الجيل المهزوم: هذا ما أرادوه لنا

02/08/2026
WhatsApp Image 2026 07 30 at 12.33.57


في 9 أفريل 2003 لم يتعدّ عمري التسع سنوات. شاهدتُ سقوط تمثال كبير عبر شاشات التلفاز، ولكن الأجواء التي خيّمت على منزلنا أعطتني انطباعًا واضحًا أنّ الأمر لم يتعلّق بمجرّد تمثال. بعد وقتٍ ليس بالطويل، أدركتُ أنّ مدينة بحالها قد سقطت، بل وأدركتُ أنّ بغداد لم تكن مجرّد مدينةً عربيّة ضاربة في عمق تاريخنا.

لم يكن بَابَا مُواليًا لنظام صدّام حُسيْن أو مُدافعًا عنه، ولكنّه كان مُعاديًا لأمريكا. هكذا فهمتُ من حزنه ومن مُقاطعة مشروبات “الكوكاكولا” في منزلنا قبل ذلك. ولأنّ الإنسان لا يُولَدُ بتصوّرٍ جاهزٍ عن العالمِ ولا يحمِلُ نظرةً مُسبقةً لما لم يعرفه أو لم يشهده أصلاً، فإنّ هذه الأحداث أو المنعطفات الكُبرى وتفاعل من هم حوْلنا معها تُساهم في تشكيل وعْينا ومنطلقات التعامل معها وزوايا النظر إليها. فهمتُ حينها من نشرات الأخبار، أنّ بغداد سقطت عند الأمريكيّ، وأنّنا انهزمنا…

في 2008، أحسسْتُ أن شيئًا جللاً يحدث في الأرجاء، بل وتواجدتُ، ولأول مرّة، في ما يُسمّى “مسيرةً”. لم أعِ ما يعنيه اللّفظ بدقّةٍ، ولم أُدرك الغاية من تواجد عددٍ كبيرٍ من النّاس حولي ولم أفهم سبَب صِياحهم الجماعيّ. ما فهمتُه أنّ الأمر يتعلّق بمكانيْن اثنيْن. أحدهما غزّة، التي كانت قد استقرّت مُسبقًا في رأسي الصغير مُرفقةً بعدوٍّ دائمٍ يُسمّى الكيان الصهيوني وليس “إسرائيل” _ ذلك ما علّماه لي بَابَا ومَامَا _ أمّا الثاني فقد كان اسمه الرديِّف. وكان الشّعار “من الرديِّف حتى لغزّة.. القضيّة لا تتجزّأ” … لم ألبث أن عرفتُ أنّ الرديّف هي مدينة منجميّة مُنتفضة حتّى هدأ الأمر وعادت الأمور إلى نصابِهَا. فعرفتُ بشكلٍ ما أنّنا انهزمنا… لم تكُن تلفزتُنا الوطنيّة تونس7 تتحدّث عن انتصار ٍأو هزيمةٍ، لأنّها لم تكن تتحدّث لُغتنا.
من نحن ومن هم؟ لم يكُن الأمر واضِحًا حتّى تلك اللّحظة.

في 2011، فرحتُ بعطلةٍ مدرسيّةٍ استثنائيّةٍ، ولكنّ ما خُيِّلَ إلي أنّه سيكون وقتًا للّعب، كان وقتًا للفضول وفهم ما يحدث. وكانت الأحداث والمُصطلحات مجزّأةً تحتاجُ إلى خيطٍ ناظمٍ. رجلٌ أضرمَ النّار في جسده، وأناس يُردّدون كلمة الحرّية، وآخرون يتحدّثون عن البوليس والنّظام، ونشرة الثامنة مساءً لا تتكلّم نفس اللّغة مرّةً أُخرى.
هذه المرّة قالوا أنّنا انتصرْنا، حتّى في نشرات الأخبار… وكان الفخرُ كبيرًا _ حتّى الغرور_ أنّنا صدّرنا هذا الانتصار إلى مصر وليبيا وسوريا والبحرين وغيرها من الأقطار العربيّة. سيكون الوقتُ كفيلاً فيما بعد لإعادة تعريف معنى الانتصار وحدوده على كلّ حال…

قد يبدو لكم أنّ الأمر يتعلّق بمجموعة من الذكريات التّي شكّلت وعيِي، ولكن إذا كان هذا الوعي قد تشكّل بما ذكرت، فما الذي يمنع أبناء وبنات جيلي من أن يتشكّل وعيهم بالطريقة ذاتها، سواءً أدركوا ذلك أم لا، سواءً كان هذا التشكّل مباشرًا أو غيْر مباشرٍ؟

