ثمة شكوى مريرة تدور على ألسنة الكثيرين منا، مفادها أن الناس، في غالبيتهم الساحقة، هجروا القراءة، وما عادوا يحفلون بالكتاب ولا بمن يكتب.
أعتقد أن هذه الشكوى بحاجة لتمحيص كثير …
إنني أؤمن بقوة، أن مرحلة “الجزر” العام أو النزول الحاد في منحنى ممارسة القراءة الورقية، هذه التي تمثل مضمون الشكوى المريرة.. لم يسبقها مدّ قرائي..، كان فيه خط المنحنى يرتفع عاليا، أي أن الناس لم يكونوا يوما شغوفين بالقراءة.. ثم حدثت ظروف أو تدخلت عوامل صرفتهم عما اعتادوه من إقبال على القراءة والمطالعة بشكل شبه كلي ..
في الحقيقة، ومما عشته من تجارب شخصية ومعاينات للواقع من حولي منذ منتصف السبعينيات، أكاد اجزم أن غالبية الناس في بلادنا لا يكادون يعرفون فعل القراءة من أساسه.. باستثناء المطالعة البسيطة للصحف اليومية بشكل متقطع، ولم يصرفهم يوما عن قراءة نص ورقي كانوا مغرمين به، بعد عقود طويلة من ذلك الإدمان والغرام والشغف، اغراء الكتروني.. فتركوا قراءة الورقي لحساب قراءة سريعة مسطحة من تابلات أو ايفون أو حاسوب ..
وإذن فإن طرح المعضلة من زاوية ان ” النشر الالكتروني ” والقراءة الالكترونية قد أضرا أو سحقا القراءة الورقية، هو مرور بجانب الحقيقة بل تزوير كامل لها .
لنطب نفسا ونتوقف عن ذرف الدموع..، ليس بنا من حاجة لكل هذا البكاء على ضياع ما لم نكسبه أصلا، فنحن على مدى تاريخنا لم نقرأ تقريبا لأحد، غير قلة معدودة على الأصابع لا تحسب ولا يعول على عددها لتمثل كتلة، إن الكتاب المحزونين على أن لا أحد يقرأ لهم، ويعتقدون أن في الامر ” ردة ” او “ارتكاسة ” عن مرحلة ” ذهبية ” كانت خلالها ممارسة القراءة منتشرة، ثم حصل الانحسار المريع عن القراءة بحلول العصر الرقمي، لا يريدون الاعتراف أننا في مجتمع لا يقرأ ولا أحد غرس فيه حب المعرفة والاطلاع، في زمن بورقيبة كان التشجيع على المطالعة يتخذ وجهتين، لم يؤدّ المضي مع أيهما لإنتاج مجتمع يقرأ، الوجهة الاولى هي حصر القراءة في أسماء معدودة نافذة، ( المسعدي. بن سلامة . خريف. الشابي) هي العناوين المعرفية الكبرى في بلادنا، يشعر الإنسان أنه يقاد نحوها قهرا ومطلوبا منه أن يصفق لها بشكل أبدي. والوجهة الثانية هي اعتبار المعرفة، وممارسة المطالعة هي الركيزة الاساسية لتحصيلها، ذات قيمة أداتية، لا غاية في حد ذاتها لتحقق كينونة الانسان، بل مجرد مصعد للترقي الاجتماعي الذي تترجمه الشهادة ثم الوظيفة. وعند تحقيق الهدفين تنتهي ” مهام” المعرفة، ويفقد الكتاب قيمته في حياتنا. ولن يتغير هذا الأمر المحزن حتى لو اتجهنا بكل قوتنا وتقنياتنا للنشر الرقمي بحثا عن جمهور نعتقد واهمين، أنه ” هجر” ( بما تمليه كلمة “هجر” من تضادد مع “وصل” نفترض أنه كان ).. إلى غير رجعة القراءة الورقية، بحثا عن قراءة غير مكلفة وجدها في القراءة الرقمية .
كلفة القراءة والبحث عن رخصها ليست كل شيء في الحكاية.. بل هي ليست أي شيء
الحقيقة انه تقريبا.. ودون دعوى اطلاقية، لا نكاد نعثر على جمهور على تلك الشاكلة أصلا.. لا ماضيا ولا حاضرا، المعرفة كانت ولا زالت إلى حد بعيد عندنا، تتمثل في جملة من عمليات الحفظ، وتتم عن طريق سلسلة من العنعنات الشفوية. يتم خلالها استثناء النص المكتوب لأسباب كثيرة، منها ما هو متعلق بموقع ممارسة التفكير أو بممارسات الطبقة التي قدمت نفسها نخبة مختارة، لتحتكر وحدها الحق في تلك الممارسة وتغيب كل من عداها.
