سبعة أيّام من الاعتصام – ج 2 – ما تبقّى من سَعِيد

22/07/2026
ما تبقى من سعيد

الجزء الثاني

4

ما تبقّى من سَعِيد

وفي اليوم السّابع استراح الرب.. وبدأت محنة المربوبين..

بعد عشر سنوات..

فتح سَعِيد عينيْه وتقلّب فوق فراشه، فارتجّ تحته السرير الحديدي المتهالك كلّه وأصدر صريرًا، فكّر في الحال: ذلك الحدّاد ابن الكلب الذي أودعته السرير هذا قبل أسبوعين ليُصلحه، غشّني فيه كالعادة ولَحَمَ الجزء المنحلّ منه لحامًا سرعان ما تفكّك. ولم يسترسل في خاطرته هذه، الضوء القادم من الكوّة شائهة الأبعاد التي قامت مقام نافذة أعشى عينيه، فمدّ يده أمامها ليُجنّبها النّور. غرفة على السّطح.. ولا شيء يراه من خلال الكوّة غير السماء و السُّحب التي تُعكّر صفحتها.. وبشيء من الجرأة لو نجح في التسلّل عبر الفراغ الصّغير الفاصل بين حائط الغرفة والسّطح المنخفض للدار المجاورة، بوسعه رؤية شيء من غسيل تلك الدّار التي اكترتْها عائلة لا يعرفها منذ شهور، معلَّقًا تؤرجحه الرياح.. وبوسعه رؤية شكل أنثوي مكتمل الاستدارات يتحرّك هناك بلا مبالاة.. ينشر قطع الملابس صغيرها وكبيرها. لا يتبيّن ملامح الوجه إلا تفاصيل ناقصة من خلال التموّجات الدائمة لشعر رأسها الهائج، لكنه ما أن يُطلّ بعينيْه حتّى يتخلّى ذلك الشكل عن لامبالاته ويُسرع في الاختفاء.. أو يتجمّد في مكانه وينظر إليه مباشرة في العينين، فلا يطيق مبادلته النظر أو يجرؤ عليه، لما في النظرة المقابلة من حِدّة.. ولما يحتاجه الموقف حيال أنثى مجهولة من جسارة يعرف أنه لا يملكها.. أو يجهل هو أنه يملكها، وقد تطير الريح بقطعة صغيرة من الملابس المعلّقة، فتحطّ في فراغ سطحه أمامه.. قطعة صغيرة عادة، فالقطع الثقيلة لا تطير مثلما نعلم. ويخجله الاحتفاظ بالقطعة أو حتى لمسها مثلما يخجله أن يُفكّر في إعادتها.. الدار التي تحته صغيرة تشبه الجُحْر.. وكذلك الدار المكتراة التي تجاورها.. في الأولى تقيم امرأة دميمة مع بناتها الثلاث الدميمات مثلها ورجلها المتعطّل دائم السبّ واللّعن ، بسبب الحظ السيئ الذي يعانده دوْمًا، ومصدر دمامة البنات الثلاث كان قناعتهنّ الراسخة بأنهنّ طالما أن لا أحدًا من الرجال تقدّم للزواج منهنّ، فهنّ لم يعدن يصلحن لشيء، ولا فائدة تعود عليهنّ من الاستمرار في الاهتمام بمظهرهنّ، والبيت الـأخرى تقيم بها امرأة شابّة بمعية زوجها المُقْعد الذي غالبًا ما يعتقد سعيد أنه يحمل عنه ذكرى باهتة ويُفكّر أنه ربّما سبِق له أن عرفه يوما في السابق، لكن حالته العاجزة وهو يضطجع على كرسيه المتحرك، بجسد ناحل غاية النحول، صامِتًا صمْتًا مطبقًا لا يخاطب سعيد ولا يردّ عليْه كلّما مَرّ هذا من أمامه، بل لا ينظر إليه أصلًا، لم تشجّع سعيد ولا أعطته حافزًا ليبذل جهدًا ليُعيد التعرّف عليْه، إن كان حقّا يحمل اعتقادًا قويًّا بأنّه كان يعرفه في الماضي. كان هذا الشاب المقعد وزوجته التي تماثله في الطباع، لا يكاد يُسمع لهما صوت في الفضاء السكني الذي يتعايشون فيه ثلاثتهم، كأنّهما يعيشان في فلكٍ آخر..لا يُخاطِبَان أحدًا ولا يهتمّان بأن يخاطبهما أحد. لكنّ مظهرهما المزري ووجهيْهِما الشاحبيْن لم يكونا يعطيان الناظر إليهما غير القناعة الأكيدة بأنهما يعانيان فقرًا مدْقعًا. يصعد سعيد إلى حفرته في السطح عبر سُلّمٍ معوجٍّ متناهي الضيق يفصل الداريْن عن بعضهما، والحاجز على جانبيْ السلّم واطئ يُتيح له مشاهدة ما حوله.. أثناء كلّ صعودٍ ونزولٍ عليه النظر أمامه بشكلٍ مستقيمٍ. فلا تحيد نظراته يمينًا أو يسارًا، لئلا يسمع تلك الأنّة المنكرة وتلك الخبْطة العنيفة على الصدر وذلك الصوت الملول الذي كأنه ينبعث من حنجرة ميكانيكية، فلا يفلح في معرفة أهو صوت امرأة أو صوت رجل:

