الذين صعدوا ولم يعودوا
إعترافات نورا:
ولجتُ محل الانترنات وقضّيت فيه وقتا نسيت أثناءه نفسي، حتى لم يبق لي من حيّز النصف ساعة المتاح غير دقائق معدودة، وجيلاني أمام الباب يدقّ بقدمه بقوة، كنت أهُمّ بالإغلاق قبل أن يداهمني صاحب المحل بالإغلاق الأوتوماتيكي وتفكيري كان كله ذاهب خلف يوسف وذهابه المحيّر إلى أعلى التلّة مع صاحبه الذي ناداه، عندما لحظت شيئا: نقطة سعيد كانت مضاءة وهو كان متّصلًا. بدا لي الأمر غريبًا قياسًا لآخر ما قاله فاضل أن نجوى ليست معه وهو ليس في الساحة وفاضل يبحث عنه ولا يجده، وهو، من مكانه المجهول، لديه ربط بشبكة الأنترنات ولا يتّصل بأحد من رفاقه في الساحة. إنهم كثيرون هناك.. وسيهتمون بأمر غيابه ويتساءلون. لكن أنا لن أعبأ أو أهتم، إنني أنهض من مقعدي ، وأشدّ معطفي حول جسدي، وأمدّ بصري إلى الخارج بحثًا عن يوسف أو أثر من يوسف. أطفئ زر الحاسوب ومعه أطفئ زر الاهتمام بسعيد، هذا الذي اشتعل فجأة في عقلي. أدلف خارجة فتلتقي عيناي بعيني جيلاني
– هل رأيت يوسف عائدًا؟
هزّ رأسه بالنفي ..
– ذهب وراء التلة إذن.. هو ورفيقه
– ومن أين لي أن أعرف؟.. ردّ وهو يمط شفتيه
وتّر أعصابي ما تخيّلته منه برودة ولامبالاة بمصير يوسف، فطفقت أغمغم وأنادي
– أين ذهب؟ أين ذهب؟ هيا لنبحث عنه ونعيده.. ما الذي يحاول إثباته؟ ما الذي يحاول إثباته؟
هل سمعتني يا يوسف أقول لك مرّة أنك لا تستطيع ارتقاء التلّ وحدك؟ فرغبت أن تثبت لي أنك فعلًا تستطيع؟
– أصغي إلي.. بلغني صوت جيلاني كأنّه قادم من قعر جبّ، سنبحث عنه على أي حال.. برغبتنا أو من دونها، فالآن يستحيل علينا العودة إلى البيوت.
– ماذا تقول؟ تقدّمته بخطوات ثم استدرت إليه وأنا أمشي.لا أعرف إلى أين تقودني خطاي. كنت أمشي القهقرى ويداي مشدودتان إلى جانبي، خصري وعيناي تمشطان الأفق المظلم أمامي.
تابعتُ المشي القهقري وجيلاني يتبعني واجمًا منكس النظرات، لم أعد أعرف أين أمشي. ولم أعد أبالي، أي شيء تعلق به قدمي أو يعرقل خطواتي، حفرة في الطريق، كومة من الحجارة، قطع من الزجاج، خراء كلب أو خراء بشري، أي شيء من هذا قد يعرقلني لفترة وجيزة، وقد يسقطني أرضًا حتى، أعاود بعدها النهوض وأُتابع السير.
لكن في هذه اللحظة بالذات، ثار في رأسي السؤال:
– هل نعود إلى البيت، أم نمضي رأسًا إلى التلّة؟
سيكون شائنًا ومسيئًا لشرف بنت أن يراها أحدهم، مع قلّة البشر هذه الأيام، ترتقي التلّة بمعية رجل في الظلام، وعندما تُسأل عن هدفها تقول أنّها تبحث عن شاب.
خاطبني الجيلاني، كأنه يضع حدًّا للهواجس الثائرة في رأسي:
– لن نعود إلى البيوت، ولا يمكننا ذلك، لأننا إذا فعلنا سنصطدم بشاحنة الجيش، وقد لا ننجو.
– إنغلق خطّ الرجعة خلفنا إذن. سنقتفي أثر يوسف..
يا لها من مفارقة غريبة. يوسف طوال حياته كان يقتفي أثر من يقوده. وفي ساعة الحلكة المربكة هذه، هو من يقودنا ونحن من يقتفي أثره
– وهل بيدي أن أفعل غير ذلك يا نورا.. أو أدعك وحدك للظلام؟ لقد ربّيتك بيديّ هاتيْن. وكنت لك كل ما يمكن أن يمثّله الوالد.