فعل القراءة عندنا لا يزال غير معروف عند أغلب من الناس، بفعل ارتباطه بالتنطّع البورجوازي الذي عانت منه اغلبيتنا الخاضعة لعقود طويلة، وارتباط فهمنا لها بالتصعيد في السلم الإجتماعي، عدا عن هذين الاعتبارين، يبدو دوما ووجود قلم وأوراق وكتاب في بيت من البيوت التونسية هو مجرد إكسسوار منسي، وزيادة في الترف باعثة على السخرية. يقال عادة في مواقف مثل هذه ” عريان في صبعو خاتم “
وهذا تعريض صحيح تماما، فممارسة القراءة تعني آليا انتماء فاعلها ” للنخبة ” بينما هو لا يزال في الحضيض الاجتماعي، فتبدو عملية القراءة والتثقف كأنّها تغطية أو تزوير لسوءة الوضع الاجتماعي التعيس، لا يقبلها العقل الجمعي الذي ينبي فهمه على أسس منطق الابتداء من تحت قبل التدرج الى فوق .
“البيبليوتاك ” تعني لغويا ” مكتبة “، لكنها عندنا خزانة بأبواب زجاجية نحفظ فيها الكؤوس والأطباق الثمينة التي لن يقع استخدامها الا بعد 45 عام. ومعها في أحد الرفوف، كتنويع في الزينة المعروضة، قد نضع ثلاثة أو أربعة كتب من النوع الرومانسي عادة .” عبير ” مثلا، لا يمسها أو يقربها أحد. فهي جزء من ” السربيس ” ومهامها شبيه بمهامه، تطغى ثقافة المشافهة وتداول ما هو مترسخ منذ مئات السنين عبر النقل. ويطغى الاعتقاد بإمكانية الاكتفاء بما هو منقول، مرتجل.. شفاهي.. رعوي.. معاد ومكرر، ووصول كل شيء لنهايته، ولا قيمة لأي معنى جديد يمكن إضافته لكل ما قيل
مسارات الزمن عندنا دائرية مقفلة، تحكمها قوانين قديمة مؤبدة.. لا لولبية او متعرجة مفتوحة. فلا ضرورة لأي اجتهاد يتيح التدخل في تلك المسارات وتعديلها.
هل ينبغي علينا التسليم إذن أن فعل ” القراءة ” ومعه ممارسة التفكير لفهم ما نقرأ، هو فعل بورجوازي نخبوي أقلي؟ وأن الأغلبية من البشر، التي يصح فيها القول بأنها جاهلة لأنها مسحوقة، بنفس القدر الذي يصح معه القول أنها مسحوقة لأنها جاهلة، لا شأن لها به وبوسعها تدبر أمرها دون أن تقرأ و دون أن تتجرأ على تلك الممارسة العقلية اللصيقة بالعقل النخبوي الانعزالي؟
لن أطيل النقاش في مدى صحة هذه الفرضية، وسأتجه دون تردد لاعتبار استمرار رواجها ، الذي يعرقل بشكل مأساوي ظهور ممارسة القراءة وتوسيع أفق الفعل المعرفي لدى أوسع قطاع من جمهور المقهورين.. هو جزء من عملية التجهيل التاريخية لتلك الكتلة المسحوقة تحت ضغط الاستغلال وضغط جهلها بما هي فيه وما يتعين عليها أن تفعل للخلاص مما هي فيه
لا أقول أن قراءة الكتب ستغير الواقع آليا حال انتشارها انتشارا واسعا في أوساط الناس، بل اعتبرها في أفضل حالاتها، وذلك المطلوب منها، أمرا يتيح للبشر امتلاك عقل، أو ” برسسور ” منظم يتيح له قراءة منهجية سليمة لفوضى واقعه.
لكن من أين نأتي بالمعايير التي تحدد لنا ما القراءة السليمة، وما الصحيح والمفيد الذي علينا أن نوجه له انظار الناس؟ ثمة دكتاتورية ستنهض سريعا في خضم هذا المسار، هي دكتاتورية ” الحس السليم والمعيار الصحيح”، وسيركض الجميع لتبنيها والتغطي بها، لكن نحن بعد لسنا متفقين على أي شيء.. لا حول المعايير ولا حول الممارسات، أي نوع من “الفهم السليم “نبحث عن إشاعته؟ وما مقياس سلامته، سيفضي بنا إليه الشروع في ممارسة القراءة ؟
لنقل أن انتشار القراءة سيتيح لكل منا فهم اختلافه، ومعنى أن نحيا متعايشين في أطار اختلافنا ذاك .
