم.. وتبّا لمن يقبلها منهم.

أثلجني ما سمعته من أحد المطلعين إذ قال :

– هذه المرة قبلوا ما تهاطل عليهم من هِبات وشكروا أصحابها شكرا خجولا، لكنهم قالوا إذا تكرّر إرسال الهِبات استقبلناكم بالحجارة واطلقنا عليكم الكلب الأحمر والكلب الأبيض والكلب الأرقط.

قالوا لهم لا نريد هِبات.. بل نريد استرداد حقوقنا الضائعة، مما حرمتمونا منه لعقود..

وإن أصررتم على العودة بالهِبات ونكران حقوقنا، فالأمر بينكم وبين الكلاب.

تعرفين يا نورا؟ أين هو يوسف الآن؟ أهو إلى جانبك يقرأ معك ما أخطه لكما.. أشعر أنه يحتاجك.. ويحتاجني كذلك، وأنكما تحتاجاني معا، ولن أخذلكما أو أخيّبكما أبدا. إنني هنا من أجلكما. لكن لا أعرف بأي حصيلة هزيلة سأعود لكما.

قلت لك تعرفين حكاية ذلك الذي فرضوا عليه صفة الضيف وموقعه، التي تقرب من صفة الطفيْلي الدخيل الزائد عن الحاجة، فلم يعطوه نصيبا. كانت الأنصبة أربع، وكان هو الخامس، ومع ذلك ظلّت الأنصبة أربع، ورغم ذلك.. رغم أنهم لم يمنحوه نصيبًا ولا هو حاول أن يفتكّه فقد أشبعوه إلى حد البشم بأن أعطاه كل واحد من أصحاب الأنصبة الأربع شيئا من نصيبه.. الربع أو الخمس أو حتى أقل. فصار تحت يديه شتات من أنصبة.. ولم ينل نصيبا. وظلّ طوال حياته دخيلا مشرّدًا بين الموائد لا حق له ولا شرك.

صاحب “الباي الخامس” ذاك هو نحن.. شتات من أنصبة تجمعها لنا نفحات إحسانية، ولا نصيب لنا في الحقيقة.

تحصل صاحبنا على قائماته، وحثّ المتردّدين على تدوين أسمائهم. وبعد أن أنهى مهامه، جاء وجلس بجانبي.

عثر في صفحتي على نص كتبته أتحدث فيه عن حالنا، ففتح فمه دهشة واعجابًا ثم قال لي يا له من نص فاتن من أين لك بكل هذه البراعة؟ من علّمك الكتابة يا فاضل؟ كنت أشعر بنغمة الوصاية والرغبة في التسيّد تقْطُر مع كلماته. إنه معجب بي إذن ويمنحني شهادة استحسان.. كل هذا لا شيء فيه يُريحني.. فالرجل نصّب نفسه معيارا للتقييم.. ومثلما منحني شهادة استحسان فبوسعه أن ينقلب عليّ و يمنحني شهادة أنني أردأ الرديئين..

قلت له: تعرف كيف صرت أكتب؟ أصبت مرة بالاكتئاب ولازمني المرض طويلا.. أعتقد أن الأمر لم يكن كذبًا.. عندما أخبرته أنني عشت الاكتئاب، بل لعلّه لا يزال ملازما لي لحد الساعة، فضاق صدري وصرت أشعر بصعوبة في التنفس.. وهكذا بدلا من أن أتنفس الهواء الذي ضاق صدري عن استنشاقه أوجدت لنفسي رئة بديلة صرت عبرها أتنفس الكلمات..

وأضفت: وقد يكون امتنع عني التدخين وتعسّر غاية العسر لعجز صدري عن تقبّل دفقات الدخان. فصرت أدخن الكلمات.. وضحكت.

ضحك طويلا ثم أدنى فمه من أذني وتمتم:

– أنت تدخن الكلمات بدلا من السجائر. أما أنا.. وهذا سرّ بيني وبينك لا أريدك أن تفشيه لأحد، فلا أرضى بديلا عن تدخين النساء. كل شهر أدخن امرأة.. أتذوق نكهتها فتضجرني سريعا. فأنتقل إلى نكهة أخرى.

أترى نجوى تلك.. دخنتها طويلا حتى امتلئت بها رئتاي.. نكهتها فائقة القوة .

لعنة الله عليك .. أيها الثوري الباسل

لتلعنك ولتلعن فجورك الدنيا بكل من فيها من مقهورين.

