في قاعة واسعة، ولساعاتٍ طويلة، استمرّ نقاش غير شيّقٍ بخصوص مراجعة عنوان مؤلّف حول الشباب في المنطقة العربية. تقول الترجمة المقترحة “الإحباط”، ويدور الاعتراض حول “قسوة” العبارة باللغة العربية وخطر تغذية حروفها الغليظة على غلاف الكتاب لشعور الإحباط لدى الشباب. لا يفارق هذه المشهد ذاكرتي، ويُذهلني أنه لم يناقش البتّة التوصيف وملابسات الخلوص إليه في حدّ ذاته بل مقبوليته وأثره، ويضحكني أنه يعود إلى عشر سنوات مضت، تضاعفت مذّاك التحديات وتغذّى الإحباط بالفعل واستحالت الأزمة سياقا زمنيا ممتدّا ومتعدّد الأوجه لا ظرفا استثنائيا.
تجد عبارة “الإحباط” رواجا منقطع النظير في خطاب المؤسسات الإعلامية والدولية، وكذلك في الانتاجات البحثية والسياساتية التي تتناول أوضاع الشباب. وهي تحمل مزيجا غريبا من الشفقة والازدراء والتعاطف والإدانة معًا: الإدانة بماذا؟ بفشلٍ عميق ومتعدد المستويات في جعل الواقع أفضل، والمستقبل قابلا للتخيل. تحضر عبارة الإحباط مع مجموعة ملحقة من العبارات كالاستقالة والعزوف واللامبالاة والقلق وانعدام الثقة، وهي عبارات مناقضة لما ترتبط به مرحلة الشباب في الأصل، ولذلك تبدو هذه الحالة الجماعية خيانة لوظيفة مقدّسة يُعتقد أنه التزم بها وأنجزها جيل بناء الدولة الوطنية بُعيد الاستعمار.
الخطيئة الأولى: كشف حساب منحاز
يوجد ميلٌ لاعتبار حصيلة الواقع الحالي مسؤولية جيل “معطوبٍ” وغير ملتزم بالشكل الكافي تجاه القضايا الاجتماعية والاقتصادية والوطنية. توجد حالة عامّة من النوستالجيا السياسية لزمن كان فيه النضال أكثر جماهرية وحيوية في الجامعات والشوارع وغيرها من المساحات، وهو حنين كثيرا ما تعبر عنه النخب الأكبر سنا بطريقة جارحة وغير مراعية وفيها الكثير من الفوقية، ولا يقصد بهذه الإشارة إصدار اتهام مطلق أو تغذية للصراع التقليدي بين الأجيال، لاسيّما أن شريحة واسعة من الشباب هي بدورها أسيرة لهذه النوستالجيا باعتبارها آلية دفاع يُعتقد بشكل كبير أنها غير وفية للواقع بقدر ماهي بناء تخييلي للماضي يستجيب لحاجات نفسية ومجتمعية في الحاضر. إنّه في حقيقة الأمر محاولة للإضاءة على أن هذا الحكم المنحاز على الشباب هو بمثابة “خطيئة أولى” عطّلت فهما أعمق وأجدى للأسئلة الكبرى حول مختلف القضايا المتعلقة بالحرية والعدالة والتحرير اليوم. وبسببها تورّط جانب واسع من الفاعلين في الفضاء العام في سلسلة لا متناهية من الأخطاء في توصيف الأزمات التي يعايشها الشباب وكيفية التعاطي معها سواء على مستوى السياسات الحكومية أو غير الحكومية التي تعترف بجوهرية الدور التي يفترض أن يلعبه الشباب في أي عملية تنموية أو نهضوية دون أن تحقّق أي تقدّم ملموس في توفير الظروف اللازمة للعب هذا الدور على وجه مرضٍ.