قد يكون في الفاصل الشخصي التالي ما يساعدني أكثر على توضيح الفكرة التي من أجلها كتبت هذا المقال… أنا لست نخبويا ولا بورجوازيا ولا حتى متمدرسا أو صاحب شهادة، ولا علاقة لي بأي ممارسة ثقافية متعالية، وقضيت 15 عاما من سن العاشرة الى سن الخامسة والعشرين أرعى الأغنام وأمارس مختلف الأعمال الفلاحية.. ومع ذلك ودون أي احتكاك بأي ترغيب بورجوازي عرفت فعل ” القراءة ” واكتشفت لذته
في الفترة بين سن 10 وسن 20 قرات تقريبا 500كتاب.. في الفترة بين سن 20و 30 ومع تنامي المشاغل الحياتية، لم يخمد ذلك الشغف ، لكن معدل القراءات تقلص الى 100كتاب فقط خلال تلك العشرية بطولها
العشرية بين 30و 40 كانت الأسوأ.. خيبات متلاحقة ..ويأس من كل شيء، لم اقرا غير عدد محدود من الكتب لا يزيد على 10 كتب .أحدها كتاب uncle tom,.s cabin اعتدت قراءة فصل منه في مقهى ” الحبيب” في طريق حفوز ثم تركه عند صاحب المقهى وراء الكتنوار. وبعد أسبوعين سُرق منه الكتاب .
ومهما يكن تضاءل حس الشغف وتزايد حس القنوط، فإن الإحساس المر بأنني كنت بصدد اضاعة شيء ثمين لم يكن أمرا هينا اكتسابه، والعزم الصارم على استعادته، لم يعدني فقط للقراءة بل صيرني كاتبا ..
وعادة، بعد ان صرت كاتبا، وقدّمت كتابا كتبته لاحد الناس ليقرأه، كنت أسمع من يقول لي ” بلغ صوتك الى العالم “… ويضحكني ذلك ويغيضني في نفس الوقت، لأنني كنت أفكر أن الذين قدمت لهم الكتاب، كانوا هم العالم بالنسبة لي، العالم الذي يريدوني أن أبلغه صوتي، لكن لغالبية الناس في بلادنا رؤية نمطيه للانتشار وتبليغ الصوت: انهم يرونها رهنا بتأشير اصحاب الباتيندا من النافذين ومنحهم ترخيصا لنا، وعند حصولنا على الترخيص، يقبل الأفراد العاديون أن يقرؤون لنا شيئا، لأنهم صاروا يعتبروننا ” ناجحين ” وحصلنا على “الأوراق”.
النجاح والانتشار والجودة هي مفردات لا تعني نفس الشيء، كانت الشاعرة الكبيرة المرحومة سامية ساسي قد اختصرت علينا المسافة المفضية بنا لما قد نعده نجاحا، يمثل معيارنا للجودة، وأؤمن به كل الايمان، في كلمتها البليغة والموجزة : ” اقرؤوني بخير ” ذلك كان مختصر الحكاية. دون حاجة لبهرج وصخب، أن تقرأ ما تكتب هي وتعثر فيه على نفسك أو شيء من نفسك، أو تشعر بشيء من الاتصال بذات الكاتب.
هكذا دائما أقول: ما الذي يمنع من تكرار النموذج الذي كنته، بما فيه من مزايا ونقائص، بما أنني أنا عرفت القراءة وانقذت عقلي ومن التصحر الذي يصنعه الجهل، والذي قد يصل في مراحله الأسوأ، لحد يصيب ضحيته بنوع بشع من اللوثات او الاختلالات العقلية، لا شيء يمنع من وجود جزر قرائية اخرى شبيهة بالتي قمت بتوليدها في محيطي المنعزل والكاره للقراءة وللكتاب، أو وجود أفراد آخرين من المهمشين لا علاقة لهم بالطبيعة النخبوية لفعل القراءة النخبوي الباحث عن سلطوية ما. أو بالبورجوازية الصغيرة التي تتخذ من فعل القراءة مصعدا للتسلق الاجتماعي وحيازة موقع.. باعثهم مشابه لباعثي أنا بالذات : فهم افضل للذات وموقعها في العالم وامتلاك رؤية حيالهما معا. ” لا اقول ” نظرية “”
أو متعة تأملية ما.. توسعة لأبعاد العالم وغوص في زواياه المعتمة المنسية .. ذلك مثلا ما يوفره الأدب ..
وبامتلاك الفهم والرؤية، تتوفر لنا إمكانية التدخل المؤثر.. من موقعنا الطبقي الذي نعيه كل الوعي، لتغيير معطيات الواقع المادية والذهنية المسيرة للعالم
زمن الانسان الذي يقرأ لم ينته ولم ينقرض..
الأصح أن نقول أن ذلك الزمن لم يبدأ بعد، وأننا فعلا نعيش على مشارف بدايته
اكتبوا.. ولا تفتروا أو تدعو اليأس أو الإحباط يغلبكم.. فالبشرية رغم كل ما راكمته من تقدم تقني، تعيش مرحلة طفولتها المعرفية.. ورهانها عليكم لتذهبوا بها لمرحلة نضج لسنا مطلقا متفقين على عناصره ..
البشرية حاليا في الحالة العقلية لطفل عمره 8 سنوات.. تتهجى الحروف الاساسية لكتاب وجودها


