من أهم ما أضافه نمط الإنتاج الرأسمالي على ما سبقه من علاقات استغلال طبقي هو تحويل غايات الإنتاج من إنتاج بسيط يلبّي حاجيات معيّنة وعيانيّة داخل أسواق محدّدة، فلا تتكدس المنتجات إلا نادرا، إلى إنتاج مُوسَّعٍ يخلق بنفسه الحاجة إلى سلعه ويفتح بيديه أسواقا لم تكن موجودة سلفا. باختصار اقتصادي-سياسي: كان الإنتاج ما قبل-الرأسمالي مُحقِّقا للقيمة الاستعمالية للمنتجات بينما طغت قيمتها التبادلية تحت نير الإنتاج السلعي الرأسمالي الذي يرنو التراكم والتكديس والمزاحمة والاحتكار والمضاربة1. بالنتيجة، انتقل رأس المال بالإنتاج من صيغته البسيطة المحدودة إلى صيغة مُوسَّعة لا متناهية، أو هكذا خُيِّلَ له.
لكن، وبما أنه مثلما لا يُمسي الإنسان طفلا ثم يُضحي مراهقا، فإن التشكيلات الاجتماعية (social formations) الخاضعة لنمط إنتاج (mode of production) معيّن لا تتغير بين ليلة وضحاها هي أيضا. فـ”نمط الإنتاج” ليس إلا نمذجة تجريدية/تجميعية (sommative) لعلاقات الإنتاج في مجتمع ما في حقبة ما، بينما “التشكيلة الاجتماعية” توصيف أوسع وأشمل لمختلف العناصر التي تتواجد داخل نمط الإنتاج السائد2. لا تنفي حقيقةُ سيادة نمط الإنتاج الرأسمالي على العالم الحديث واقعَ تواصل وجود علاقات إنتاج ما قبل-رأسمالية إقطاعية أو حتى عبودية، بالضبط مثلما لا ينفي وجود ضرس العقل هومو-سابيانسيّة صاحبه رغم وراثته عن أسلاف سحيقين (كما أنه لا ينفي حاجته لطبيب أسنان لا لبيطري).
المهم، وعلى هذا الأساس، بقي الإنتاج البسيط متواصلا في عصر رأس المال ذي الإنتاج السلعي المُوسّع، فظلّ عنصرا من مخلفات أنماط الإنتاج ما قبل-الرأسمالية والذي ازدهر بشكل ملحوظ خلال الحقبات الإقطاعية بفعل النزعة التاريخية المتصاعدة لتقسيم العمل3. ولئن حكم كل من ماركس وانقلز على الإنتاج البسيط بالاضمحلال داخل الإنتاج السلعي المُوسَّع، جراء المنافسة الضارية مع البرجوازية الكبيرة، فإن روزا لكسمبورغ قد ذهبت (والتاريخ قد أثبت) عكس توقعاتهما، بحكم اطّلاعها اللاحق على سلوك رأس المال التوسّعي/الاستعماري. بيّنت لكسمبورغ أن تراكم رأس المال يستفيد من بقاء أنماط الإنتاج ما قبل-الرأسمالية في المستعمرات حيث أن اليد العاملة تظل رخيصة هناك بحكم عدم تكفُّل المستغِلّين بمصاريف المستغَلّين في إعادة الإنتاج الاجتماعي من خلال توفير الأجور4، خاصة وأن العمل في المستعمرات لم يكن كفؤا وعاجزا على التطور ولم يتمتع بالقوة السياسية على التفاوض.
ثم إن نمط الإنتاج الرأسمالي يحفر قبره بمعاول استثمر في صناعتها بنفسه جراء تناقض حتمي ينخره من الداخل. فالخاصية الأخرى التي ولّدها الإنتاج السلعي المُوسّع تتمثل في تجميع البروليتاريا وتنظيمها في مواقع العمل، التي تصبح بدورها مواقع للتنظّم السياسي حيث تُرَصُّ صفوف البروليتاريا فتتحوّل من طبقة في ذاتها إلى طبقة من أجل ذاتها، أي من أجل انعتاقها. وهنا بالمناسبة تفطّن رأس المال الأوروبي، إثر نجاح الثورة البلشفية وامتداد الخطر الشيوعي إلى غرب القارّة، إلى ضرورة تنفيس ثوريّة الطبقة العاملة المنظّمة إما برشوتها اقتصاديا عبر تحويلها إلى أرستقراطية عُمّاليّة من خلال تمويل السياسات الاجتماعية من عوائد الريع الإمبريالي، أو بتشجيع من لم يلتحقوا بصفوف البروليتاريا المنظّمة بعدُ على المبادرة الفردية بإنشاء الأعمال التجارية الصغيرة (small business) والانخراط في موضة الفريلانس5.