_ «  يا ربي ديما تتكشف على بناتي.. إحشم بللّه.. إحشم بلّله ولم عينيك. »

تناوب صوت الصرير المُنبعث من السرير الحديدي المتهالك، مع صوت رنين الهاتف الموضوع على منضدة قرب السرير.. ذلك السرير الهزّاز الذي أخبره الحدّاد هازئا أنّه لم يعد يرى أحدًا يستعمله منذ عقود، والذي عنده منه واحدًا لا غير.. ألقاه منذ سنوات فوق سطح داره، لعدم حاجته إليه، ولانعدام الراحة في النوم فوقه.. ثم أنزله من على السطح وأعطاه لأحد البنائين ليُغربل فيه الرمل، أربعة من القضبان الحديدية المتحرّكة إلى أمام والى خلف مشدودة إليها شبكة من الأسلاك الحديدية المتقاطعة المهتزّة مشدودة لبعضها بعدد من الروابط المعقوفة.. وقد ينفلت أحد تلك الروابط فيتدلّى جزء منه ويتدلّى معه الجزء من الجسد المنطرح فوقه، ويصير النوم في السرير عذابًا مبرحًا. وما أصاب السرير أخيرًا هو أن أحد سيقانه صار سلسًا متناهي المرونة، فلا يتوقّف انزياحه عند الحدّ الذي يُتيح انتصابًا متوازنًا للسرير، بل يتعدّاه ليرقد كلّيًا فيطيح بالسرير كلّه.. ويجد جسده يتدحرج إلى أسفل رغم أنفه. صوت الرّنين المنبعث من الهاتف أيقظه وحال دون سقوطه، فانتصب واقفًا والتقط الهاتف.. ثمة هاتفان فوق المنضدة المربّعة قبيحة الشّكل.. والمنضدة اختلطت على سطحها الألوان لكثرة ما انسكبَ فوقها من شاي وقهوة وما انطفأ من أعقاب سجائر. أحد الهاتفيْن ذو شاشةٍ كبيرةٍ ودون أزرار.. لكن دون أن يصل أحد إلى القول أنه هاتف ذكي، فهو كان معطوبًا من زمان، وشاشته مكسّرة، مثل أغلب شاشات هواتف الناس الذكيّة ويرقد على وجهه، والثاني رخيص وصغير الحجم بأزرار، هو الذي يستعمله دائمًا.. رغم أنّه ليس حدادًا ولا بناء ولا ميكانيكيًّا ليُبرّر استعماله بصغر حجمه وتحمّله للتوسّخ. لم يعرف صوت المتكلّم لأول وهلة.. ولا لثاني وهلة. خيال من ماض بعيد وقديم طَرقَ عقله وهو يصغي لنبرة الصوت الآتي عبر الهاتف.. في المرة الثالثة ردّ على محدّثه الذي صاح فيه مستنكرًا :

_ كيف لم تعرفنا يا سعيد ؟

_ أهلا.. الحق لم أعرفك.. العفو.. عرّفني بمن أنت.

