في قابس، لم يهتف الناس بشعاراتٍ في الاقتصاد السياسي. هتفوا: «نريد أن نحيا». وفي هذه الجملة القصيرة تشخيصٌ أدقُّ ممّا في تقارير الخبراء كلّها: أنّ ما عجز هذا النظامُ عن ضمانه لم يعد الرفاهَ ولا النموّ، بل الحياةَ نفسها — الهواءُ والماءُ والخبزُ والدواء.
كان صيف 2026 صيفَ الانهيارات المتزامنة، وفي قلبها الكهرباء. فمنذ منتصف جويلية تتالت الانقطاعات حتى باتت ملايينُ البيوت بلا تيّار (إنكفادا)، ثمّ تبعها الماءُ لأنّ مضخّاته لا تدور بغير كهرباء، وتعطّلت المخابزُ وثلّاجاتُ الأدوية وخطوطُ المصانع. فالكهرباء ليست خدمةً بين خدمات؛ إنّها العقدةُ التي تمرّ بها الخدماتُ الأخرى جميعاً، وحين تسقط تسقط معها الحياةُ اليومية في ساعة.
ولسقوطها سببٌ لا علاقة له بموجة الحرّ. فأكثرُ من 95% من الكهرباء يُنتَج من الغاز، وأغلبُ الغاز يأتي من الجزائر ويُدفَع ثمنُه بالعملة الصعبة؛ والشركةُ العمومية تبيع الكيلوواط-ساعة بـ290.7 مليماً وكلفتُه 456.3، فتراكم عليها دَينٌ بلغ 7.356 مليار دينار وفواتيرُ غير مسدَّدة تفوق ستّة مليارات، فلا يبقى ما يُستثمَر في محطّةٍ جديدة ولا في صيانة (لابراس). والسلسلةُ واضحة: عملةٌ صعبة، فغاز، فتيّار، فماءٌ ومستشفىً ومخبزةٌ ومصنع؛ وحين تختلّ أوّلُ حلقةٍ فيها يختلّ كلُّ ما بعدها.
ومع ذلك قُدّم لكلّ أزمةٍ سببُها الصغير: موجةُ الحرّ، والشبكةُ العتيقة، والمسيّرون الفاشلون، والأجورُ المغرية في الخارج التي تسحب الأطبّاء الشبّان. وتفسيرُ كلّ أزمةٍ على حدة هو مصدرُ الالتباس الأكبر. فحين تنقطع الخدماتُ كلُّها في وقتٍ واحد، وتتكرّر في كلٍّ منها الآليّةُ ذاتُها — سعرٌ يُباع دون كلفته، فخسائرُ تتراكم، فديونٌ تُسدَّد على حساب الاستثمار، فتدهورٌ لا يتوقّف — فلسنا أمام مصادفاتٍ متجاورة، بل أمام عطبٍ واحدٍ يتكرّر في ثمانية مواضع. وحول هذا العطب تدور مغالطتان، وتُشَنّ حربٌ صامتة على كلّ من يقترح مخرجاً جماعيّاً.
بلدٌ اندمج من الباب الخلفي
ولهذه المواضع الثمانية آلةٌ واحدة تُحرّكها. تخيّلها حلقةً مغلقة: غازٌ مستورَد يُنتِج الكهرباءَ التي تضخّ الماء، فتُروى به فلاحةٌ تُصدَّر ثمارُها إلى أوروبا بينما يُقنَّن الماءُ على الناس، فتُجلَب العملةُ الصعبة، فتُستورَد بها المواد الأساسية، فيتراكم الدَّين، فيُفرَض التقشّف، فيتكدّس الخرّيجون بلا عمل، فيهاجرون، فتعود تحويلاتُهم عملةً صعبة… ثمّ تدور الحلقةُ من جديد.
وكلُّ قطاعٍ في هذه الحلقة موصولٌ بالخارج ومقطوعٌ عن جاره. فالفوسفاطُ يذهب إلى أوروبا لا إلى الفلاحة هنا، والقمصانُ تُخاط لأسواق الشمال لا لسوقٍ داخلية، وما يُستهلَك في الداخل يأتي من الاستيراد. وفي اقتصادٍ سليمٍ يبيع المصنعُ للفلّاح، ويشتري العاملُ بأجره ما صُنع قربه، فتدور الثروةُ في الداخل وتتراكم؛ أمّا هنا فالثروةُ تمرّ مرورَ عابر: تدخل من ميناءٍ وتخرج من آخر، ولا يبقى منها ما يبني. هذا ما وصفه سمير أمين باقتصادٍ مفكّكٍ موجَّهٍ نحو الخارج، في مقابل تنميةٍ متمركزةٍ حول ذاتها.
ويظهر ذلك في الخبز قبل غيره. فنحو 84% من القمح اللّيّن وقرابة 40% من القمح الصلب يأتيان من الخارج (المرصد التونسي للاقتصاد)؛ ولذلك حين أشعلت حربُ أوكرانيا أسعارَ القمح العالمية، هبطت الحربُ مباشرةً على الموائد. ثمّ تضافرت عواملُ ضاعفت الأثر: انزلاقُ الدينار الذي يجعل كلَّ مستورَدٍ أغلى، وسلاسلُ توزيعٍ يتكدّس فيها الوسطاء، وجفافٌ حطّم المحصول المحلّي. فقفزت أسعارُ الغذاء (10.2% في جوان 2024)، واضطرّت الدولةُ إلى ضخّ نحو 18 مليار دينار دعماً، موّلت جزءاً منه بخلق النقد (كابيتاليس). واقتصادٌ يستورد خبزَه يوجّه في الوقت نفسه أثمنَ ما يملك من ماءٍ إلى ما يُصدَّر. فالتمرُ في قبلي وتوزر يُروى كلُّه من نِطاقاتٍ جوفيةٍ عميقةٍ لا تتجدّد، حتى صارت الفلاحةُ تبتلع أكثر من تسعين بالمئة من الماء المسحوب في هاتين الجهتين، وتكاثرت الآبارُ غير المرخّصة وارتفعت ملوحةُ ما يُضخّ (الدفاتر الزراعية)؛ والخُضَرُ المبكّرة والحوامضُ في الوطن القبلي تُروى بالضخّ حتى تسرّب ماءُ البحر إلى النِطاق. أمّا الزيتون فيُزرع في أغلبه بعلاً على ماء المطر؛ فليست المشكلةُ إذن في محصولٍ يشرب مطراً، بل في أنّ الماء المضخوخ — وهو الأندر والأبطأ تجدّداً — يذهب إلى ما يُباع في الخارج قبل أن يذهب إلى ما يُؤكَل هنا. والأرضُ تعمل من أجل سوقٍ بعيدة، لا لمن يفلحونها ولا لمن يشترون رغيفهم بالدينار.
وهذا الاندماجُ لا يُبقي البلدَ في مكانه، بل يدفعه إلى الوراء. فحصّةُ ما يُنتَج ويُعاد استثمارُه في الآلات والمصانع — أي القدرةُ على تجديد الجهاز الإنتاجي — هبطت من نحو ربع الناتج مطلعَ الألفية إلى أقلّ من 12% (كابيتاليس)، وانهار الاستثمارُ الصناعيّ من 1.9% من الناتج عام 2019 إلى 0.4% عام 2026، أي إلى ما يقارب الصفر (موندافريك)، وتراجعت حصّةُ الصناعة التحويلية إلى نحو الخُمس (كابيتاليس). فليست تونس بلداً متأخّراً في سباقٍ سيلحق به يوماً؛ إنّها بلدٌ يتراجع بفعل الطريقة التي أُدمج بها. التخلّفُ هنا ليس نقطةَ انطلاق، بل نتيجة.