إنّ أكثر ما يُميّز جيلاً عن آخر هي الذّاكرة، والأطر الاجتماعية المُشتركة التي وُجدوا فيها خلال مرحلةٍ ما، وجزء ممّا يُحدّد مُستقبلاً خيارات الأفراد، هي الإجابات المُشتركة على ذاكرةٍ مُشتركةٍ. فلا حديثَ عن وعيٍ فرديٍّ ككيان مُنعزلٍ عن الدوائر الاجتماعية، بل هو جزء من بِناء هذا المُشترك ووجه من أوجه الجماعيّ وهو جزء من الكلّ. ولأنّه كذلك، فقد يسهل استرجاع الذكريات المُشتركة عند تحفيزها من الخارج/الآخر في أغلب الأحيان « ففي مُعظَمِ الأوقات، عندما أتذكّر، يكون الآخرون هم من يُحفّزونني، وتأتي ذاكِرتهم لنجدة ذاكرتي، وتعتمد ذاكرتي على ذاكِرتهم » 1

من هُنا يَكتسبُ جيل ما مسارات مُشتركةٍ وسمات عامّة مُشتركةٍ، دون إلغاءٍ لخصوصيّة المسارات الشخصيّة، ومسلكيّة تتشابه في العديد من النّقاط. فنجدُ مثلاً أنّ جيلاً ما يغلُبُ عليْه الحذر والحيطةُ، ونجدُ آخرًا يتّسم بالاندفاع والتهوّر أحيانًا. لا يعني الأمر أنّ الأوّل أفضل من الثّاني أو العكس، لأنّ الثاني مثلاً قد يتطبّعُ بالثرثرة بينما يميلُ الأوّل إلى الانضباط. وهكذا، قد تجدُ ماهو سيّئ هُنا وجيّد هناك، وماهو جيّد هُنا وسيّء هُناك. لذلك فإنّ الأمر لا يتعلّق بجيلٍ أحسن من جيل، أو بجيلٍ يتفوّق على جيلٍ. ولكنّ الظروف الاجتماعيّة أو النشأة هي ما تُميّز كلّ واحدٍ عن الآخر.

هذا المُكثَّف الذي سيعيشُه جيلٌ بحاله، جيلي، من انتفاضات وانقلابات في الحكم وجائحةٍ عالميّة وعدوانٍ يتلو العدوان وصُمودٍ يتلو الصمود، وإبادةٍ جماعيّةٍ مُتلفَزةٍ، هو ما سيُشكّل وعيَ هذا الجيل بالتّأكيد إضافةً إلى الانعطافات الأقلّ حدّةٍ وإلى المسارات العائلية أو الشخصيّة الصغيرة.
يقولون أنّ هذا الجيل قد هُزِمَ بالفعل. بل أنّهم – أغلب من يتحدّث عن هذا الجيل من “مثقّفين” أو “نخبٍ” أو وسائل إعلامٍ أو أدوت هيمنةٍ ثقافيّة_ قد صاروا يتحدّثون عن جيلٍ مهزومٍ. هكذا في المُطلق دون تحديدٍ أو تسقيفٍ زمنيّيْن.
في الحقيقة، أغلب من ينطقون بهذا الأمر، لا يُعطوننا تعريفًا للهزيمة كيْ نُصدّقهم. فإن كانت الهزيمة التّي يقصدونها سياسيّةً أو اقتصاديّةً أو ثقافيّةً فإنّ التحليل العلميّ سيقودهم إلى خلاصات أخرى. فما معنى أن نقول أنّ جيلاً قد هُزِمَ؟ أمام من هُزِم بالضّبط؟ هل أمام المهام المطروحة عليه أم أمام أجيالٍ سابِقةٍ؟ نعم يُمكننا الحديث عن انتصار أو هزيمة عسكريّة لدولة أمام أخرى، ويُمكننا الحديث عن هزيمةٍ ثقافيّة لفكرٍ مُقابل آخر، ويُمكننا أن نتحدّث عن هزيمة للشعوب أمام جلاّديها الخ… ولكن أن نقول أنّ هذا الجيل مهزوم فهو انحراف بطبيعة الصراع.
وقد صار هذا الوصف/الوصم أمرًا مؤسّساتيًا نتيجة تكراره والبرهنة عليْه من قِبل الأقوى أيديولوجيًا، وهو الأقوى اقتصاديًا بطبيعة الحال، واكتسب مشروعيّةً تجعل من تفتيته أمرًا أقرب إلى اليوتوبيا والخيال منه إلى الواقع والحقيقة. كأيّ شرعيّة اكتسبتْها عديد المُصطلحات، فصارت حقيقةً غير قابلةٍ للدّحض.