_ هههه.. قهقه صاحب الصوت.. فعلاً انقضت سنوات طويلة.. وطبيعي أنّك لا تذكرنا. لكن شكرًا للفايسوك الذي أعادك لنا ..

_ الفايسبوك ؟

_ نعم.. الفايسبوك يا سعيد، رأينا صورتك فعرفناك.. نسيتَ رفاقك في المدرسة؟.. جلال وكمال وأمين.

_ جلال وكمال وأمين.. ردّد مأخوذًا ومحاولًا بابتسامته تذكّر إن كان له رفاق في مدرسته بأسماء مثل هذه.. ودرءًا لأن يُتّهم بالجحود ..

_ كنا نسمّيك ” سعيد الحمّال ” ؟

_ ” بين المزابل “.. ردّد سعيد. أهذا كل ما تتذكروني به؟ وقد انفلتت منه ضحكة .

_ آه.. ” سعيد الحمال بين المزابل “.. ردّد الصوت مقهقهًا.. كان الأمر هكذا.. لكن أنت كنت بيْننا.. ولم تكن في المزابل.. ولم تكن تفعل أقلّ منّا ..

أمر جميل.. فكّر سعيد.. هزل الأمر كله. وسخف غاية السخف. لم يجدوا شيئًا ليذكروني به غير أنني كنت معروفًا عندهم في الصغر ” بسعيد الحمّال بين المزابل ” ..

_ لا داعي للغضب صديقنا سعيد.. نحن نحبّك كل الحبّ.. ولسنا نتّصل بك لنستهزئ، فهو لم يكن غير عنوان درس كنّا نقرأه في القسم.

صديقنا ” السيّد ” وما أدراك.. كنا نسمّيه ” الصيدلية ” وكان وجهه ينشقّ لفرط الغضب.. ثم نسي الأمر كلّه ورجع ” السيّد ” مثلما كان ..

ردّد صوت آخر.. كنت تمارس انتقامك بطريقتك الخاصّة.. فتُحوّر عنوان النصّ ليتّخذ المعنى الذي يشفي غليلك منّا.

وانفجرت القهقهات.. وقهقه سعيد معهم وهو يصغي.

_نص : ” ريكو ..” ذلك الولد اللّطيف الذي عرفناه في الدرس الخامس، صرخ الأول من خلال الهاتف .. ماذا صار اسمه ؟

_ ” زيكو..” ردّد سعيد مداورًا

_ كلا صديقي.. ” زيكو ” هذا لا أحدا منّا كان يعرفه.. ربّما عرفنا ” بيليه ” وقتها فقط..” ريكو ” لم تكن تحتمل غير تحوير واحد كنت أنت أبرع من يقوم به

_ ” ديكو ..” واصل سعيد المداورة وهو يهتزّ ضحكًا ..

_ أذكر أنني حوّرت رسم الراء نونًا بالقلم الجاف. بتحريض منك يا سعيد.. واكتفيت أنت بالترديد، وأنقذني أن المعلم لم يرَ ما كتبت

_ آه .. انفجر الضحك عبر السمّاعة.. برهة بعدها عاد صوت.

_ سعيد.. “توحشك” أصدقاءك.. “توحشناك” كثيرًا، لطول الغياب. إليك المزيد من التفاصيل .. فعلا.. ردّ سعيد محاولًا الإفلات من الزاوية التي انحصر فيها الحديث.. رغم أنه بدا له أن اجترار الذكريات مع أصدقاء نبتوا فجأة أمامه طريفًا غاية الطرافة ومسلّيًا جدًّا.

_ فعلاً.. تفصيل واحد نهمله يكلّفنا غاليًا ..