الإمبريالية بلا جنود
حين تُذكر الإمبريالية يتصوّر كثيرون جيوشاً وأعلاماً ومستعمرات، والحال أنّ أدواتِ السيطرة تغيّرت ووظيفتَها بقيت: أن يظلّ فائضُ العمل المُنتَج هنا متدفّقاً نحو المركز. ولها اليوم أربعُ أدواتٍ لا تحتاج جنديّاً واحداً.
أوّلُها الدَّيْن. فرأسُ المال في المراكز لم يعد يبحث عن أسواقٍ لسلعه فحسب، بل عن أماكن يُقرِض فيها مالَه؛ والقرضُ يخرج من الشمال ثمّ يعود إليه أضعافاً في صورة فوائد. وخدمةُ الدَّيْن ابتلعت عام 2025 نحو 14% من الناتج الداخلي، مقابل 9% لميزانيتَي الصحّة والتعليم مجتمعتين (إنكفادا)، وهي تلتهم 29% من ميزانية 2026 (وزارة المالية). أي أنّ ما يُقتطَع من المستشفى العموميّ والمدرسة العمومية — وهما ملجأُ من لا يملك بديلاً خاصّاً — يذهب إلى الدائن. تلك هي الجبايةُ الاستعمارية في صيغتها الحديثة، إلّا أنّها تُسمّى اليوم التزاماً تعاقديّاً.
وثانيها الشرط. فالدائنُ لا يُملي أوامرَه ببيانٍ عسكريّ بل باتّفاق: خفّض الدعم، جمّد الانتدابات، بِعْ ما تملكه الدولة. وحين تُنفَّذ هذه الشروط، يصير التمييزُ بين قرار الحكومة وقرار الدائن ضرباً من العبث.
وثالثها أخفاها، لأنّه يجري في وضح النهار وبأسعار السوق: التبادل اللامتكافئ. فمن هنا تُصدَّر ساعاتُ عملٍ وموارد رخيصة — فوسفاطاً وزيتاً وقمصاناً وماءً وشمساً وأطبّاء — ويُستورَد في المقابل سلعٌ وتقنياتٌ ورساميلُ غالية. وحتى حين تبدو الصفقةُ عادلةً في ظاهرها، تنتقل القيمةُ في اتّجاهٍ واحد، لأنّ ساعةَ العمل التونسية تُقيَّم بأقلّ بكثيرٍ من نظيرتها الألمانية وإن تشابهت السلعة. وهكذا يزداد العملُ في بلدٍ ويزداد فقرُ من يعملون فيه.
ورابعها الشرائح المحلّية المستفيدة، ولولاها ما اشتغلت الأدواتُ الثلاث. فالإمبريالية لا تعمل ضدّ الطبقة المسيطرة المحلّية بل عبرها: المستوردُ يربح من إبقاء البلد مستورِداً، والمصرفيُّ يربح من إبقاء الدولة مدينة. وقد وصفها فرانز فانون بأنّها لا تبني بل تستحوذ، وتكتفي بالوساطة بين بلدها ورأس المال الأجنبي. ولهذا فإنّ الحديث عن مؤامرةٍ خارجيةٍ تُخفي شركاءها في الداخل هو نصفُ الحقيقة الذي يخدم نصفَها الآخر.
حارسُ الحدود ومورّدُ الشمس
في جويلية 2023 وقّعت تونس مع الاتّحاد الأوروبي مذكّرةَ تفاهمٍ لشراكةٍ استراتيجية، محورُها العمليّ الهجرة: 105 ملايين يورو لضبطها، و150 مليوناً دعماً للميزانية، ثمّ وعدٌ بمساعدةٍ تبلغ 900 مليون يورو، مشروطةٍ باتّفاقٍ مسبقٍ مع صندوق النقد الدولي (إنكفادا). أي أنّ من يرفض الإملاءات علناً وقّع وثيقةً تجعل تمويلَه رهيناً بقبولها.
أمّا بقيّةُ المحاور فكابلٌ كهربائيّ بحريّ يربط تونس بإيطاليا بكلفة 800 مليون يورو، يُنتظَر أن يشتغل عام 2027 (ويبدو)؛ ومنطقُه بيّنٌ لمن يقرأ: أوروبا لا تبلغ أهدافها المناخية ما لم تُصدّر جزءاً من انتقالها الطاقيّ إلى شمال إفريقيا (رياليتيس)، والهيدروجينُ الأخضر الذي يُبشَّر به يبتلع ماءً هائلاً في بلدٍ عطشان (ورقة ECRE).
ثلاثُ وظائف إذن أُسنِدت إلى الاقتصاد التونسي، ووقّع عليها من يديره: حارسُ حدودٍ يمنع البشرَ من العبور، ومورّدُ طاقةٍ نظيفة لمن يريد أن يتحوّل دون أن يدفع كلفة تحوّله، ومصنعُ مناولةٍ رخيص. والمقابلُ ليس تنميةً بل تمويلاً مشروطاً وقروضاً تُسدَّد. ومن أراد أن يفهم لماذا يُقنَّن الماءُ في الداخل بينما تُصدَّر الشمسُ إلى الخارج، فليقرأ الوثيقة لا الخطاب. هذا ما صار يُسمّى الاستعمار الأخضر: تبعيةٌ قديمةٌ في لغةٍ بيئيةٍ جديدة.
الآلةُ نفسُها من القاهرة إلى بيروت
وليست هذه خصوصيةً تونسية. ففي مصر تضاعفت المديونيةُ الخارجية أربع مرّات منذ 2015 حتى بلغت 155.2 مليار دولار (لوريان لوجور)، ثمّ جاء برنامجُ صندوق النقد المرفوع إلى 8 مليارات دولار بالوصفة المعروفة: تعويمُ الجنيه، ورفعُ دعم الطاقة، وإحياءُ الخصخصة (أهرام)؛ ولإنقاذ الميزان بيعت واجهةُ رأس الحكمة الساحلية للإمارات بـ35 مليار دولار. فحين يعجز رأسُ المال عن الربح بالإنتاج، يربح بابتلاع ما هو عموميٌّ ومشترك: الأرضُ والشاطئُ والمنشأةُ العمومية. ثمّ جاء العدوانُ على غزّة ليقطع الشريان، فهوت مداخيلُ قناة السويس بأكثر من 70%.
وفي لبنان بلغت الآلةُ منتهاها: انهيارٌ مصرفيّ كامل، ومدّخراتُ الناس تبخّرت في بنوكٍ كانت تُقرض الدولةَ بفوائد باذخة — وهي الآليّةُ نفسُها التي تشتغل هنا بوتيرةٍ أبطأ. وفي الأردن والمغرب برامجُ متعاقبة مع الصندوق. ولم يكن صدفةً أن تندلع 2011 في المنطقة كلّها حين بلغت أسعارُ الغذاء العالمية ذروتها؛ فحين ينفجر الناسُ في بلدانٍ كثيرة في وقتٍ واحد، فذلك لأنّهم يعيشون داخل الآلة نفسها. فالأزمة إذن إقليميّةُ الطابع، لا تونسيّةً خالصة.