إذ “يتعيّن على المؤسّسات أن تؤكّد سلطتها على الفرد، بغضّ النظر عن المعاني الذّاتية التي قد يُضفيها على موقف معيّنٍ. ولذلك يجب الحفاظ باستمرارٍ على أولويةِ التعريفات المؤسّسية للمواقف، بما يضمن كبح أي محاولة لإعادة تعريفها. »  2

حتّى المساحات التي يُسمَح لنا فيها بإعادة تعريف مصطلح كهذا، فإنّها تقودنا بالسلاسل نحو تبنّي مقولات شبابيّةٍ جيليّة (أي بين الأجيال) ليبرالية مليئة بالانحرافات، فلا يُساءَلُ رأس المال الذي ينتهكُ الكرامة البشرية ولا تُساءَلُ الإمبرياليّة المتُغذّية على الدماء البشرية وعلى اختلاق الحرُوب وعلى بيع الأسلحة، ولا يُساءلُ الفاشيّون على إيغالهم في العُنصريّة، ولكن تُساءلُ الأجيال الأقدم عمّا سارت إليه الأمور. هكذا بشكلٍ بسيط وغارقٍ في الاختزاليّة. في المُقابل لا نرى إلاّ خطابًا نوستالجيًّا صرف غير تاريخيٍّ، يقف على الماضي التليد ويتحسّر ويولوِل على هذا “الجيل المهزوم”. كلّها انحرافات أُريدَ لنا أن نسير في أفقها الضيّق والمسدود.

لا أعلمُ إذا كان الجيل السّابق قد سُمّي بالمهزوم أم لا، ولكن بوسعي تفكّر مصطلحات النّكسة والنّكبة والسقوط والانهيار ونهاية التّاريخ خاصّة.

ففي صيف 1989 وفي مقالة نشرها فرانسيس فوكوياما، قبل أن يعيد نشرها على شكل كتاب، خلصَ الأخير إلى أنّ “الديموقراطية الليبرالية بإمكانها أن تُمثّل فعلاً منتهى التطوّر الإيديولوجي للإنسانيّة والشكل النهائي لأيّ حكمٍ إنسانيٍّ، أي أنّها من هذه الزاوية نهاية التّاريخ” 3
ما يُثير الاهتمام ليس الخُلاصة في حدّ ذاتها، ولكن كيف تحوّلت الخلاصة إلى حقيقة نهائيةٍ لا جدال فيها بفضل “العنف الرمزيّ” الذي اعتمدته وسائل القوى المُهيمِنة. ذات الشيء عند الحديث عن ” الجيل المهزوم” فكِلا المقولتيْن أو الحقيقتيْن المزعومتيْن يسيران في المسار ذاته ويصبّان في المُبتغى نفسه ; نسف كلّ الممكنات وضرب كلّ الآمال في الانتصار /التحرّر.
أي أنّ المقولتان يُريدان فقط غلق نافذة المُستقبل. هذه النّافذة التي يفتحُها المقهورون عنوةً في كلّ مرّة وجيلاً بعدَ جيلٍ. ولعلّ في السّابع من أكتوبر درسًا يُعلّمنا أنّ التاريخ ليس بساكنٍ ولا بثابتٍ.
ففي “نكسة الـ67 » قيل لهم أنّ موازين القوى مختلّة، فلترضوا بالتّقسيم. فجاءت حرب الـ73 وانتعشت الحركة الفدائية الفلسطينيّة. وفي أوسلو قِيل لهم أنّ موازين القوى مُختلّة، فلترضوا بشبه دولةٍ، فجاءت انتفاضة الحِجارة والشهيد فارس عودة، وبعد السّابع قِيل لنا أنّ الموازين مُختلّة، فلنرضى بالإبادة … وسيأتي ما بعد السّابع…

و فرض المُصطلحات عبر التّكرار دون مُجابهتها بالاستدلال على الظروف الاجتماعية التي أنتجتها هو ما يُرسّخها كحقائق، “خاصة إذا لم تلق انتقادات أو تفسيرات بديلة وإذا حظيت بالمُوافقة الرّسمية “فموضوعات البروباغندا سرعان ما تترسّخ كحقائق حتّى بدون وجود أدلّة حقيقيّة” 4

فالأمر لا يخضعُ للعِناد أو الإرادويّة القافزة على الواقع، بل يتعلّق أساسًا بفهم كلّ هزيمة أو انتصارٍ وما يتلوهما. فهل من جيلٍ مهزومٍ يُلقي بنفسه(رفقة أجيالٍ أخرى أيضًا) لمُقارعة المُحتلّ رغم علمهِ المُسبَق باختلال الموازين وعدم تكافؤ الفرص بينه وبين العدوّ؟

من ملأ إذًا الشوارِع في المغرب وتونس والجزائر والعراق؟ من وجّه الأساطيل والقوافِل والمُبادرات المدنيّة ؟ ومن حمل السّلاح في لبنان العزّ ويمن الشموخ؟ أليس ذات الجيل المهزوم (رفقة أجيالٍ أخرى أيضًا)؟