_ آه سعيد.. تبدو قد صرت كبيرًا صديقي، وتتفلسف كثيرًا محاولاً التهرّب. لا زلنا نعتبر أنفسنا فراخًا صغيرة، ولا نسأم من التفاصيل.. ولا من بلادة الصغر

.. ومرّت بقربنا مرّة حليمة المعلّمة.. وكان عندنا في الكتاب نص “تحلب حليمة بقرتها” وحالما شاهدتها تقترب قلت معرضًا بها “تحلب حليمة بقرتها”

فالتفتت حليمة ونظرة حمراء في عينيها ..

_ «  تتبولد.. تتقبّح..؟”

وأنقذك منها ومن غضب المدير شهادة معلّمك الذي كان يكره حليمة أشدّ الكره.. ويعتبرها امرأة “باسلة ماسطة لاسطة” مارقة، ويكفي أن اسمها “حليمة” المثير للغثيان.. بأنّ “تحلب حليمة بقرتها” كان بالفعل درسنا ذلك اليوم وأنت لم تكن “تتبولد” عليها، بل فقط تذاكر درسك، والصدفة فقط حكمت بمرورها قريبًا لتسمع منك ما سمعت.

_ ملخّص القول صديقنا سعيد.. نحن قادمون لزيارتك بعد يومين ثلاثتنا، أنا وكمال وأمين.. نحن في جولة سياحية و معنا سيّارة، وعرفناك من أمريْن: هما تذكّرنا أنك أصيل المدينة التي نقصدها وعثورنا عليك في الفايسبوك.. دعنا نُجدّد العهد ونتذكّر الأيّام الخوالي الجميلة ونعود أصدقاء مثلما كنّا..

_ أهلا بكم كلكم.. كم سيسعدني أن أستقبلكم

مثلما كنّا؟ هل كنّا كذلك فعلًا؟ لم يكن بحاجة ليُذكّروه بكلّ تلك الوقائع ليعرفهم.. أمين ابن المتفقد أكمل دراسته وتخرّج مديرًا في أحد البنوك وتزوّج من ابنة رئيس شعبة سابق له ثلاثة بنات لم يزوجهنّ لغيْر أصحاب مال وثراء.. وأمين كان أحدهم.. وكمال رئيس قسم في إدارة في مدينة بعيدة.. وجلال يسمع أخباره من حين لآخر.. وآخر ما سمعه عنه أنه قضّى إجازةً مطوّلة سائحًا في باريس..

اللّعنة.. سقط جبل من الهمّ والغمّ على رأس سعيد.. بماذا سأستقبلهم وأيْن سألتقيهم لأُجدّد معهم العهْد وأتذكّر الأيام الخوالي الجميلة؟ هنا في هذه الحفرة المطلّة على باحة دار تلك الدّميمة وبناتها الثلاث والأخرى جارتهم المتزوجة من الشاب المقعد نارية النظرات؟

نحن الشباب.. نحن..

أخادع نفسي إذ أعتقد أنني مازلت شابًّا، حتى وأنا مازلت بعيدًا عن الأربعين، لكن ما مرّ بنا في هذه السنوات العشر بعد ذلك الاعتصام صيّرنا شيبًا. وجعلنا نشعر بأنفسنا شيوخًا وعجائز في أرواحنا، ونحن لم تخط الشعرات البيض مفارق رؤوسنا.

حياتي لم تتقدم بي خطوة واحدة في اتجاه كل ما أملته وحلمت به.

ها أنا قد عدت مشردا في جحر فوق أحد الأسطح. يومي يشبه أمسي، وغدي موؤود قبل أن يولد.