أحلافٌ تُرتَّب من الخارج
على أنّ الإمبريالية لا تشتغل بالدَّين والتجارة وحدهما؛ إنّها تُرتّب أيضاً أحلافاً سياسيةً تُعيد تشكيل المنطقة. واصطفافُ كلّ دولةٍ في الخارج ينعكس على شكل حكمها في الداخل.
ومنها اليوم صفُّ حرّاس الحدود. فالمذكّرةُ التونسية لعام 2023 ليست حالةً منفردة بل حلقةً في سلسلة: اتّفاقُ تركيا عام 2016 بستّة مليارات يورو، وتمويلاتٌ لليبيا، واتّفاقٌ مع موريتانيا مطلعَ 2024، ثمّ اتّفاقٌ مع مصر في مارس 2024 بقيمة 7.4 مليارات يورو — خمسةٌ منها قروضاً — مع محادثاتٍ لاتّفاقٍ مماثل مع لبنان والمغرب (لوغران كونتينان). فالنتيجةُ صفٌّ من الحكومات يُدفَع لها لتمنع الناس من المرور. وهذا الترتيبُ يُنتج ثلاثة آثارٍ متلازمة.
أوّلُها أنّ الشريك المطلوب في هذه العقود ليس حكماً ديمقراطيّاً بل يداً قويّة قادرة على الضبط، فتتحوّل الانتقاداتُ الحقوقية إلى تفصيلٍ يُدار لا شرطاً يُلزِم. وثانيها أنّ العنف يجد متنفّسَه في الداخل: ففي صيف 2023، بعد المذكّرة بأسابيع، طُرد أكثرُ من ألف مهاجرٍ إلى الصحراء عند الحدود التونسية الليبية وقُضي على سبعةٍ وعشرين منهم على الأقلّ (Vues d’Europe). والمهاجرُ الإفريقيّ هنا يؤدّي الوظيفةَ التي يؤدّيها كلُّ كبش فداء: يُحوّل غضبَ الناس من الفقر إلى غضبٍ من فقيرٍ آخر، فينقسم المعسكرُ الذي كان يمكن أن يتّحد. وثالثها أنّ كلَّ عاصمةٍ تتفاوض وحدها مع بروكسل، فتُقايض ورقتها الوحيدة — موقعها الجغرافي — بتمويلٍ عاجل، بينما تفقد المنطقةُ مجتمعةً أيَّ قدرةٍ على التفاوض الجماعيّ.
ويكمل رأسُ المال الخليجيّ الصورة، إذ صار الوسيطَ الماليّ لهذا الترتيب: يشتري الأصولَ الاستراتيجية كما في صفقة رأس الحكمة، ويضخّ ودائع وقروضاً تُنقذ الموازنات في لحظات الاختناق. وليس هذا تمويلاً محايداً؛ فالمال يأتي دائماً بشرطٍ سياسيّ، ولو لم يُكتَب في العقد. وفي الخلفية تعمل ترتيباتُ التطبيع التي انطلقت عام 2020 على إعادة رسم محاور المنطقة حول محورٍ أمنيٍّ اقتصاديّ، فيما ظلّت شعوبُها في وادٍ آخر — وهذه الفجوةُ بين اصطفاف الحكومات ومزاج الشوارع مصدرُ توتّرٍ دائم، ودافعٌ إضافيٌّ إلى القمع كلّما اتّسعت.
فما الآفاق وما المخاطر؟ المخاطرُ أربعةٌ ينبغي تسميتُها بوضوح. أوّلُها أن يتحوّل النموذجُ المصريّ إلى قاعدة: كلّما اشتدّ ضغطُ الدَّيْن بِيع ما تبقّى من أرضٍ وشاطئٍ ومرفأ ومنشأةٍ عمومية، فيُستبدَل الدائنُ بمالكٍ أجنبيّ دائم. وثانيها أن يستقرّ المغربُ العربيّ في وظيفة المنطقة العازلة، فتُصبح السياسةُ كلُّها أمناً وحدوداً وتُزاح المسألةُ الاجتماعية عن الطاولة. وثالثها أن يترسّخ خطابُ كره المهاجرين صمّامَ أمانٍ داخليّاً، فينشقّ الناسُ على أنفسهم في اللحظة التي يحتاجون فيها إلى وحدتهم. ورابعها أن تتّسع دائرةُ الحرب فتذهب الموازناتُ إلى التسليح والأمن بدل الماء والدواء، ويتكرّر ما جرى في السودان حيث محت الحربُ في أشهرٍ ما بناه جيلٌ كامل، ودفع ثمنَها من لم يملك ما يهرب به.
أمّا الأفق فيقع في الاتّجاه المعاكس. فما دام كلٌّ يفاوض وحده فالنتيجةُ محسومة سلفاً. وقد أظهرت التعبئاتُ الواسعة التي رافقت العدوانَ على غزّة أنّ ثمّة رأياً عامّاً عربيّاً قادراً على العبور فوق الحدود حين يجد قضيّةً جامعة. ذاك هو الرصيدُ الوحيد الذي لا يملكه الدائنون: أنّ من يعيشون من عملهم في هذه البلدان يجدون أحياناً بعضهم بعضاً فوق الحدود، بينما تتفاوض حكوماتُهم — ومن ورائها مستوردوها ومصرفيّوها — كلٌّ على حدة.
المغالطة الأولى: «سوء التصرّف» و«الاقتصاد الريعي»
تقول الرواية الليبرالية إنّ لا شيء في البنية معطوب، وإنّ العلّة في الإدارة وحدها؛ ولها صيغةٌ أذكى يتبنّاها البنك الدولي: مشكلةُ تونس أنّها اقتصادُ ريْع، حفنةٌ من أصحاب الرُّخَص يستولون على ثرواتٍ لا يُنتجونها.
في الحجّة نواةٌ صحيحة، لكنّ ما يُبنى عليها يقلب قراءتها. أمّا النواة فنعم، ثمّة ريْعٌ ضخم: وثّق البنكُ الدولي نفسه كيف استولت شركاتُ عائلة بن علي على القطاعات المحميّة، ونظامُ حصص السيارات يمنح عدداً محدوداً من الوكلاء ريْعاً يُقدَّر بأكثر من مليار دينار سنويّاً. وأمّا ما يُبنى عليها فقراءةٌ مقلوبة للواقع، إذ يحسب الريعَ طُفَيليّاً غريباً عن السوق ونقيضاً لرأسماليةٍ لم تكتمل بعد. والحقيقةُ أبسطُ من ذلك وأثقل: لا تُخلَق الثروةُ إلّا بالعمل، والربحُ والفائدةُ والريعُ ليست ثلاثةَ مصادرَ للثروة بل ثلاثَ حصصٍ من شيءٍ واحد هو ما يُنتجه العاملُ ولا يُدفَع له. فالريعُ ليس خارج رأس المال؛ إنّه إحدى طرق اقتسام ما انتُزع. ثمّ إنّ أصحابه ليسوا بقايا زمنٍ قديم بل صنيعةَ التحرير نفسه: نظامُ الحصص وُلد مع الانفتاح، والمصانعُ المصدِّرة أنشأت طبقةَ وسطاء المناولة. والكمبرادور — تاجرُ الاستيراد الذي لا يُنتج بل يتوسّط — ليس عدوّ السوق العالمية؛ إنّه وجهُها المحلّي.