*****
على صعيد شديد التجريد، يقسم نمط الإنتاج الرأسمالي المجتمعَ إلى طبقتيْن: البرجوازية والبروليتاريا، يشترط وجود إحداهما وجود الأخرى والعكس بالعكس. تشارك الأولى في عملية الإنتاج الاجتماعي للسلع والخدمات من خلال مِلكيّة وسائل الإنتاج واستثمارها بينما تساهم فيها الثانية بقوة عملها، أي الإنتاج الفعلي والمادي. تتشارك الطبقتان معا في تحقيق شروط نمط الإنتاج الرأسمالي وعلى رأسها الإنتاج السلعي المُوسَّع. وتقبع بين هاذيْن القُطبيْن طبقة تكتفي بالإنتاج البسيط الذي إمّا يكون كفافيا، أي موجّها إلى الاستهلاك الشخصي/العائلي، أو سلعيا، بمعنى توجيه منتجاته بالكامل إلى السوق. لكنه يظلّ بسيطا بحكم ضعف مدخلات الإنتاج التي يستعملها (تمويل، يد عاملة، مواد أولية…)، فلا يتمكّن من التوسّع في أسواق أكبر من تلك التي تحيط به.
بلغة أبسط، يملك أفراد هذا النمط من الإنتاج البسيط وسائل إنتاجهم، ولكن رأس المال الذي يستثمرونه في مشاريعهم من جهة، وعائدات المنتوجات التي يطرحونها في الأسواق من جهة أخرى، لا توفّر لهم ما يكفي من الموارد التي تسمح لهم بتشغيل يد عاملة وفيرة ومختصة وكفؤة – بالتالي باهظة الأجر/الثمن – فيضطرّون إلى مباشرة العمل الذي به ينتجون سلعهم، مع الاستعانة ببعض المعاونين القلائل في الغالب والموسميين في العديد من الحالات.
هذه الطبقة التي تملك وسائل الإنتاج من جهة، وتشارك فعليا في عملية الإنتاج – إن لم تقم بها برمتها – من جهة أخرى، تُدعى في الاقتصاد السياسي الرأسمالي برجوازية صغيرة. هي برجوازية بحكم ملكيّتها لوسائل الإنتاج، بينما هي صغيرة نظرا لنوعية وكمية المنتجات التي تقدمها. فهي بالتالي مُستغِلّة للصُنّاعِ الذين تستأجرهم، وفي نفس الوقت مُستَغَلّة، إذ يقع امتصاص فائض عملها داخل السلع التي تنتجها والتي لا تتحكم في كلفتها وأسعارها في السوق.
تشمل هذه الطبقة إذن مجموع الحرفيين والفلّاحين الصغار الذين يبيعون منتجات بسيطة في أسواق صغيرة انطلاقا من موارد محدودة ذات مردودية اقتصادية ضعيفة. ذلكم النجّارون الذين يصنعون أسرّة عند الطلب وتلكم الخزّافات اللاتي يبعن الأواني في المعارض وأولئك السبّاكون والميكانيكيون والبنّاؤون الذين يبيعون معرفتهم التقنية وامتياز مِلكيَّة أدوات التصليح والترميم والبناء وهم الفلّاحون الذين ينتجون حبوبا وخضرا وغلالا ويربّون قطعانا صغيرة يبيعونها في أسواق محلية. النجار برجوازي لكنّه صغير لأنه ليس صاحبَ شركةِ موبيليا تُشغِّلُ عددا كبيرا من العَمَلة بأجر وتجتاح أسواقا كبيرة. نفس الشيء بالنسبة للخزّافات اللاتي لا تملكن مصانع مواعين منزلية مثلا والميكانيكيون الذي لا يصنعون سيارات والبنّاؤون الذين لا يُقاوِلون والفلّاحة الذين لا يعلمون طرف خلائهم أين.