حتى ثمن قهوة لا أملكه لأدعوهم لشربها في مقهى يليقُ بهم.. لثلاثة أشخاص، بمقامات بتلك الرفعة.. مالي ومقاماتهم؟ لست غير” سعيد الحمّال بين المزابل”، رغم أنّني لست حمّالًا ولا خضت يومًا في المزابل.. فكّر في دعوتهم للتنزّه في حديقة عموميّة، لكنه تذكر أن مدينته خالية من الحدائق العمومية. فكّر في أخذهم لأحد أحْواز المدينة.. الربطة مثلاً ليشاهدوا المدينة والرّيف معًا، لكنّه تذكّر أن الرّبطة تكدّست فيها فواضل البناء وانتشرت فيها الكلاب السائبة.. وصارت مكان القعدات الدائمة لعشّاق الخمر.. هؤلاء الذين بخلت عليهم المدينة بمكان يروون فيه عطشهم دون رميهم مثل الكلاب الجرباء في الخلاء. وتذكّر أخيرًا أنه لا يملك في جيْبه ملّيمًا واحدًا، ولا يملك قميصًا ولا سروالًا واحدًا لائقًا ولا حذاء غيْر ذلك الذي بلّته شوارع المدينة وحفرت نعْله.

فكّر أخيرًا.. إمّا أن أدعوهم لزيارتي هنا.. وفي هذه الحالة اللّعنة على السرير الهزّاز، هذا الذي ترفض سيقانه أن تُطوى لأضعه خارجًا.. وأنشر المنضدة مكانه.. لنتحلّق حولها.

وأخيرًا خطر بباله خاطر أخير.. فكّر في جارته البائسة بلؤم ونذالة متناهيتيْن. جارته غير الرّحيمة بنظراتها النّارية التي ترشقه بها كلّما شعرت به يتلصّص عليها

نظر إلى قطعة الملابس التي تنام وراء المنضدة.. وضعها هناك كي لا تراها أمّه لو قامت بإحدى زيارتها النّادرة لجحره.. التقطها أمس ولم يردّها إلى سطح الجارة.. لماذا تصرّ إحداهنّ على نشر ملابسها الداخلية هناك؟ مع علمها بأنّني سأراها لا محالة.. وبأن البعض منها ستقتلعه الرّيح وترميه عندي. صمّم هذه المرّة، والهاتف لا يزال بين يديْه.. سأريها ما أوقعته الرّيح على سطحي، وأطلب منها أن تتسلّمها منّي يدًا ليد، فهكذا يكون ردّ الأمانات. وسأقول لها كم هو رفيع ذوْقها في انتقاء ملابسها الداخلية.. ( لم يعرف إلى أيّ حد سيكون جريئًا ليقول كل هذا. كان يقول كل هذا لنفسه وينظر محنقًا للحافة التي تفصله عن السطح الآخر المنخفض.. ) وسأقول لجارتي من هم الأصدقاء الذين سأستقبلهم.. وأنتظر ردّ فعلها، وأزيّن لها الأمر وأؤكّد لها أن أصدقائي هؤلاء لديهم المال بالأكداس.. لو تقبل هي المجيء..، هذه التي لم أختبر منها غير نظرات حادّة.. ولا أعلم إن كانت تلك الحدّة حقيقية أم مُفْتعلة.. وعلى كل حال فلأيّ سببٍ هي حادّة معي؟ لأنّه لا شيء لديّ لأقدّمه لها.. ولأنّني صامت حيالها كل الوقت.. مجرّد فأر جبان.

وأصدقائي.. الذين قدموا بحثًا عن السّياحة والتسلية.. لن يكونوا على غيْر المثال الذي أتوقّعه.. ولن يرفضوا حضور أنثى معنا.. سيكون ذلك جلّ ما أقدر عليه معهم، وسينضاف الأمر لخزّان ذكرياتنا..

السرير.. هذا السربر لم يعد وجوده أمرًا لعينًا.. بل اللّعين أنّه لم يعد يصلح. وقت الحاجة الماسّة إليه. اللّعنة على ذلك الحدّاد.

لالالا.. انتفض في مكانه، ينالون الوليمة الشهيّة وحدهم؟ الواحد إثر الآخر.. فوق السرير الهزّاز.. شبّان لعوبين.. لديهم المال والوقت.. وأزيدهم جارتي.. التي لم أستطع مبادلة الكلام معها من يوم قدومها إلى هنا.

ينالونها ثلاثتهم من اللّحظات الأولى، ويكتفي هو بالنظر، وبكرم ما قدّمه من ضيافة..