أكره والدي الآخر الحقيقي، وأكره مداعباته الصباحية قبل انطلاقه إلى حيث لا أعلم ولا والدتي تعلم، لأنني كنت أرى فيها محاولات إرشاء منه لسكوتنا عما سيفعله لاحقًا.
كان متسوّلًا من جهة، وقوّادًا من جهة أخرى
– فترين إذن أنّ أمر يوسف يعنيني بقدر ما يعنيك..
***
أتعبت المسافة يوسف وأرهقه الصعود، فشرع يتمايل في مشْيته ونفسه يتقطّع. وعندما عرف أنّه ليس بوسعه التقدّم أكثر في الطريق اقتعد حجرة وجلس، مداريًا عجزه بابتسامة عريضة في وجه رفيقه الذي لم يتوقّف عن حثّه على الصّعود أكثر..
– هذا التلّ أكثر وعورةً ممّا كنت أظن .
ابتسم الرّفيق بدوره …
– يبدو لك فائق الوعورة لأنك اعتمدت على عظام ساقيْك وأنت تتسلّقه.. ولم تعتمد على عظام إرادتك.. ثم أضاف وهو يغمره بنظرة مُحبّة
– لنسترح قليلًا.. لا بأس. ونعاود الصّعود بعد أخذك قسطًا من الرّاحة
– نعاود الصّعود؟ سأل يوسف متحيّرًا .
– ليس كثيرًا.. فبعد نقطة معيّنة سنبلغها قريبًا نشرع بالنّزول، لكن من الناحية الأخرى. هذا التلّ له هيئة عجيبة، ليس فيه نقطة متوسّطة منبسطة، ما أن تنتهي من الصّعود حتى تشرع في النزول..
– أعرفه تماما.. قال يوسف باستهانة .
– بل لا تكاد تعرف عنه شيئا.. ولا عمّا وراءه.. إلا بالقدر القليل الذي تعرفه عن نفسك.
– ما أعرفه عن نفسي.. ردّ يوسف ببطء وفي نغمة ردّه ما يشبه اعتذارًا منه عن خور أصابه.. أنني ولدتُ مصابًا بهشاشة العظام.
– أعرف ذلك.. أعرف ذلك.. ردّ الآخر.. وكنت مصاحبًا لك أسندك صباحًا مساءً قبل أن تأتي تلك الطفلة. فأنا أكثر شخص يعرف ما بك ويفهمه.. وعندما ناديْتني وأنت تنتظر نورا، لم تنادني عفوا، بل ناديْتني لأن عقلك الباطن يختزن اسمي وصورتي كأمثولتيْن تحرّرانك من ضعفك. ناديتني وأنت تشعر بنفسك غاية في الضّعْف، ونورا بعيدة عنك. لكن قل لي الآن أين تراه هذا الضّعف؟ هل تجد في هذه الرّواية التي تواتر فيها ذكر اسمك، غير أنّك وُصفت، مرّتيْن أو ثلاث لا غير، بأنك “طفل يعاني من هشاشة العظام” أما كشاب، مثلما أنت الآن، فلم تُذكر بغير أنك تحبّ نورا. هل ترى في روايتك هذه أنك ذُكرت، ولو مرّة واحدة، وعلى لسان مؤلّفها أو أحد رواتها بأنك كائن ضعيف وعاجز؟ هل حاول مؤلف الرّواية، هذه التي يشغل ذكرك منها حيّزًا غير هيّن.. أو عبر عن نيّة أن يصوّرك مرة على تلك الصورة التي تحملها عن نفسك.. مُتّكلًا على غيرك وتعيي بحمل جسمك وترهقك الحركة.. لقد اشتركتَ مع الشبّان في حراسة الحيّ، وواجهتَ معهم شرطةً وجيشًا ومدرّعات وظلامًا ومخاوف، وأحرقت شاحنة الأحذية، وبصقْتَ في وجه سائقها الكذّاب، وحميْت نورا من غارات السيّارات الغريبة عندما لم يبقَ في البلْدة من الشبّان غيْرك، واصطحبْتها لطرف السّاحة، غير مبالٍ بنظرات صالحة وراضية ولا تقوّلاتهما، ونلتَ منها ما تمنّيْت، القبلة التي طالما اشتهيْتها، والتي لم تذق شيئًا في حلاوتها منذ انقطعْتُما عن رعْي الشياه في الخلاء المقفر، مَنحتْكَ إيّاها عن حبّ ورغبة، وهي لا تفكّر مطلقًا أنّك ناقص أو أن شيئًا في عظامك يوهنك. حتّى أنا، صاحبك الذي كان يلتقيك عندما تنهي لفّتك الأولى حول التلّ قبل شروعك في ارتقاءه حتى، والذي لم يتغيّب عن مرافقتك يومًا واحدًا وأنت تصعد الهضبة وتنزل منها، غيّبني صاحب هذه الرواية تغييبًا شبه تام، فلم أعْثر لنفسي على غير ذكْرٍ عابرٍ لمرورٍ عابرٍ جمعني بك مرّة أو مرّتيْن. كل هذا ليُقدّمك في إهاب الشخص القادر الذي لا يعتره نقْص ولا يحتاج للاعتماد على أحدٍ، لكنّ البرْهنة على القدرة، أقول لك، لا تتأتّى بكل هذا الجحود .