وأنقى صور الريع في البنوك. فحين يلد المالُ مالاً دون أن يمرّ بمصنعٍ أو حقل، يبدو كأنّه يُخصِب نفسه؛ وهو وهمٌ يُخفي أنّ الفائدة تُدفَع في النهاية من عملٍ أنجزه أحدٌ ما. وقد أُقصيت تونس عن الأسواق المالية الدولية منذ 2019، فاقترضت الدولةُ من الداخل، فانصرفت البنوكُ عن تمويل المؤسّسات لتبتلع رقاعَ الخزينة: أرباحٌ بلا إنتاج، واقتصادٌ حقيقيٌّ يُترَك بلا ائتمان.
وليس هذا الطريق جديداً. ففي أواخر 1983، وتحت ضغط صندوق النقد، رُفع الدعمُ عن الحبوب فانتفض من لا يقدرون على ثمن الرغيف، وسقط عشراتُ القتلى قبل أن تتراجع الحكومة، ثمّ جاء برنامجُ الإصلاح الهيكلي عام 1986 ليُثبّت الطريقَ نفسه في صيغةٍ دائمة (جون أفريك). أربعون سنةً منذ ذلك الحين، وفوق كلّ الحكومات، لم يُنتج هذا الطريقُ تنميةً بل أنتج هذه الخدمات المنهارة بالذات. فالتسييرُ الرديء لم يكن سبباً سابقاً على السياسة؛ كان نتيجتها.
المغالطة الثانية: «إنّها اليدُ الأجنبية»
في المقابل يرفع النظامُ راية السيادة: العلّةُ ليست في السوق بل في المؤامرة — جمعيّاتٌ امتدادٌ لقوى أجنبية، وإملاءاتٌ تُرفَض، ومضاربون يفتعلون الندرة. يبدو الخطابُ نقيضاً للأوّل، وهو في نتائجه توأمُه: يكسر شكلَ التبعية السياسيّ ولا يمسّ الآليّةَ التي تُنتزَع بها ثمرةُ العمل. وملفُّ الدَّيْن خيرُ ما يوضّح ذلك، وهو أكثرُ ما يُساء فهمه.
هل يكفي أن يكون الدَّينُ بالدينار؟
بين 2018 و2024 تراجعت حصّةُ الدَّين الخارجي من الدَّين العمومي من 73.8% إلى 57.8%، وصارت الدولةُ تقترض من الداخل، بل وتموّل ميزانيتها بخلق النقد: نحو 25 مليار دينار من البنك المركزي في ثلاث سنوات، بالالتفاف كلَّ مرّةٍ على الفصل الذي يمنع ذلك في قانونه (إنكفادا).
وفي هذا التحوّل مكسبٌ حقيقيّ لا ينبغي إنكاره. فالدَّينُ بالدينار لا ينتفخ حين ينزلق الدينار، ولا يضع البلدَ أمام استحقاقٍ يعجز عن سداده فيُفتَح بابُ الوصاية؛ والفائدةُ التي تُدفَع عليه تبقى في الداخل بدل أن تُحوَّل إلى الخارج. بل إنّ البنك المركزي حين يُقرِض الخزينةَ بفائدةٍ صفر على خمس عشرة سنة، فلا أحد يقبض شيئاً، لا في الداخل ولا في الخارج. ومن يساوي بين هذا وبين قرضٍ خارجيٍّ بالعملة الصعبة إنّما يخلط بين أمرين مختلفين.
غير أنّ المكسب يقف عند حدٍّ لا يُتجاوَز: الدينارُ لا يشتري قمحاً ولا غازاً ولا دواءً في السوق العالمية. يُطبَع الدينارُ ولا يُطبَع اليورو، ومعيشةُ الأغلبية اليومية مقوَّمةٌ بالمستورَد. ولذلك لا يزول القيدُ بل يغيّر شكله فحسب: بدل أن يظهر عجزاً عن السداد، يظهر ضغطاً على سعر الصرف، أو تضخّماً، أو تقنيناً إداريّاً للعملة الصعبة. وهذا ما حدث فعلاً حين شدّد البنكُ المركزي في مارس 2026 شروطَ تمويل توريد السلع الاستهلاكية غير الأساسية: القيدُ نفسُه، بلباسٍ إداريّ هذه المرّة.
ولم يقع الانهيارُ الذي بشّر به كثيرون. فقد تراجع التضخّم من 7% إلى نحو 5%، وثبت الدينار، وبقيت احتياطياتُ العملة حول مئة يوم توريد. ومن تنبّأ بالكارثة أخطأ. لكنّ ثمن هذا الثبات دُفع في مكانٍ آخر: نسبةُ فائدةٍ بقيت عند 8% أكثر من عامين قبل أن تنزل إلى 7%، فخنقت الاستثمار في بلدٍ يقوم تمويلُه على القرض البنكيّ؛ وبنوكٌ فضّلت رقاعَ الخزينة المضمونة على تمويل المؤسّسات؛ وادّخارٌ وطنيّ هبط إلى نحو 5% من الناتج بعد أن كان يفوق 20% قبل 2011 (لابراس). أي أنّ الاستقرار النقديّ اشتُري بالقاعدة الإنتاجية نفسها — وهو الثمن الذي لا يظهر في مؤشّرات التضخّم لكنّه يظهر في مصانع لا تُبنى.
ومن هنا يتّضح أنّ السؤال الصحيح ليس: أيُستدان بالدينار أم بالعملة الصعبة؟ بل: لأيّ غرضٍ يُخلَق المال؟ فمالٌ يُخلَق لتغطية نفقاتٍ جارية في بنيةٍ تستورد كلَّ شيء يشتري وقتاً ثمّ يعود تضخّماً أو تقنيناً؛ ومالٌ يُوجَّه إلى بناء قدرةٍ إنتاجية تُخفّض فاتورة الاستيراد يخلق بنفسه ما يُغطّيه. فالسيادةُ النقدية تصطدم بالجدار الذي تصطدم به السيادةُ السياسية تماماً: كلتاهما بلا معنى إن لم تسندها سيادةٌ إنتاجية.
وتبقى مسألةٌ طبقية ينبغي ألّا تختفي خلف نقاش العملة: من يحمل هذا الدَّين ومن يسدّده؟ فحين تقترض الدولةُ من بنوكٍ بفائدةٍ مرتفعة، ثمّ تخدم هذا الدَّين من ضرائبَ يقع أثقلُها على الاستهلاك وعلى أجراءَ يُقتطَع من رواتبهم عند المنبع، فإنّ ما يجري تحويلٌ من الأسفل إلى الأعلى — سواءٌ أكان الدائنُ تونسيّاً أم أجنبيّاً. تغيُّرُ جنسية الدائن يغيّر وجهة الفائض، لا طبيعةَ من يدفعه.