و الاستبيانات والتقارير والنشرات والندوات الرسمية المُتعلّقة بعزوف الأجيال الحالية عن الفعل السياسيّ، وعن انشغال الشباب عن قضايا الوطن والأمّة، وعن انخراطه في نُظم التفاهة، لا تغدو سوى أن تكون وضعًا لمساحيق الزينة الليبراليّة على واقعِ التبعيّة. فإذا كانت الرأسمالية ترانا مُجرّد أسواق وحيوانات للاستهلاك وإذا كان موقع نُظم الحكم في دولنا في دورة الإنتاج لا يتعدّى موقع الضبع الذي يقتاتُ على الفرائس المُنهكة الضعيفة وموقع السمسار في الدورة التّجارية، والكمبرادور الوسيط بين الإنتاج والرأسمال الأجنبي، فلماذا سيُقلِقُهم هذا العزوف إذاً؟ بل أنّهم يعملون على توفير ظروفه الاجتماعية بجدّ واجتهادٍٍ كبيريْن.

ذلك الطفل ذو التسع سنوات الذي شاهد انكسار 2003، أرادوا له أن يكون مهزوما. حُكِمَ عليْه وعلى جيله بعد ذلك بالهزيمة. وكأنّنا اخترنا الشروط التّاريخية التي وُلدنا فيها أو أنّنا مسؤولين عن البنية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي سبقت وجودنا أو التّي نشأنا فيها، أو أنّ بمقدورنا الحركة خارجها. حُكِم على هذا الجيل بالهزيمة، لأنّهم أرادوها له ، فوضعوا الأُسُسَ لذلك. لكنّهم يتناسون دائِمًا أن التّاريخ في حركةٍ دائمةٍ وأنّ الهزيمة نسبيّة بفعل المقاومة وأنّ كلّ هذه المقولات هي استمرار لصراعٍ لم ينتهِ بعد. ليس صراعًا بين جيليْن كما يزعمون. بل صراعًا ضد الظروف التي أنتجت الوهن من استغلالٍ رأسماليٍّ فاحشٍ ومن حروبٍ مُفتعلةٍ وهشاشةٍ وبِطالةٍ فرضتها قواعدهم. أمّا نحن فلنا من الانكسارات ومن الانتصارات ما شكّلَ وعينا. ولكنّنا بالتأكيد لم نُهزَم بعد… ما دمنا نُقاوم. »

1 Maurice Halbwasch, On Collective Memory p 38

2 Peter L.Berger et Thomas Luckmann, La construction sociale de la réalité p123

3فرانسيس فوكوياما، نهاية التاريخ والإنسان الأخير ص1

4 Edward S. Herman et Noam Chomsky, Manufacturing_consent,The political Economy Of The Mass Media p 35

مقالات ذات صلة

  • فيديو | اعتصام “المعارضة النقابية”: فرصة “لإنقاذ الاتحاد” أم “تدميرٌ” له؟

    تقرير لإياد بن مبروك بمساهمة غسان بن خليفة يتواصل اعتصام "المعارضة النقابيّة" منذ يوم 25 جانفي الجاري في بطحاء محمد…

    الأخبار, عمّالية, هام

    اعتصام المعارضة النقابية
  • الماء والدولة وإدارة التبعية في تونس

    تتبّع مجرى الماء منذ أسابيع عدة، تتزايد في تونس الاحتجاجات بسبب انقطاعات المياه. ففي قفصة وجندوبة ومناطق أخرى، يقطع السكان…

    بلا حياد

    الماء وادارة التبعية
  • ما وراء العشرية: سؤال الثروة والسلطة

    الطبقة السياسية التي يريد كثيرون الخلاص منها، بوزرائها ونوّابها وأحزابها وجمعياتها، ويعتبرونها المتسبّب الأساسيّ في المأساة التونسيّة، ليست كيانًا واحدًا…

    بلا حياد

    سؤال الثروة والسلطة
  • “زمان غير زمانِكم”: عن حقّنا في إعادة تعريف الإحباط والمقاومة

    في قاعة واسعة، ولساعاتٍ طويلة، استمرّ نقاش غير شيّقٍ بخصوص مراجعة عنوان مؤلّف حول الشباب في المنطقة العربية. تقول الترجمة…

    رأي

  • من الضباب إلى الظلام: قصّة خمس سنوات

    تنطفئ الكهرباء في عزّ القيظ، فتسكت المكيّفات وتتوقّف المصاعد وتفسد الأطعمة والأدوية، وتصبح حياة المرضى وكبار السنّ والرضّع على المحكّ.…

    افتتاحيّة, الموقف

    عتمة خمس سنوات