– صاحبنا جاحد إذن.. تبًّا له وتبًّا لروايته، ردّ يوسف لاهثًا.. أتعرف ما يراودني حياله ؟
– أعتقد أنك تحسّ بضيقٍ شديدٍ حيال ما أبداه نحوك من عطْف وشفقة .
– أريد مغادرة روايته كلّيًا، ولا أريد رهْن مصيري لمشيئة يديه.
– ذلك أفضل ما قد تقوم به يومًا، أن تُعيد النظر في مصيرك كلّه. هذا التلّ، يأخذك صعودًا ونزولًا، وفي كلّ صعود أو نزول، تحسب نفسك قهرت صعوبة وغالبت عقبة، لكنك تظلّ دائمًا عبدًا مطيعًا لمشيئة تضاريسه.
– ماذا تريدني أن أفعل؟
– تذهب إلى ما وراء التلّ. تتركه خلفك، ولا تسمح لمخلوق أن يُلاحقك أو يتدخّل في رسم مصيرك، حتى وهو يرغب في تصييرك بطلًا ..
– لستُ بطلًا.. ولم أرغب أبدًا في أن أكون يومًا كذلك
لم يتوقف الرّفيق كثيرًا عند هذه النقطة. وجد الفرصة سانحة لإنهاء ما بدأه فأشار بيده للجهة التي يبدأ عندها التل بالانحدار وقال:
– إذا بلغْتَ تلك النقطة ثم انحدرْتَ منها نحو السفْح المقابل ستخْتفي عن بَصَرِ المؤلّف وسمْعه، وستستعيد حرّيتك وقُدْرتك على صوْغ حياتك بعيدًا عن تأثيراته وتدخّلاته .. إنه شديد الجحود، وشديد الأنانية، ولفرط جحوده وأنانيته لا يتورّع في سعْيه لخلق بطل عن أن يطْمس ويحكم بالفناء على ذوات أخرى كثيرة ..
حدّق فيه يوسف طويلًا..
– ما يغيظك إذن ليس وجودي القسْري في الرّواية.. بل غيابك أنت عنها؟
– مطلقًا.. كنت قادرًا أن أرسم لنفسي معالم حضور بارزٍ فيها رغْم أنْف صاحبها لو أنّني.. وأمسك لسانه فجأة.