قابس: اختبارُ السيادة
وفي قابس يصطدم هذا الخطاب بالواقع. فالمجمعُ الكيميائي التونسي، وهو منشأةٌ عمومية تشغّل نحو أربعة آلاف عامل، يرمي في الخليج بين عشرة آلافٍ وخمسة عشر ألف طنٍّ من الفوسفوجبس يوميّاً (فرانس 24)، وتقدّر حملةُ «Stop Pollution» أنّ ذلك أباد 93% من الحياة البحرية في الخليج، ومنذ سبتمبر 2025 أُحصي أكثر من مئتَي حالةِ تسمّم. فخرجت المدينةُ في مظاهراتٍ متتالية وإضرابٍ عامّ (فرانس 24). فماذا فعلت الدولة السيادية؟ تراجعت عن قرار تفكيك الوحدات الملوّثة، وقرّرت مضاعفة الإنتاج، وسحبت الفوسفوجبس من قائمة المواد الخطرة، وقمعت المظاهرات (الفدرالية الدولية لحقوق الإنسان). وكونُ الملوّث عموميّاً ليس تفصيلاً عابراً؛ إنّه البرهانُ على أنّ الدولة ليست حَكَماً محايداً فوق المصالح، بل طرفٌ فيها، مأسورٌ بحاجته إلى العملة الصعبة. فالسيادةُ التي تُشهَر في وجه صندوق النقد تُغمَد في وجه أهل قابس.
من يدفع ومن يقبض
ليست الطبقةُ المسيطرة كتلةً واحدة، بل شرائحُ يتمايز بعضُها عن بعضٍ بمصدر ما تقتطعه. تقبض ثلاثٌ، وكلُّها من أبناء هذا الاندماج لا من أعدائه: شريحةٌ كمبرادورية تعيش من ريع الاستيراد ومن وساطتها مع رأس المال الأجنبي، وشريحةٌ مصرفية تقتطع من دولةٍ عاجزة أكثر ممّا تقتطع من الإنتاج، وشريحةٌ بيروقراطية تدير ريع الفوسفاط ولو على حساب رئتَي قابس. وما يجمعها أنّ أيّاً منها لا يربح بتطوير الإنتاج بل باقتطاع حصّةٍ من فائضٍ قائم؛ ولذلك ليس مستغرباً أن يهبط الاستثمارُ الصناعيّ إلى 0.4% من الناتج. فهذه ليست برجوازيةً صناعيةً صاعدة، بل طبقةٌ تستحوذ ولا تبني.
ويدفع الباقون الثمن بآليّتين. أولاهما جيشُ العاطلين الذي يُبقيه رأسُ المال في الانتظار ليضغط به أجورَ من يعملون: فمن يعلم أنّ خلفه عشرةً ينتظرون مكانه لا يطالب بشيء. وبطالةُ حاملي الشهادات — نحو 24% مقابل 15% للمجموع (المعهد الوطني للإحصاء) — جيشُ احتياطٍ مؤهَّل: قوّةُ عملٍ استغرق تأهيلُها سنواتٍ طويلة وأموالاً عامّة، ثمّ لم يجد لها الاقتصادُ موقعاً تشتغل فيه. نحو 1600 طبيبٍ يغادرون في 2026 وحدها، وأكثرُ من 46 ألف مهندسٍ غادروا في عشر سنوات (لابراس). وهذه صورةُ التبادل اللامتكافئ كاملةً. فتأهيلُ الطبيب عمليةُ إنتاجٍ طويلة: مدرسةٌ ومستشفىً جامعيّ ومخابر وسنواتُ تدريب، تُدفَع كلفتُها من خزينةٍ تقوم أساساً على ضرائب الأجراء والاستهلاك، ومن بيوتٍ أطعمت الطالبَ ورعته حتى تخرّج. ثمّ تُقبَض هذه القوّةُ العاملة جاهزةً في الطرف الآخر دون أن يدفع من يقبضها مليماً واحداً من كلفة إنتاجها. أي أنّ أجراءَ هنا يموّلون خدمةً صحّية هناك. والطبيبُ الذي يهاجر لا يخون شيئاً ولا يُهدَر: إنّه يبيع قوّةَ عمله حيث تُدفَع كلفتُها، وهو ما يعلّمه إيّاه هذا النموذجُ نفسُه كلَّ يوم. فالمسألة ليست في أخلاقه بل في بنيةٍ تُنتج قوّةَ عملٍ مؤهّلة ولا تملك ما تشتريها به.
وثانيتهما أنّ الأجور هنا تُدفَع دون كلفة الحياة نفسها. فعاملةُ النسيج التي تُنتج لأوروبا، والعاملُ الموسميّ بلا عقد، وسائقُ التوصيل بلا تغطية، جميعُهم يبيعون قوّةَ عملهم بأقلّ ممّا يلزم لتجديدها؛ والفارقُ يُسدَّد من صحّتهم، ومن وقت نسائهم غير المدفوع، ومن خدماتٍ عامّةٍ تتآكل. وليس هذا خللاً في النموذج بل شرطَ عمله: فحين يُنتَج للتصدير لا يكون العاملُ زبوناً لما يصنعه، والأجرُ في أوروبا كلفةٌ وسوقٌ في آن، أمّا هنا فكلفةٌ فقط — ولذلك لا مصلحةَ لأحدٍ هنا في رفعه. ولهذا السبب بعينه يبني ساكنُ الحيّ الشعبيّ بيتَه بيديه: لأنّ أجرَه لا يشتري سكناً. فالبنيةُ لا تُفقر الجميع بالتساوي؛ تُفقر أوّلاً من لا يملك سوى قوّة عمله.
المدرسة والمستشفى: خصخصةٌ بالتآكل
ويظهر هذا التقسيم في المدرسة والمستشفى. فهما ليسا إنفاقاً اجتماعيّاً يُضاف إلى الاقتصاد كلّما اتّسع الحال، بل موضعان في عملية إنتاجٍ قائمة: المدرسةُ تُهيّئ قدرةَ الناس على العمل وتوزّعهم على مراتبها، والمستشفى يُصلح هذه القدرة حين تعطب ويُعيدها إلى الخدمة. فإذا تآكل الاثنان لم تتراجع «الخدمات» وحدها، بل تراجعت قدرةُ المجتمع على إنتاج نفسه.
والانسحابُ هنا قابلٌ للقياس. فميزانيةُ التربية ارتفعت بالأرقام المطلقة، غير أنّ حصّتها من ميزانية الدولة هبطت من 15.9% عام 2010 إلى 10.3% عام 2025، أي دون العتبة التي توصي بها اليونسكو، ويذهب جلُّها إلى الأجور فلا يبقى للاستثمار سوى نحو 8% (نواة). والصحّةُ على المنوال ذاته: ميزانيتُها لعام 2026 تبلغ 4.35 مليار دينار، أي 5.4% من ميزانية الدولة، منها 65.6% أجور (لوتان). وحين تُنفَق الميزانيةُ كلُّها تقريباً على رواتب من يُشغّلون المؤسّسة، لا يبقى ما يُجدّدها.
