أوسط الطبقات

05/09/2025
Cov hg

مِسَلَّة "رون بريست" البحرية - جمهورية إيرلندا

ليست البرجوازية الصغيرة التي تناولناها في المقال السابق1 الطبقة الوحيدة التي تقبع في منزلة بين المنزلتين، أي بين البرجوازية الكبيرة المالكة لوسائل الإنتاج والبروليتاريا التي تقتات من بيع قوة عملها. فما يُعْرَفُ بـ”الطبقات الوسطى”، تقف هي أيضا في مكان لا يسهل تصنيفه.

بصفة عامة، تضم الطبقات الوسطى مجموع الشغيلة من أصحاب الياقات البيضاء (white collar/col blanc)، أي المديرين والمهندسين والتقنيين والإداريين وموظّفي المؤسسات المالية والتجارية والمشتغلين في مجالات التسويق والإشهار، بالإضافة إلى الموظّفين في قطاعات الصحة (عدى أصحاب العيادات الخاصة) والتعليم والصحافة، سواء اشتغلوا في القطاع العام أو الخاص.

لا تملك الطبقات الوسطى وسائل إنتاج مثل البرجوازيتين الكبيرة والصغيرة، بل إنها تُحصّل معاشها من أجور يدفعها لها مُشغّلوها. في هذه الحالة، يمكن اعتبارها una di البروليتاريا، من أصحاب الياقات الزرقاء، الذين يحققون معاشهم بالأجور أيضا. هذا الطرح مقبول إذا ما اعتمدنا منطقا اقتصادويا تجريديا بحتا يصنف الطبقات الاجتماعية حسب موقعها من ملكية وسائل الإنتاج فحسب، لكن ذلك لا يزيد دراسة الواقع المادي سوى غموضا والتباسا وقفزا عليه.

بالإضافة إلى اختلاف ألوان الياقات بين بيضاء (حبيبتنا) وزرقاء (تُسامِحُنا)، تتجلّى الفروقات الشكلية بين الطبقات الوسطى والبروليتاريا مثلا في اعتبار المنتمي إلى الأولى “موظفا” وإلى الثانية “عاملا”، بينما أن الإثنين في واقع الحال موظَّفان من قبل إدارة أو شركة أو نحوهما، وكلاهما عامل يمارس عملا. ثم على صعيد ظاهري آخر، تختلف سبل تأهيل كلٍّ منهما للدخول إلى سوق العمل، حيث أن الأول، أي الموظف، يكون في الغالب متحصلا على شهادة يغلب عليها المحتوى النظري وتوصف بأنها علمية، بينما أن الثاني (العامل) فهو إمّا ينحدر (أو يرتقي؟) من صفوف الإنتاج البسيط، أي يتحوّل من صانع أو مالك صغير إلى عامل في مؤسسة ذات إنتاج موسّع، أو، يكون متحصّلا على شهادة في التكوين التقني/المهني خارج المؤسسة التي يشتغل فيها، أو يتلقى داخلها تدريبا بعد توظيفه. بالتالي، فإن الموظف في المجمل حائز على رصيد ثقافي أكبر من رصيد العامل مما يمنح الأول مكانة معنوية هامة في مجتمعات تطغى فيها إيديولوجيا الطبقات الوسطى.

هذا بعض الظاهر للعيان من الأمور والعديد من أوجه الاختلاف الشكلية الأخرى تملأ صفحات.

بينما على مستوى بنيوي من التحليل، تختلف الفئتان في الأوجه التالية2:

بداية، تختلف الطبقات الوسطى عن نظيرتها العاملة من حيث موقع كلتيهما من التقسيم الاجتماعي للعمل. فالعمّال يباشرون عملا منتجا. ويجدر التوضيح هنا، كي لا يقع المرء في ابتذال الصحافة البرجوازية الصغيرة، ما المقصود من توصيف العمل “منتجا”. هو كذلك لأنه ببساطة ينتج في الواقع فائض قيمة يمتصه البرجوازي من فائض العمل الذي أدّاه العامل، هو إذن نشاط اقتصادي يساهم في مراكمة رأس المال، أو كما يقول مستسهلو القول: “خلق الثروة”. القيمة التي ينتجها العامل قابلة للتقدير الكمّي بحساب الفرق بين الوقت الذي يمضيه في إنتاج سلع تضاهي قيمتها الأجر الذي يقبضه والوقت الإضافي الذي يمضيه في إنتاج ما يفيض على أجره قيمةً. بالتالي فإن قدر الاستغلال الذي يتعرض له قابل للحساب بدوره. تنطلق هذه الحسابات الرياضية من معطيات ملموسة تتجلى في ماديّة القيمة التبادلية التي تحملها السلع والخدمات التي ينتجها العمال والتي تأخذ شكل نقديا، الذي حتى إن تعقّدت طرق حسابه وفهمه إلا أنه قابل للتقدير الدقيق. أما بالنسبة للموظفين، فكيف يمكن تقدير إنتاجيتهم ماديا؟ بعدد الاجتماعات التي يحضرونها أو الإيمايلات التي يرسلونها أو الأوراق التي يوقّعون عليها؟ من هنا تعترضنا أولى الفوارق بين الطبقات الوسطى والعاملة والتي تظهر لنا ماديّا في شكل الاستغلال الاقتصادي الذي تتعرض له كل منهما.

من جهة أخرى وعلى مستوى الممارسة الفعلية للعمل، يتخصص أصحاب الياقات البيضاء في الأعمال الذهنية مقابل الأعمال اليدوية التي يزاولها العمال في أغلب الحالات. هذا التقسيم بين نوعي العمل، الذهني واليدوي، يسلب، بالمناسبة، من العمال قدرتهم على المشاركة الفكرية في الإنتاج، فيستحيل العامل “مُلْحَقًا بالآلة” إن لم يتحوّل هو بدوره إلى آلة. بينما في المقابل، يصمم المهندسون السلع وطرق إنتاجها، والمحاسبون يحسبون ما كسب الكسّابون، وموظّفو الموارد البشرية يشغّلون ويطردون حسب معايير الإنتاجية والقدرة على توفير الأجور، والمراقبون الماليون يحرصون على تواصل النمط الذي تبرم به العلاقات التجارية، وهكذا من الأمثلة الأخرى التي تخص أيضا المديرين والمسيّرين والمشتغلين في مراكز البحث العلمي الموجّه إلى الإنتاج وغيرهم…

بالنتيجة، تتمتع الطبقات الوسطى بسلطة سياسية داخل مراكز العمل. فهي تقود عمليات الإنتاج من خلال تخطيطها، وتنظيم أطوارها، ومتابعة تطوّرها ومآلاتها، وتقسيم أدوار كل من يشارك فيها، فهي إذن تسوس العمال من خلال اخضاعهم وتأديبهم وحتى تحديد وجودهم داخل سيرورة الإنتاج من عدمه. بالتالي، فإنه على الرغم من خضوع الطبقتين إلى قيد الأجور، إلا أن إحداهما تتحكم في الأخرى وتسيطر عليها سياسيا.

تسترعي الانتباه هنا ملاحظة عابرة، أنه بالنسبة للمشتغلين في قطاع النقل من (السوّاق وأعوان التذاكر) والمشتغلين في قطاع النظافة البلدية وأعمال البناء العامة (بنية تحتية) وغيرهم، فإنهم يقبعون في منطقة طبقية رمادية جدا، يجدر دراستها معمّقا3. فهؤلاء يعيدون إنتاج النظام دون المشاركة في إنتاج فائض قيمة، بينما هم يزاولون في نفس الوقت عملا يدويا، كما لا يتمتعون بسلطة سياسية أو إيديولوجية في مواقع الإنتاج الفعلي.

*****

نستخلص مما سبق عرضه أن الموظّفين لا يشاركون بطريقة مباشرة في عملية الإنتاج السلعي التي تحكم العلاقات الرأسمالية، بل إنّهم يتخصصون في ضمان استمرارها ويحرصون على تحقيق أهدافها الاقتصادية، أي استخلاص فائض القيمة، والسياسية، بإخضاع من ينتجون هذا الفائض، والإيديولوجية، بترسيخ، بل واستنباط، مبررات الرضوخ لعلاقات الاستغلال. بالتالي، فإن الطبقات الوسطى قائمة بدور إعادة الإنتاج المادي للنظام القائم من خلال تسييره وتوسيع دائرة نفوذه، وعبر إعادة إنتاج الأسس السياسية والفكرية للخضوع له. ولعل ما يُسمّى بـ”حزب الإدارة” لأسطع مثال على الدور الحاسم الذي تلعبه الطبقات الوسطى في الحفاظ على النظام حتى في لحظات تخلخل قياداته أو حتى تغييرها. ثم إن للمدرسة وللإعلام وللمؤسسة القضائية، بقضاتها ومُدَّعيها ومحاميها، وللمؤسسات المالية بقابضيها وخبرائها، بل وحتى للمستشفيات4، دور كامل المعالم في ترسيخ أسس النظام القائم والمحافظة عليها.