إن ما نميل إلى تسميته بالإحباط لدى الشباب قد يعكس، في جزء منه، امتدادًا لمسارات تاريخية واجتماعية عاشتها مجتمعات ما بعد الاستعمار. فهؤلاء الشباب يحملون في حاضرهم آثار خيبات متراكمة تتجاوز تجربتهم الفردية المباشرة، لتتصل بسياقات أوسع من التحولات السياسية والاقتصادية الممتدة. وبذلك يمكن النظر إلى هذه الحالة بوصفها شكلًا من الأثر الممتد للصدمة التاريخية عبر الزمن، ليس بالمعنى النفسي المباشر الصارم لمفهوم “انتقال الصدمة عبر الأجيال”، بل كاستعارة تشرح كيف يمكن للتجارب الجماعية الثقيلة أن تترك بصماتها على الوعي الجمعي وأنماط العيش والتوقعات المستقبلية. وهكذا تؤدي الأزمات الممتدة إلى إعادة تشكيل علاقة الأفراد بالزمن: يصبح المستقبل أقل وضوحًا وأكثر انغلاقًا، بينما يكتسب الماضي حضورًا أقوى في المخيلة الفردية والجماعية يجعله أكثر جاذبية. هذا التحول لا يؤثر فقط في التصورات، بل ينعكس أيضًا على معنى الفعل السياسي نفسه، إذ قد يبدو الفعل في بعض السياقات متعثرًا أو محدود الأفق، لا لأنه غائب، بل لأنه يُمارس داخل أفق زمني مثقل بالانتظار والتجربة المتكررة للأزمة.
الحركة ضمن بنية مستمرة من عدم الاستقرار
لا يمكن التقدّم في أي اتّجاه دون الإقرار بخصوصية المرحلة الراهنة التي تتميز بعدم الاستقرار، ذلك أنّ طبيعة التحولات ونسقها خلال العقدين الأخيرين ليست معطى يمكن تجاهله. إننا نتحدث عن الحركة ضمن بنية مستمرة من عدم الاستقرار، وهو ظرف لم يعايشه من سبقونا، ولا يعني ذلك ضرورة أنهم كانوا أكثر حظا بل يعني أننا إزاء تحديات جديدة لم تراكم فيها التجربة الإنسانية أي خبرة سابقة. لا يقتصر عدم الاستقرار الذي نعايشه على المجال السياسي وحده، بل يمتد ليطال مختلف الأبعاد التي تشكل الحياة اليومية للشباب. فعلى المستوى الاقتصادي والاجتماعي، تتراجع قدرة العمل على توفير الأمان والاستقلال، في ظل هشاشة متزايدة في أسواق الشغل وتآكل اليقين المرتبط بالمسارات المهنية التقليدية. ومن الناحية السياسية، يتعزز الشعور بانسداد الأفق وضعف القدرة على التأثير في القرارات الكبرى، بما ينعكس على الثقة في المؤسسات وفي جدوى المشاركة العامة لاسيّما بعد ما آلت إليه معظم موجات الحراك من أجل التغيير في أكثر من بلد من بلدان المنطقة العربية. ونتيجة لذلك، لم يعد التخطيط للمستقبل يستند إلى أرضية صلبة من التوقعات المعقولة، بل إلى تقديرات مؤقتة وقابلة للتغيير باستمرار. إننا نتحرك في واقع تتقلص فيه القدرة على الاستشراف، وتتراجع فيه إمكانية بناء تصورات مستقرة للمستقبل، وهو ما يجعل النتائج غير مضمونة إلى حد بعيد ويحوّل التكيف مع عدم اليقين إلى جزء من التجربة اليومية.
لذلك تبدو هذه الحركة، بمعناها العام، متقطعة، حذرة، متردّدة لكونها محفوفة بالمخاطر، لكنها على أية حال موجودة ومتواصلة وهذا جوهر الاختلاف في توصيف هذه الحالة. في حقيقة الأمر، لم يختفِ الفعل بل أخذ أشكالا مختلفة وجديدة قد تكون فردية، أو رقمية، أو مؤقتة. لا يمكن اليوم الحصول على أجوبة على الأسئلة الكبرى في ظل إغفال المسارات الشخصية التي تنحت طرق اشتباك الشباب مع الواقع بشكل يومي وبأدوات خاصة. إذ لم يعد الفعل الجماعي يتشّكل بالضرورة في الفضاءات التقليدية من أحزاب وجمعيات ونقابات طلابية وعمالية بل ضمن مسارات بديلة بعضها معروف وبعضها الآخر غير معروف، تنشأ بشكل قصدي أو عفوي، وعبر تجارب غير متجانسة غالبا وفردية بدرجة كبيرة، لكنها تتقاطع وتتواصل وتتطور وتراكم لصالح قضايا مشتركة في نهاية المطاف.