فماذا يحدث حين ينسحب العموميّ؟ لا يختفي الطلبُ بل ينتقل إلى السوق. فسوقُ الدروس الخصوصية بات يُقدَّر بما بين مليارٍ ونصف وثلاثة مليارات دينار، أي ما قد يبلغ خُمسَ ميزانية وزارة التربية بأكملها، وتدفع بعضُ العائلات حتى خمسة عشر ألف دينار في سنةٍ واحدة عن تلميذ باكالوريا (لابراس). أي أنّ الدولة توفّر شكلَ المدرسة المجّانية بينما يشتري الناسُ مضمونَها من جيوبهم. وهذه خصخصةٌ من نوعٍ خاصّ: لا تُعلَن بمرسومٍ ولا تُناقَش علناً، بل تجري بالتآكل — يتراجع العموميُّ حتى يعجز، فيتقدّم الخاصُّ ليملأ الفراغ بأسعاره.
وفي الصحّة تجري العمليةُ نفسُها. فبين 2014 و2024 لم تُفتَح مراكزُ صحّةٍ أساسية جديدة بل أُغلق سبعةٌ منها، وتراجع عددُ الأسِرّة في المستشفيات العمومية بعد أن كان قد ارتفع؛ وفي المدّة نفسها ارتفع عددُ العيادات الخاصّة من 88 إلى 112 (المعهد الوطني للإحصاء، عبر لكسبير). ينكمش العموميُّ ويتمدّد الخاصُّ في المساحة التي أخلاها، دون حاجةٍ إلى قرار خصخصةٍ واحد.
ثمّ إنّ إكراه العملة الصعبة الذي يقطع الكهرباء يقطع الدواء أيضاً. فالصيدليةُ المركزية تستورد معظم الأدوية والموادّ الأوّلية بالعملة الصعبة، ومع انزلاق الدينار وتقنين البنك المركزي لمخصّصات النقد الأجنبي، تضاعفت حصّةُ الدواء في نفقات الصحّة من 11.2% عام 2022 إلى 23.8% عام 2026 (تونس فوكوس). وتتراكم الديونُ داخل المنظومة نفسها: 290 مليون دينار خُصّصت في ميزانية 2026 لتسديد ديون المستشفيات تجاه الصيدلية المركزية (لابراس)، فيما بلغ ما يدين به الصندوقُ الوطني للتأمين على المرض للصيدليّات الخاصّة نحو 200 مليون دينار حتى أعلنت هذه الأخيرة رفضَها الدفعَ المؤجَّل. أي أنّ المنظومة صارت تُقرض نفسها وتعجز عن سداد نفسها.
والحصيلةُ طبقية. فالمدرسة التي قُدّمت طويلاً بوصفها مصعداً اجتماعيّاً صارت آلةَ فرزٍ تعيد إنتاج المواقع التي وُلد فيها الناس: 41.7% فقط من أبناء الأمّهات غير المتعلّمات يبلغون المرحلة الإعدادية الثانية، مقابل 79.9% من أبناء الأمّهات الجامعيات (نواة). فمن يقدر على خمسة عشر ألف دينار يشتري لابنه شهادة، ومن لا يقدر يخرج من السباق باكراً. وكذلك في العلاج: من يملك يقصد العيادة الخاصّة، ومن لا يملك ينتظر في مستشفىً بلا دواء. فلا يقتصر الأمر على أنّ الفقير يُعالَج أسوأ؛ بل إنّ الفقر نفسه يُورَّث، بالمدرسة والمرض معاً.
والدولةُ تواصل تأهيل الأطبّاء من المال العامّ ثمّ تعجز عن تشغيلهم في ظروفٍ تُبقيهم. فهي تدفع كلفةَ إنتاج قوّة العمل ولا تدفع كلفةَ استعمالها، فيذهب ما أنفقته إلى سوقٍ أخرى. ويدفع دافعُ الضريبة الثمنَ مرّتين: مرّةً حين مُوّل التكوين من جيبه، ومرّةً حين يُضطرّ إلى شراء العلاج في عيادةٍ خاصّة ممّن بقي منهم — إن كان يملك ثمنه.
كيف يصمد نظامٌ يدمّر أُسسه؟
نظامٌ يأكل قاعدته الإنتاجية ويصدّر أطبّاءه ويخنق مدنه كان يُفترَض أن ينهار؛ وإن صمد فلأنّه يُعيد إنتاج نفسه بثلاث وسائل متضافرة. أوّلُها القهرُ المؤسّسيّ، إذ ليست المؤسّسات جهاتٍ محايدةً للخدمة بل أدواتٌ تُبقي علاقةَ السيطرة قائمة، بعضُها بالقوّة المباشرة كالشرطة والقضاء والسجن، وبعضُها بصوغ الوعي كالمدرسة والإعلام (ألتوسير)، وتُضاف إليها هنا أدواتٌ من فوق الحدود — صندوقُ النقد الذي يُثبّت التقشّف، والاتّحادُ الأوروبي الذي يربط تمويلَه بشروطه، ووكالاتُ التصنيف التي تفتح الأسواق أو تُغلقها — حتى إنّ ما يسمّيه الخطابُ الرسمي عطلاً هو، من زاوية المستفيدين، وظيفةٌ تؤدّى؛ فالقمعُ هنا ليس حادثةً عابرة بل جزءٌ من طريقة الحكم نفسها. وثانيها الأفكارُ السائدة، فمن يملك القوّة المادّية يملك أيضاً وسائل صناعة الأفكار، فتُقدَّم مصلحتُه الخاصّة بوصفها مصلحةً عامّةً طبيعية (ماركس وإنجلز)، وهو ما سمّاه غرامشي الهيمنة: أن تحكم بالرضا لا بالعصا وحدها، عبر بداهاتٍ لا يُسائلها أحد — «سوء التصرّف» الذي يحوّل مشكلةً سياسية إلى مسألةٍ أخلاقية، و«القابلية للتشغيل» التي تُحمّل العاطلَ نقصاً فرديّاً فتُخفي أنّ البنية نفسها لا تخلق مواقع شغل، و«مناخُ الأعمال» الذي يصل معلَّباً من تقارير المؤسّسات الدولية؛ ثمّ جاء وباءُ كوفيد ليعمّق ذلك كلَّه.
إذ خرج الناسُ من أشهر العزل أكثرَ انكفاءً على الذات وأقلَّ ثقةً بالفعل الجماعي، وتلك أرضٌ خصبةٌ لفكرةٍ واحدة: ألّا خلاص إلّا فرديّاً. وثالثها أخفاها وأعمقُها، وهو عملُ النساء المجاني؛ فالعاملُ الذي يذهب إلى المصنع صباحاً لا يُخلَق من عدم، إذ أطعمه أحدٌ وغسل ثيابه وربّى أطفاله ومرّض مريضه، وهذا العملُ يُؤدَّى بلا أجرٍ في البيت وعلى أيدي النساء غالباً — وقد بيّن كلود ميّاسو في دراسته للاقتصادات الإفريقية أنّ البيت والقرية يدعمان الأجرَ الصناعيّ، لأنّ العائلة حين تتكفّل مجّاناً بتربية العامل ورعايته في مرضه وشيخوخته يستطيع صاحبُ العمل أن يدفع أجراً لا يكفي حياةً كاملة، وهو بعينه الوجهُ الآخر لما سبق في الأجور؛ وتكشف أرقامُ المعهد الوطني للإحصاء هذه الوظيفة بجلاء، إذ لا تتجاوز نسبةُ نشاط النساء 26.7% مقابل 64.9% للرجال، وبطالتُهنّ 20.7% مقابل 12.3%، وبطالةُ حاملات الشهادات 32.3% مقابل 14.2%، ومن تعمل منهنّ تُحشَر في قطاعاتٍ تخدم الآلة — النسيجُ التصديريّ لأوروبا وهو الأكثر تأنيثاً وأوّلُ من تُطرَد منه عند انكماش الطلب، والفلاحةُ الموسمية بلا حمايةٍ ولا عقود، والرعايةُ المأجورة الزهيدة — فليست البطريركية عادةً ثقافيةً منفصلة عن الاقتصاد بل ترتيبٌ يوزّع النساء على عملٍ تصديريٍّ رخيص وإنجابيٍّ مأجور ومنزليٍّ مجاني، وهي المُخمِّد الأخير للأزمة، إذ كلّما انهارت الخدمةُ الجماعية امتصّ عملُ النساء غير المدفوع الصدمة؛ وما عاملةُ النسيج في المنستير بغريبةٍ عمّن يخيط القمصانَ نفسَها في دكّا أو الدار البيضاء، فهنّ الحلقةُ الأخيرة الأرخص في سلسلةٍ عالميةٍ واحدة.