في المحصّلة، يشترك هؤلاء البرجوازيون الصغار في صفات جوهرية فرضها عليهم موقعهم الطبقي أي، بأكثر دقة، موضعهم من عملية الإنتاج داخل النمط الرأسمالي:
أوّلا، ينخرط البرجوازي الصغير في عملية الإنتاج بصفة فعلية من خلال العمل، على عكس البرجوازيين الكبار الذي يكتفون بالمساهمة برأس المال فقط. يوقن إذن برجوازينا الصغير، بطريقة عضوية، مَغبّة القبوع في غياهب العمل وما يعني ذلك من تعب وشقاء، في نفس الوقت الذي يذوق فيه حلاوة امتلاك وسيلة إنتاج وأُبَّهة منزلة المعلّم/العَرْف التي تقيه بدورها من تحكّم أرباب العمل وتغطرسهم، مما يمنحه بالتالي شعورا بالاستقلالية.
ثانيا، يتحدد الإنتاج السلعي البسيط بطلبات السوق الصغيرة التي تُرَوَّجُ فيها منتجاته، فيظل محكوما بتقلبات هذه السوق التي لا تفرضها الأزمات المحلية فقط بل تمليها أيضا شروط تبادل السلع المُوسّع على الصعيد العالمي. فكم من صنائعيّ أمضى أوقاتا طويلة دون عمل لأن حرفاءه إما لا يحتاجون لما يُقدّمه من منتجات أو لا يملكون المال لشراء ما يبيع؟ وكم من ورشة ودكّان أُغْلِقوا جراء نقص حاد في المواد الأوليّة اللازمة لصنع السلع البسيطة (مسامير، خيوط حياكة، محاليل كيميائية…)؟ هذا علاوة على المنافسة الشديدة التي يتعرض لها الإنتاج البسيط أمام منتجات الشركات الكبرى التي تُغرِقُ الأسواق المحلية ببضائع أرخص وأسهل للوصول. أوضح مثال نراه في مزاحمة المساحات التجارية الكبرى للدكاكين الصغيرة بل الأسواق الشعبية أيضا.
يمكننا أن نستنتج انطلاقا من هاتين الخاصيتين أن الموقع الطبقي البرجوازي الصغير محكوم بعدم الاستقرار والهشاشة. فالوجود المادي لهذه الطبقة مجبول على التذبذب على صعيديْن متعامديْن: عموديا، بين أمل الترقّي إلى مصاف البرجوازية الكبيرة وقلق الهاوية بين صفوف العمال المأجورين. وأفقيا، في علاقة بالأسواق، من جهةِ مدخلات الإنتاج ومن جهةِ التسويق وترويج المنتجات. هذا الوجود المادي البرجوازي الصغير ينعكس بالتالي على وعي الموجودين داخل هذه الطبقة، الذين يتسمون في الغالب بتذبذب مواقفهم السياسية حسب قرب مصالحهم المادية من أحد القطبين الطبقيين المحددين لنمط الإنتاج الرأسمالي: فالبرجوازية الصغيرة مُحافظة ومدافعة شرسة على عجلة الإنتاج ومناخ الاستثمار والاستقرار الاجتماعي إذا كانت الظروف ملائمة والأمور متنفنفة، فتميح مصالحها مع مصالح البرجوازية الكبيرة. ثم تنقلب ثوريّةً إذا بلغ سيل بطش البرجوازية الكبيرة زباها فتقترب مصالحها المادية من مصالح البروليتاريا.
*****
في نهاية التحليل نتساءل: لئن كان هذا حال البرجوازية الصغيرة التي مازالت على الأقل منخرطة في عملية إنتاج وجودها المادي في المجتمع، ولو كان بسيطا، فماهي حال الطبقات التي لا تدخل فيها لا ببساطة ولا بتوسّع؟ أي بلغة أدق، كيف تحقق الطبقات “غير المُنتِجة” ذاتها ووجودها الاجتماعيين؟
يتبع…
1 راجع/ي:
ماركس (1867). رأس المال، المجلد الأول. الجزء 1، المحور 1: السلع
Patnaik, P. (2017). The Concept of Primitive Accumulation of Capital. Marxist, XXXIII(4). https://cpim.org/sites/default/files/marxist/201704-marxist-primitive-capital-prabhat.pdf
2 MARX, K. (1973[1858]). The Method of Political Economy. The Grundrisse. London: Penguin Books
3 ماركس وانجلز (1884). بيان الحزب الشيوعي
4 LUXEMBURG, R. (2003[1913]). The Reproduction of Capital and its Social Setting (Ch. 26). The Accumulation of Capital. New York: Routledge.
5 بالمناسبة، يعود أصل كلمة فريلانس-freelance إلى القرون الوسطى وهي تخص الفرسان الذين لا يخضعون لولاء أي سيد أو نبيل، فتكون “رماحهم” بالتالي “حرّة”. في كلمة: مرتزقة.