المقاومة شاهدا على الحياة
يُعدّ الفعل المقاوم للاحتلال الإسرائيلي اليوم لاسيما في فلسطين ولبنان شاهدا على الحياة في جيل متّهم بالتقصير والاستقالة والاغتراب. إذ تعمل المقاومة على تجاوز شروط القوة غير المتكافئة ببصمة شبابية خارجة عن المعتاد من حيث أدواتها وشكلها وهوية المنخرطين فيها. إنّها تُعيد الاعتبار، إن صحّ القول، إلى الشباب وتقّدمه خارج الصور النمطية التي تختزله في “ضحية” للأزمات المتعاقبة في المنطقة أو تعتبره مساهما في إنتاج هذه الأزمات عبر تفاعله السلبي ودون المطلوب معها. إنها تتيح لنا التعرّف عليه كفاعل في الواقع، يعمل على التكيّف مع سلسلة من التحولات المتسارعة وغير المكتملة والمعقدة والاستجابة لها بالأدوات الممكنة. تكشف الساحات المختلفة التي يخوض فيها فاعلون شباب حربا ضدّ الاحتلال سواء عبر الاحتجاج والتعبئة السلمية أو المقاومة المسلحة المشروعة يوميا بأن القضايا الكبرى لم تفقد في حقيقة الأمر جاذبيتها بالنسبة للشباب، كما لم تفقد قيم الفداء والالتزام والتضحية والنضال قيمتها بالنسبة إليهم، إنّما اكتست أبعادا أخرى تُعيد من خلالها تشكيل علاقتهم بالفضاء العام وبالسلطة في مختلف أشكالها وتحدّد موقعهم في النضال من أجل كفّ العدوان واسترجاع الحقوق. تدعو هذه التجربة إلى إعادة النظر في الأطروحات التي تختزل الإحباط لدى الشباب في كونه حالة نفسية سلبية أو شكلًا من الهشاشة باعتبارها لا تعكس بالضرورة تعقيد الواقع النفسي والاجتماعي للشباب اليوم، الذين يظهرون في سياقات مختلفة قدرة ملحوظة على المبادرة والعطاء وجاهزية للانخراط رغم التهديدات والمخاطر.
ولا يعني ذلك تجاهل المعطيات السلبية المرتبطة بارتفاع نسب البطالة، وضعف شبكات الحماية الاجتماعية، وما يترتب عنها من صعوبات في ضمان الحقوق الاقتصادية الأساسية. كما لا يتجاهل تراجع أشكال الانخراط في الشأن العام بصيغه التقليدية. غير أن الهشاشة، مهما بلغت أهميتها التفسيرية، تظل عنصرًا من عناصر التجربة الشبابية لا تعريفًا يختزلها. يكمن خطر هذا الاختزال في إنتاج صورة مجتزأة عن الواقع، تتحول مع الوقت إلى تصورٍ عام ينعكس على شعور هذا الجيل بقيمته وقدرته على الفعل والتغيير. كما أنه يستبدل أطروحة الإمكان وعدم حتمية الفشل في واقع صعب، بأطروحات انهزامية تُقيد الأفق وتُضعف الثقة بالقدرة على الإنجاز. والحال أن كل جهد للتكيف والبقاء والفعل، حتى في حدوده الدنيا وفي حدود المساحات المتاحة، هو شكل من أشكال المقاومة المكتملة المعنى، ويستحق التقدير والتوثيق والاحتفاء بهدف المراكمة عليه وتوسيعه.
إنّ تعميم سرديات الإحباط لا يقتصر على وصف واقع قائم بقدر ما يساهم في إعادة إنتاجه. وهو ما يجعله يتقاطع مع إرث طويل من البنى الاستعمارية التي قامت، في جانب كبير منها كما يذهب إلى ذلك فرانز فانون، على نزع الثقة من المجتمعات الخاضعة للهيمنة وإقناعها بأن التقدم والتحرر يظلان دائمًا خارج متناولها.
تمّ تحرير هذا المقال اعتمادا على إصدارات الشبكة العربية للباحثات والباحثين الشباب في مجال الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، التي تأسست ضمن أنشطة المنتدى العربي للبدائل والدراسات.