إن المرأة المقيمة في الدار التي تحته لم تكن غير نورا.. قذفتها رياح الخطوب وتعاقب الأحداث السيئة طوال هذه الأعوام إلى هذه الحفرة المُسمّاة “وكالة”.. بعد أن أوصلت الأمر مع يوسف إلى منتهاه.. فلم تتخلّ عنه أبدًا.. رغم تفاقم إعاقته إلى درجة العجز شبه التّام عن الحركة، وتزوّجته في النهاية.. وعاشا معًا سنوات. تتقاذفهما الأماكن والظروف، ولم يفلح يوسف في مسعاه لمغادرة الرواية والذهاب دون عودة للجانب الآخر من الهضبة، ومنها ولوج عالم آخر.. وانقاد لما سطره له خالقه ومؤلفه، واتبع المسار المنطقي الذي خطّه له عجزه العضلي. نورا هي كل حياته وأمله، هي تطعمه وتسقيه.. تلبسه ثيابه وتدفع به عربته المتحرّكة إلى مكان تصله الشمس .. يقضي ساعتيْن هناك.. تعيده بعدهما هي إلى الداخل.

ونورا وإن كانت تعلّق أملاً بسيطًا على آخر ما بلغها من فاضل.. الذي حطّ رحاله أخيرا في بر لمبيدوزا .. بعد أن شبع .. لسنوات طويلة أعقبت فض الاعتصام .. تسكّعًا في الموانئ وشبع وعودًا بالمستقبل السّعيد على الضفة الأخرى من المتوسط، ووعدها أنه سيفي بوعده هذه المرة، ويرسل لها شيئا من المال مطلع الشهر.. فإنّها لم تكن تستطيع أن تتجاهل وضع الفاقة المتفاقم الذي تواصل التردّي فيه، ويحتاج منها إنقاذًا فوريًّا لا تعرف ممّن سيأتيها ولا بأيّ ثمن عليها أن تدفعه في المقابل.. وجارها سعيد يتجرّأ عليها أخيرًا جرأة لم تجد في نفسها حيالها قوّة لتوقفه عند حده.. فيشهر في وجهها قطعة من ملابسها الداخلية قذفت بها الرّيح عند سطحه، ويخبرها وهو واقف قرب الجدار الواطئ الفاصل بين سطحه وسطحها، بما يعني أنه كان يخاطبها من موقع مرتفع عنها قليلا.. أن له ثلاثة من الأصدقاء سيحلّون ضيوفًا عنده هذا المساء.. ويزداد جرأة وهو يرى تعابير وجهها تزداد انخسافًا، بعد أن انقشع عنها تأثير المفاجأة والوقع الصادم لكلامه، فيؤكد لها أنهم ثلاثتهم من أصحاب الملايين.. انظري مليًّا في الأمر.. لدينا غنيمة مؤكدة هذا المساء.. لكن بدلاً من أن نكون نحن غنيمتهم.. هكذا فكّر.. لندعهم يكونوا هم غنيمتنا..

_ وماذا تريد منّي ؟ وكيف ننال الغنيمة؟ ردّت بصوت تحرّت أن يكون هازلاً قدر المستطاع..

_ ما أريد منك؟ شيء صغير فقط : هو أن تشتركي معي في استضافتهم..وأن تلبّي لهم ما يرغبون فيه.

همّت بأن تردّ عليه قائلة لماذا لا تذهب لواحدة من البنات الثلاث في الدار الأخرى.. فتدعوها لمشاركتك استضافة أصدقائك..؟ لكنّها فكّرت أن ما لا ترضاه لنفسها لا يصحّ لها أن ترضاه لغيرها.. فظلّت صامتة.

لكن لحظتها كذلك لم تعرف لِمَ تراءى لعينيْها يوسف في وضع يشبه جثة باردة تجثم على كرسي متحرّك..

قلبت في وجه سعيد نظرات متوسّلة..

لا تعد عليّ مثل هذا الكلام.. لكن كذلك لا تذهب أرجوك.