مع شروعنا في الانقسام إلى مجموعات.. وارتفاع نسق تجهيز المطالب، صرت أرى العجول تقترب منا أكثر مما ينبغي، وتتخذ لها مواقع في الأماكن التي أخليناها، وتناوشنا أحيانا، وعلى وجوه العجول نظرات مستخفة. وتنبعث من أيديهم تلويحات أعرفها تحمل بصمة التهديد الموارب. أعرفهم حق المعرفة، وأعرف ما يريدون منا تحديدا، ينبغي أن نظل خائفين منهم، وبعيدون عنهم مسافة، وفي نفس الوقت في مرمى نيرانهم وقنابل غازهم وتحت عيون رقبائهم، لهذا لن يطلقوا علينا الرصاص. ليبقونا تحت طائلة الخوف من الرصاص؛ أما إذا فعلوا وأطلقوا علينا الرصاص فسينتهي الخوف منهم، ونلتحم معهم في صراع مميت.

من الجهة الاخرى ارتفع صوت :

– الحمد لله الذي خلّصنا من الطاغية الذي في عهده استشرى الفساد وعمّ البلاد. فخرجت النساء سافرات يتحرّشن بالرجال ويزاحمنهم كتفا لكتف. الحمد لله الذي أعاد الأمر إلى نصابه والحق إلى أصحابه ومنّ على البلاد باسترجاع هويتها الضائعة.. ألا قرن في بيوتكن أيتها النساء. فجوهر ثورتنا أن نحكم شريعة الإسلام ونعيد البشر لجادة الأخلاق الحميدة.. فلا كفر ولا رجس ولا فسوق ولا عصيان ولا مواخير مفتوحة ولا نساء كاسيات عاريات.

– والفقراء.. ماذا نصنع لهم؟ ردّ عليه صوت

– ليرحمنا الله كّلنا.. كلنا الفقراء الى الله.. ليرحمنا كلنا.. أدعوه تضرّعًا وخوفًا.. إن رحمة الله قريبة من المُحسنين ..

أدور بين الحلقات والوقت يقرب إلى أن يكون مساء، باحثًا عن سعيد فلا أعثر له على أثر. كنت أظنّه خرج برفقة نجوى، لكن نجوى هنا معنا طوال الوقت لا تكفّ عن الذهاب والإيّاب والتقاط الصور .

مراد يحدّق فيّ شزرا ونظرته تحتشد فيها المعاني الغاضبة،

– دعه يذهب حيث يشاء، ولا تقسر أحدا رَغِب في المغادرة على العودة إليك.

***

مقالات ذات صلة

  • فيديو | اعتصام “المعارضة النقابية”: فرصة “لإنقاذ الاتحاد” أم “تدميرٌ” له؟

    تقرير لإياد بن مبروك بمساهمة غسان بن خليفة يتواصل اعتصام "المعارضة النقابيّة" منذ يوم 25 جانفي الجاري في بطحاء محمد…

    الأخبار, عمّالية, هام

    اعتصام المعارضة النقابية
  • أيّام صعبة.. لكن اليأس ليس خيارًا

    إنّها أيّام قاسية.. تملأنا حزنًا وغضبًا… وهذا أمر طبيعي جدًا، بل وضروري… ولكن، لا يجب أن نكتفي بهذه المشاعر… وقياسًا…

    بلا حياد

    اليأس ليس خيار
  • سياسة الإلهاء رديفًا للقمع

    «يمكن للتلفزيون، على نحو مفارق، أن يحجب وهو يُظهر، بأن يُظهر شيئًا آخر غير ما ينبغي إظهاره.» بيار بورديو (عالم…

    افتتاحيّة, الموقف

    سياسات الالهاء
  • سلطة العجز والضدّ

    عاش التّونسيون والتّونسيّات صيْفًا ساخِنًا لا يُذكّرنا ربّما إلاّ بصيف الكوفيد. فإضافة إلى موجات الحرّ غير المسبوقة التّي تسبّبت في…

    افتتاحيّة

    سلطة العجز والضد
  • عن وطن لا يخلعُ ثوب العزاء …

    سقط الجدارُ في المزّونة، وراح ثلاثة من فلذات أكبادِنا ضحيّةً للإهمالِ الرّسمي. وتفاعُلاً مع فاجِعة الأهالي، سارعت أجهزة الدولة بتقديم…

    بلا حياد

    Thawb al 3aza