السجن: حين تجد الدولةُ مالاً
وحين تعجز الوسائلُ الثلاث، يبقى السجن. فالدولةُ التي لا تجد أربعين مليون دينارٍ لحافلاتٍ إلّا بشقّ الأنفس تجد ما يلزم لتوسيع منظومتها العقابية. فقد ارتفع عددُ السجناء من 23 ألفاً إلى 33 ألفاً في سنتين، بينما لا تتجاوز الطاقةُ الاستيعابية 17 ألفاً؛ ونسبةُ الاكتظاظ 150% في أغلب المؤسّسات وتتجاوز 200% في بعضها، حتى صار السجينُ يعيش في مترٍ ونصف، مساحةٍ لا تتّسع لجسدٍ ممدود. والسببُ، كما يقوله رئيسُ الهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب نفسُه، هو الإيقافاتُ التعسّفية وبطءُ المسار القضائي (الرابطة التونسية لحقوق الإنسان). وفي المقابل تُخصّص ميزانيةُ 2026 لمهمّة العدل 1025.5 مليون دينار وتَعِد ببناء سجونٍ جديدة (لابراس). أي أنّ الاستثمار الوحيد الذي لم ينهَر في هذا البلد هو الاستثمار في الحبس.
وليس ذلك مصادفةً ولا قسوةً في الطبع. فقد لاحظ الباحثون في تاريخ العقاب منذ زمنٍ أنّ عدد السجناء لا يتبع منحنى الجريمة بل منحنى سوق الشغل: كلّما اتّسعت الكتلةُ البشرية التي لا يجد لها الاقتصادُ مكاناً، اتّسعت المؤسّساتُ التي تُخزّنها. وهذا ما يجري هنا. فحين يعجز النموذجُ عن تشغيل جيشه الاحتياطي، تنفتح أمام هذا الفائض ثلاثةُ مصارف لا رابع لها: الهجرةُ لمن استطاع، والاقتصادُ غير المهيكل لمن بقي، والسجنُ لمن سقط. وقانونُ المخدّرات هو الجسرُ الأشهر بين المصرفين الأخيرين. فالسجنُ ليس خارج الاقتصاد؛ إنّه امتدادُه حين يعجز عن الاستيعاب.
وللقمع وظيفةٌ ثانية سياسيّة: تجريمُ الكلام. فالمرسوم 54 لسنة 2022، الذي يُعاقب على «نشر أخبار زائفة» بسنواتٍ من السجن، صار الأداةَ التي تُلاحَق بها المعارضةُ والصحافةُ والمحامون، بل ومن ينتقد أوضاع السجون. ومع ذلك لا يعترف القانونُ بوجود سجناء سياسيّين أصلاً، فتُلبَس التهمُ ثوباً جنائيّاً أو إرهابيّاً (هيومن رايتس ووتش). وهكذا يكتمل المشهد: الزنزانةُ تستوعب فائضَ العمل، والمرسومُ 54 يستوعب فائضَ الكلام.
الحربُ على الحلول الجماعية
عند هذه النقطة يلتقي الخصمان اللذان تظاهرا بالعداء. فكلُّ ما سبق لا يكفي ما لم يُقطَع الطريقُ على ما تخشاه هذه البنيةُ فوق كلّ شيء: أن ينتظم المنتِجون تنظيماً ديمقراطيّاً شعبيّاً لإدارة ما يُنتجون. ولذلك تُشَنّ الحربُ عليه من جهتين.
أمّا الأولى فأيديولوجية: نزعُ الشرعية عن فكرة الحلّ الجماعي ذاتها. فالعموميُّ فاشلٌ يجب بيعه، والنقابةُ عائقٌ يجب كسره، والتعاضدُ حنينٌ إلى تجربةٍ فشلت. وقد هيّأ كوفيد، بتشتيته الناس، أرضاً مثالية لهذا الخطاب.
وأمّا الثانية فتلبس ثوب الجماعة: حلولٌ جماعيةٌ شكليّة. فـ«الشركات الأهلية» التي أُطلقت عام 2022 بخطابٍ عن التوزيع العادل للثروة لم يتجاوز عددُها 66 شركةً بعد نحو عامٍ ونصف، وسط تمويلٍ عشوائيّ وإطارٍ قانونيّ غامض (كابيتاليس)، ويُحرّم عليها مرسومُها أيَّ نشاطٍ سياسيّ. وتعاونيّةٌ ممنوعةٌ من السياسة قد تغيّر من يملك دكّاناً، لكنّها لا تغيّر شيئاً في من يملك القرار في البلد — تعطيك شكلَ التعاون منزوعاً من سلطته. وبينما رُوِّج لها، ظلّت الأوامرُ التطبيقية لقانون الاقتصاد الاجتماعي والتضامني معطّلة، وتجنّبت المنظّماتُ الكبرى تبنّيها (نواة). أضِف إليها المصالحةَ الجزائية التي وُعِد منها بثلاثة عشر مليار دينار فلم تُحصَّل منها مبالغُ تُذكَر (موندافريك).
والدليلُ على أنّ المسألة سلطةٌ لا نيّة أنّ التجربة الجماعية الوحيدة التي نجحت فعلاً — واحاتُ جمنة التي استعادها أهلُها وأداروها بأنفسهم — بقيت معلَّقةً قانونيّاً. ذلك أنّ جماعةً تُدير أرضَها بنفسها تطرح سؤالَ الملكية، وهو ما لا يطرحه فقرٌ يُدار من فوق.
المخرج: تغييرُ شروط الاندماج
إن كان الداءُ في شكل الاندماج بالسوق العالمية، فالدواءُ في تغيير هذا الشكل. وذلك ما سمّاه سمير أمين فكَّ الارتباط: لا انغلاقاً على الذات، فهو مستحيلٌ وغيرُ مرغوب، بل أن تُقرَّر أولوياتُ الإنتاج بحاجات من يعيشون من عملهم، لا بإشارات سوقٍ بعيدة ولا بحسابات من يربحون من الوساطة معها. وترجمتُه ملموسة: إعادةُ ربط القطاعات ببعضها بدل ربطها جميعاً بالخارج — فلاحةٌ تُطعم من يزرعها ومن يشتري خبزه بالدينار وتُغذّي صناعةً غذائية محلّية، وطاقةٌ شمسية تُشغّل مصانع هنا لا كابلاتٍ تمضي نحو أوروبا، وائتمانٌ يذهب إلى الإنتاج لا إلى رقاع الخزينة، ودَينٌ يُدقَّق ويُرفَض جزؤه غير الشرعي.