_سيتكرّر هذا الأمر.. إن رغبت.. ونجني مالاً كثيرًا

أشاحت ببصرها عنه

_وأكون أنا والفتيات الثلاث بغياتك الأربع، وتكون أنت قوّادنا اللّعين… ويصير هذا وكرًا للبغاء.. ما أسهل كسب المال.. فكّرت نورا، ثم عاودت الالتفات إليه ورفعت صوتها:

_أتحسب أنك ستبتزّني بقطعة القماش تلك؟ أنا لم ألقها على سطحك. وبوسع أيّ امرأة أن تمتلك قطعة قماش مثلها.. حتى عجوز في التسعين

بدأ شعور بالخيبة يسري في وجه سعيد.. لكن نورا كانت تتساءل إن كان لا يشعر بالخزي بالقدر نفسه الذي يشعر فيه بالخيْبة؟

كل هذا كان على حدة.. الّنقمة.. الغضب.. الاستهجان.. الرّفض.. التقريع.. السخرية.. حالات نفسية تتعاقب بشكل سريع .. لكنها كانت كلّها في نفس نورا تشبه دوّامات تثور وقتيًّا.. ما أن تنتفخ إحداها وتشرع بالتمدّد على سطح وعْيها حتى تنفخ عليْها ريح عنيفة، وتنتهي بالتلاشي على صخرة الواقع المرّ الصلب.

والشعور بالخزي لم يمنع أبدًا من إقدامها على ما كانت ترفضه بلسانها. لقد عبّر لها عن شعوره بالخزي والأسف لما بدر منه من سفالة، ذلك ما كانت تريده منه، لكن الأمر انتهى ذلك المساء بصعودها معه إلى حجرته .

صعد الأصدقاء الثلاثة السلّم.. بعد أن ركنوا السيّارة أسفل المدرج.. في مكان تستطيع أن تطلع عليه عيون أهل الدارين.. منشدين من الإثارة.. متدافعين في الحيّز الضيق للسلم.

الوقت مساء.. والإنارة في الغرفة كابية. وهذه الإنارة الكابية هي ما لن يتيح لنا معرفة شيء ممّا كان يدور في الغرفة .. ويحسن بنا متابعة بقية المشهد من بعيد .. لكنّنا مع ذلك نصغي إلى صوت مبهم. السرير الهزّاز أصدر صريرًا طويلا هذه المرة.

وشبح سعيد يدور ويدور، يذهب إلى فراغ السطح فيقف هناك قليلا، ثم تلفحه الرّيح الباردة، فيعود ويُرابط أمام باب الغرفة. انقضت ساعة أو أكثر.. والسرير لا يتوقف عن إصدار الصرير.

أخيرا انفتح الباب، ومرق شبح نحو الخارج، في الفراغ خيّمت الظلمة.. حيّز النور انحصر في ما يبدو من خلال كوّة الغرفة التي عاودت إغلاق بابها خلفها بسرعة خاطفة ..

ولكن قبل أن تفعل نادت سعيد.. حالما اقترب منها أهوت عليه بصفعة مدوّية.. وأدارت في وجهه نظرتها النّارية وجرّته خلفها نحو سطح آخر..

_ كنت أنتظرك دائما يا سعيد وكنت انتظر من يدك أن تمتدّ لنا.. لكن هذا آخر ما كنت أنتظر أن تدعوني إليه..

وجرّته خلفها في الظلام قافزةً فوق الأسطح ويدها لا تفلت يده ..

كانت خائفة من الظلمة ولا تريد البقاء وحيدة ..

_ ليس لنا غير أن نهرب. بعد أن ورطتني وورطت نفسك في هذا الشيء القبيح.. لا شيء بينك وبين هؤلاء.. ولا حتى “ذكريات الطفولة”.. أتفهمني

_ ماذا فعلت؟ لِمَ نهرب ؟ سألها والفزع يملأ وجهه

_ عد إلى الغرفة وستعرف..