يقفز استنتاج ثانٍ يفيد بأن دور الطبقات الوسطى في المجتمع لا يصب في مصلحتها المادية الخاصة بها كطبقة لذاتها، بل هي بمثابة حزام نقل (courroie de transmission)5 للقيمة التي تفيض من بين أيدي البروليتاريا فتحولها إلى جيوب البرجوازية. ولا تكتفي الطبقات الوسطى بنقل القيمة داخل حدود محلية فحسب، بل يتوسع دورها، خاصة حين تنشط داخل تشكيلة اجتماعية طرفية، فتصبح ناقلة للقيمة على الصعيد العالمي في اتجاه رأس المال الاحتكاري المُعَوْلم في المراكز. وهكذا يوافق شَنُّ الطبقات الوسطى الطرفية طبقةَ برجوازيتها المحلية في كمبرادوريتها.

ثم يأتي استنتاج ثالث: يسعى نمط الإنتاج الرأسمالي، حين يشتد التناقض بين رأس المال والعمل، إلى المحافظة على الطبقات الوسطى، بل وتعزيزها وتغذيتها بعناصر من المجتمع الذي تحكمه، وذلك بغاية أن تقف هذه الطبقات كمنطقة عازلة بين البرجوازية والبروليتاريا فتمتص صدمات الاستغلال الطبقي وتغطيه وبالتالي تجنب الاستقطاب الحاد بين قطبي نمط الإنتاج الرأسمالي الذي يمكن أن يؤدي، لا قدّر رأس المال، إلى ثورة الطبقة المستغَلّة على مستغِلّيها6. بينما حين تختل موازين القوى بين رأس المال والعمل مُرجِّحة الكفة لصالح الأولى، فإن سياسات الخوصصة و”تهرئة الطبقة الوسطى” تقف بالمرصاد7. بالتالي فإن تحالف الطبقات الوسطى مع البرجوازية في التحكّم في البروليتاريا، يعود عليها بالوبال آجلاً بعد أن يعجّل بالقضاء على الخطر العُمّالي بأيديها هي نفسها.

ثم أخيرا استنتاج رابع، يتجاوز بعض الشيء مثالب هذه الفئة: تكتسب الطبقات الوسطى، من خلال معرفتها العميقة بدواليب الإنتاج واحتكاكها العضوي بالبروليتاريا والبرجوازية على حد السواء، تكتسب معرفة هائلة بأسس النظام الذي تعيش داخله وتشتغل فيه. فتستثمر هذه المعرفة في تنمية قدراتها على التفاوض والضغط القطاعي من أجل تحسين ظروف معيشتها والظفر بمكاسب اقتصادية واجتماعية. كما أن الرصيد الثقافي الذي تتمتع به هذه الطبقات والاحترام الإيديولوجي الذي يكنه لها المجتمع، يمكّنانها من الإصداح بآرائها التي تلقى قبولا واسعا وتأثيرا مهما على الرأي العام8.

*****

يمكننا القول في الختام بأن ارتباط مصالح الطبقات الوسطى المادية بمصالح الطبقات المُستَثمِرة في المجتمع والمستغِلة له، يجعل منها مُرشَّحة ممتازة لنشر الايديولوجيا السائدة في المجتمع، التي هي ايديولوجيا الطبقة السائدة فيه، بل ومُنتِجةً لها في شكل غراء يحافظ على العلاقات القائمة من خلال إعادة إنتاج هذه الأخيرة ماديا وسياسيا.