ولا يقوى على ذلك تكتّلٌ شعبيٌّ في بلدٍ واحدٍ بحجم تونس. فالتبعيةُ ترتيبٌ عالميّ، والخروجُ منه منفرداً يصطدم بجدار العملة الصعبة. ولهذا فإنّ أفق فكّ الارتباط إقليميٌّ بالضرورة: تكاملٌ مغاربيّ وعربيّ حقيقيّ، وأمنٌ غذائيٌّ مشترك في منطقةٍ تستورد أغلب ما تأكله من الحبوب، وموقفٌ جماعيّ من الدَّين، وتفاوضٌ جماعيّ على الطاقة بدل أن تُوقّع كلُّ عاصمةٍ عقدَها منفردةً مع بروكسل. فما يجعل التفاوض ممكناً ليس بلاغةَ الخطاب بل وزنَ الكتلة.
على أنّ هذا ليس برنامجاً تقنيّاً يُنفَّذ في ظلّ موازين القوى القائمة. فمن يملك اليوم قرارَ الاستثمار والائتمان والتصدير هو بعينه من يستفيد من بقاء الأمور على حالها، ولا أحد يوقّع طوعاً على إلغاء موقعه. تغييرُ النموذج، في نهاية المطاف، مسألةُ سلطةٍ لا مسألةُ إقناع: تكتّلٌ شعبيّ يجمع الأجراء والعاطلين والفلّاحين الصغار والنساء العاملات، ويفرض مصلحة الأغلبية على تحالف المستوردين والمصرفيّين والبيروقراطيّين مع السوق العالمية. وهذا يمرّ حتماً بما يُحارَب اليوم: نقاباتٌ وجمعيّاتٌ وتعاضديّاتٌ شعبية تملك سلطةَ القرار لا حقَّ الاستشارة، وسجونٌ تُفرَّغ بشغلٍ يُخلَق لا بجدرانٍ تُبنى.
وهذا أفقٌ لا وصفة. فتجاربُ فكّ الارتباط في القرن الماضي كانت متفاوتة، وانتهى بعضُها إلى انغلاقٍ بيروقراطيّ، وليس في الأمر ضمانة. لكنّه وحده يطرح السؤال الصحيح: لا «كيف نُتقن دخول السوق؟» بل «لمصلحة مَن يُدار كلُّ هذا؟».
ولهذا كان هتافُ قابس أبعدَ أثراً ممّا يبدو. فـ«نريد أن نحيا» ليست شكوى فردٍ بل مطلبٌ جماعيّ، وهو المطلبُ نفسُه الذي رُفع في القاهرة وبيروت والخرطوم بصيغٍ مختلفة. ونظامٌ يعيش من تشتيت الناس وحبسهم وامتصاص عمل نسائهم يخشى، قبل كلّ شيء، اللحظةَ التي يكتشفون فيها أنّ الحياة لا تُنتزَع إلّا معاً.
وأوّلُ خطوةٍ في هذا «المعاً» عربيةٌ ومغاربية، لا لأنّ اللغة واحدة بل لأنّ الآلة واحدة: الدائنُ نفسُه، والوصفةُ نفسُها، والعقودُ نفسُها تُوقَّع في كلّ عاصمةٍ على حدة. فحين يفاوض المدينُ وحده يخسر، وحين يفاوض المدينون معاً تتغيّر المعادلة. وما يجمع عاملَ الفوسفاط في قابس بعاملة الغزل في المحلّة الكبرى وبمن ينتظر الكهرباء في بيروت ليس تاريخاً مشتركاً في الكتب، بل موقعٌ واحدٌ في تقسيم عملٍ واحد.
لكنّ الحدّ لا يقف عند اللغة. فسلسلةُ القمصان التي تبدأ في المنستير تمرّ بدكّا والدار البيضاء؛ والمهاجرُ الإفريقيّ الذي يُطارَد في الصحراء بأموالٍ أوروبية يهرب من الآلة ذاتها التي تدفع شبّاناً من هنا إلى قوارب الموت؛ والدائنُ الذي يقتطع من ميزانية الصحّة هنا يقتطع من ميزانية الصحّة في غانا وسريلانكا. ولذلك ليس «المعاً» الأمّةَ بأسرها ولا العربَ وحدهم: إنّه أضيقُ من الوطن وأوسعُ منه في آنٍ واحد — أضيقُ لأنّه لا يضمّ من يعيشون على هذا العطب، وأوسعُ لأنّه يمتدّ إلى كلّ من يقف في الموقع نفسه من هذه السلسلة. فالحدُّ الفاصل ليس بين شعبٍ وشعب، بل بين من يعيشون من عملهم ومن يعيشون من عمل غيرهم.
المصادر
الكهرباء والمنشآت العمومية: لابراس — إنكفادا — بزنس نيوز.
الدَّين والسياسة النقدية: إنكفادا، «الدَّين الصامت» — ميزانية 2026 — نسبة الفائدة والادّخار الوطني — التضخّم واحتياطيات العملة — تقنين تمويل التوريد، مارس 2026.
الماء والفلاحة: الدفاتر الزراعية عن الريّ والنِطاقات الجوفية — منظّمة الأغذية والزراعة عن حصّة الفلاحة من الماء — نواة عن استنزاف مياه الواحات.
الغذاء والتضخّم: تبعية القمح — كابيتاليس — دراسة التضخّم والقدرة الشرائية.
الاستثمار والتصنيع: كابيتاليس — موندافريك — التصنيع العكسي — الأونكتاد.
قابس: فرانس 24 عن الفوسفوجبس — فرانس 24 عن الإضراب العامّ — حملة Stop Pollution وبيانها — الفدرالية الدولية لحقوق الإنسان.
الشغل والهجرة والنساء: المعهد الوطني للإحصاء — لابراس — مناجرز.
التربية والصحّة: نواة عن التعليم متعدّد السرعات — لابراس عن الدروس الخصوصية — ميزانية وزارة الصحّة 2026 — ديون المستشفيات — أرقام المعهد الوطني للإحصاء حول البنية الصحّية — أزمة الدواء.
السجون والقمع: الرابطة التونسية لحقوق الإنسان — ميزانية العدل وبناء السجون — Prison Insider — نواة — هيومن رايتس ووتش.
الشركات الأهلية والمصالحة الجزائية: كابيتاليس — نواة — موندافريك.
المذكّرة الأوروبية والطاقة: إنكفادا — يوراكتيف — يورونيوز — ورقة ECRE — مشروع ELMED — رياليتيس.
اتّفاقات الحدود والهجرة في المنطقة: لوغران كونتينان — Vues d’Europe — معهد مونتانْي — فرانس 24.
مصر: أهرام — لوريان لوجور — كوفاس.
انتفاضة 1983-1984: جون أفريك.
—
علي أحمد
مناضل اشتراكي ثوري