_هل …؟ وشعر بريقه جافًا، وعجز عن إكمال السؤال…

_ نعم.. لقد قتلت أحدهم.. بوسعك قول ذلك.. بقرت بطنه بسكّين وهربت منهم.. لم أفعل غير ما تحرّقت لفعله بأحد الأوغاد منذ عشر سنوات.

وتوقّفت وهي تلهث، ثم أكملت بعد أن تغلّبت على لهاثها:

_ أتعرف أول ما فكرت فيه وأنا أصغي لحديثك؟ أن أمسكك من قفاك وأرمي بك من حالق فيتهشّم رأسك. ثم عدلت لأنني فكّرت أنك قد تكون ذا نفعٍ ليوسف عندما أغيب عنه نهائيًا.. ومن الأفيد للبشرية أن أريحها من أحد أولئك الأوغاد، مثل الذين استضفتهم الليلة

عاد بذاكرته إلى عشر سنوات خلت.. وعرف أيّ فراغ مريع كان يحياه، وكم ضيّع من حياة خلال تلك السنوات العشر.

_ كنت مضطرًّا يا نورا.. كم كنت تافهًا أحمقًا. هل ستغفرين لي؟

_ لنفسي؟ وضحكت بمرارة .. أطلبها لنفسك.. المغفرة.. إن قدرت عليه.. ثم توقّفت عن الكلام فجأة واستدارت نحوه:

_ هل يسحقك الندم وتبحث عن المغفرة حقًّا؟

_ أي.. عاد متوسّلا.. وكانت هي على وشك أن تصدّقه … لم أعد أعرف ما أقول.. بعدما فعلت..

_ ” باهي.. اللي صار صار.. » هل ستعتني بيوسف عندما يمسكون بي؟ خذ كلّ هذا المال.. إنه الغنيمة.. سأعترف في الحال بأنّني أنا القاتلة.

وشدّته إليها بقوّة، مثل طفل صغير ظلّ الطريق، يدها كبشت في يده مثل كلابة.. تحاول أن تدلّه على المسلك الصحيح، لكن جسدها كان يرتجف كلّه. لقد نسيت نفسها كلّيًا ولم يعد يهمّها أيّ مصيرٍ ينتظرها بل أي مصير ينتظر يوسف ..

مقالات ذات صلة

  • فيديو | اعتصام “المعارضة النقابية”: فرصة “لإنقاذ الاتحاد” أم “تدميرٌ” له؟

    تقرير لإياد بن مبروك بمساهمة غسان بن خليفة يتواصل اعتصام "المعارضة النقابيّة" منذ يوم 25 جانفي الجاري في بطحاء محمد…

    الأخبار, عمّالية, هام

    اعتصام المعارضة النقابية
  • الماء والدولة وإدارة التبعية في تونس

    رانيا مجدوب تتبّع مجرى الماء منذ أسابيع عدة، تتزايد في تونس الاحتجاجات بسبب انقطاعات المياه. ففي قفصة وجندوبة ومناطق أخرى،…

    بلا حياد

    الماء وادارة التبعية
  • الجيل المهزوم: هذا ما أرادوه لنا

    في 9 أفريل 2003 لم يتعدّ عمري التسع سنوات. شاهدتُ سقوط تمثال كبير عبر شاشات التلفاز، ولكن الأجواء التي خيّمت…

    بلا حياد

    WhatsApp Image 2026 07 30 at 12.33.57
  • ما وراء العشرية: سؤال الثروة والسلطة

    الطبقة السياسية التي يريد كثيرون الخلاص منها، بوزرائها ونوّابها وأحزابها وجمعياتها، ويعتبرونها المتسبّب الأساسيّ في المأساة التونسيّة، ليست كيانًا واحدًا…

    بلا حياد

    سؤال الثروة والسلطة
  • “زمان غير زمانِكم”: عن حقّنا في إعادة تعريف الإحباط والمقاومة

    في قاعة واسعة، ولساعاتٍ طويلة، استمرّ نقاش غير شيّقٍ بخصوص مراجعة عنوان مؤلّف حول الشباب في المنطقة العربية. تقول الترجمة…

    رأي