يُتبع…

————————————————————

1 انظر/ي: هيثم قاسمي. البرجوازية… أصغرها. انحياز 20/08/2025
https://inhiyez.com/brjwazeya_asgharha/

2 نعتمد هنا على تحليلات الباحث في الاجتماع نيكوس بولانتزاس لكننا نتجنب تسميته للطبقات الوسطى بـ”البرجوازية الصغيرة الجديدة” كي لا تدخل الأمور بعضها
Poulantzas, N. (1979). The New Petty Bourgeoisie. Insurgent Sociologist, 9(1), 56–60. https://doi.org/10.1177/089692057900900105 Poulantzas, N. A. (1979). Classes in contemporary capitalism translated from French by David Fernbach. Verso.

3 هذه دعوة لتكثيف الأبحاث الإحصائية والتحليلية للتكوينات الطبقية في مجتمعاتنا المعاصرة

4 رغم الأساس الإنساني الذي تبنى عليه ممارسة المهن الطبية، إلا أنه مع ترسيخ علاقات الإنتاج الرأسمالية أصبح القطاع الصحي محكوما بالتوازنات المالية أكثر من المحافظة على الحياة وتحسين جودتها حيث تطغى بنية التراكم على علاقات التراحم.

5 Shivji, I. G. (2024). The Petty Bourgeoisie in the Thought of Amilcar Cabral and Walter Rodney. CODESRIA Bulletin Online, 13.

6 اعتماد سياسات ديمقراطية-اجتماعية في أوروبا الغربية والشمالية واحد من أمثلة استراتيجيات امتصاص ضغط الطبقة العاملة على رأس المال بتوسيع الطبقات الوسطى وتعزيز مهن إعادة الإنتاج إثر الحروب العالمية وقيام الاتحاد السوفييتي

7 نعم المقصود هنا هو ما يسمى بـ”النيوليبرالية”

8 بالعودة إلى تشبيه الطبقات الوسطى بحزام النقل، فإنه من المعلوم لدى ميكانيكيي السيارات وأصحاب السيارات القديمة بأنه حينما تمس مياه الأمطار وأوحالها هذا الحزام، فإن الأخير يصدر صفيرا يؤزّ الآذان أزّا، بالضبط مثلما تتصاعد أصوات الطبقات الوسطى عند كل أزمة تمس من فتات مصالحها

مقالات ذات صلة

  • فيديو | اعتصام “المعارضة النقابية”: فرصة “لإنقاذ الاتحاد” أم “تدميرٌ” له؟

    تقرير لإياد بن مبروك بمساهمة غسان بن خليفة يتواصل اعتصام "المعارضة النقابيّة" منذ يوم 25 جانفي الجاري في بطحاء محمد…

    الأخبار, عمّالية, هام

    اعتصام المعارضة النقابية
  •           لحظة حياة من قلب الدمار: حوار مع المخرجة ميّ سعد

    على هامش أيام قرطاج السينمائية، في دورتها الـ36، التقى موقع انحياز بالمخرجة المصرية ميّ سعد في حوار حول الفيلم الوثائقي…

    أدب وفنون

    WhatsApp Image 2026 01 05 at 16.32.08
  • الجبهة الإعلامية في الحرب الأمريكية على فنزويلا

    منذ انطلاق الثورة البوليفارية لم تكن المواجهة مع واشنطن على النفط وحده كما يتجلّى اليوم، وإنما على حق دولة في…

    بلا حياد

    WhatsApp Image 2026 01 12 at 19.55.13
  • سلسلة «العدوان الأمريكي على فنزويلا: مدخل لفهم التجربة البوليفارية» – ج1 – مقدّمة: الظرف الراهن في فنزويلا

    هذا النص تمهيد لسلسلة تضم خمس مقالات تتناول الإعلام والسياسة والاقتصاد والكوميونات والنهج التشافيزي في فنزويلا. إن ما ستعالجه مقالات…

    بلا حياد

    WhatsApp Image 2026 01 11 at 15.13.13
  • واقع بلا أحلام: صراع البقاء في حي علي باي

    طريق حفوز.. هذا الحي مترامي الأطراف الذي أُقيم على الطرف  الغربي  لمدينة القيروان، بعد أن اختنقت هذه بساكنيها، ولفظ الريف…

    بلا حياد

    WhatsApp Image 2026 01 08 at 19.15.47