– لو أنّك.. ماذا؟
– لقد استرحنا ما فيه الكفاية ، هيّا بنا نكمل المسير
***
لم أكن أعرف أبدًا أن الهضْبة على هذا القدر من العظمة والضّخَامة، منزلنا محشور في السّفح حيث تكدّست بقيّة البيوت. أما المدرسة ففي طرف ناء منها، أَصِلُها لأعود منها سريعًا، فلم يُتَح لي أبدًا أن أعرف ما وراءها. تُميتُني الحُرْقة وأنا أنظر من مكاني في السّفح إلى بيتنا القديم أو ما تبقّى من أطلاله وراء السّهل البعيد، وأصغي بروح متصدّعة إلى صوت يأتي من أغوار بعيدة في أعماق نفسي يدعوني أن أعود، ثم تشرع موسيقى غريبة تتردّد في كل مكان في التدفّق على مسام روحي، ثم يتوقّف تدفّق الصوت والموسيقى وأُصغي إلى صوْت حُطامٍ يقع على الأرض. حياتنا كلّها بعد التّهجير حطام يتوالى سقوطه وحياة لمّا تتأسّس، ويأخذ بخناقي الوقت، فتراني محاصرةً بالزّمن والمواقيت المشدّدة، التي لا ينبغي أن أحيد عنها أو أتأخّر عن ميعادها، الزمن الخائن الخائب الذي تحوّل في لا وعْينا إلى سلسلة لا تنتهي من فرص الرّبح والنجاح نركضُ خلفها دون انقطاع وندُوس في سبيلها على كلّ ما يعترضنا. فآخذ سبيلي متعجلةً نحو الطريق البعيد، بعد رحلة مرهقة، إلى ذلك المعمل القذر في المدينة، حيث سأظلّ مرابطةً داخل أحشاءه السّامة لإثنيْ عشرةَ ساعة،. وأعود في اللّيل شبه عمياء شبه كسيحة، فتلتقي عيناي بعيني أمي، رفيقتي في البيت وأنيستي الوحيدة، فأرى في تلك العيْنين أثرًا من لهيب غضبتها المحتبسة يوشك أن يشبّ بفعل وطأة إحساسها بجحود أبي وخيانته لنا. لقد باعنا كلّنا، باع ثلاثتنا: أنا وأمي والبيت القديم في الطرف الناتئ من السّهل.. بل باع السهْل كذلك، رغم أنّه لم يملك منه شبرًا واحدًا، أيقنت أنّه باعه منذ أن صار محرّمًا عليّ اختراقه، ثم أُلقي بنا في هذا الجحر الذي هو هذا البناء الخرب وسط بقيّة الخرائب المسمّاة بيوتًا، عالما ميّتا دون روح يأوي أحياء أموات يتحرّكون دون روح.
عدت إلى البيت في أحد تلك المساءات منهكةً. دفعتُ الباب وجَرَرْت نفسي إلى الدّاخل. أبي كان غائبًا كعادته يُجالس أحدهم ويتملّقه في مكان بعيد خفي عن الأعين، وأمي التي اعتدتُ منها أن تلْقاني عند الباب، وأحيانًا كثيرة تعترضني في منتصف الطريق، كانت تقف بجسد متصلّب وعينيْن شبه مفرغتين في المطبخ ورأسها المستند للحائط خلفها ينوس فوق كتفيها. المطبخ بارد ولا روائح تنبعث منه، ولا شيء ليؤكل في العشاء. أفزعني منظر أمي وهي توشك على الوقوع وتشدّ بيدها على لوحة “المارو” كي لا تفقد توازنها.. كانت مريضة منذ زمن بعيد. كنت أراها هكذا مرّات كثيرة.. تستند للعمود وتدع رأسها لحالة من النوسان أللإرادي، لكن لم يحدث من قبل أن رأيت الفراغ في عينيها كالذي شاهدته ذلك المساء. أسألها ما بك يا أمي؟ فتردّ عليّ بكلمة لا تتغير: عندي كبس في الرأس.. منذ متى وأنت تعانين من كبس الرأس هذا يا أمي؟.. قد لا يسرّك أن أقول لك أنّ لإصابتي به تاريخيْن إثنيْن..الأوّل عندما اكتشفت حقيقة أبيك.. والثاني عندما وقع إجلائنا إلى هنا.. أصابتنا ضربة عنيفة تلتها ضربة أعنف. هل يؤلمك يا أمي هذا الكبس؟ إنه لا يؤلمني فحسب يا نورا.. إنه يطرق مخّي طرقًا ويعصر روحي عصرًا.. عليك أن تخرجي وتدوري قليلا يا أمي، فأنت لم تعتادي بحياة الانحباس بين أربعة جدران.. أين أدور وأذهب؟ إلى السهل بحثا عن الزهور؟ وأين هو السهل وأين هي الزهو.. أم أرتقي الهضْبة.. ودونها مصبّات المياه الآسنة التي يلفظها كل يوم أنبوب المعمل..
هرعت إليها وحضنتها بكلتا يدي ومن فمي ينبعث شتات من كلمات ممزّقة لم تصل إلى سمعها، فتهاوت بجسدها على صدري دون أن تصدر منها حتّى مجرّد آه. حملتها لفراشها وقضّيت الليلة بأكملها مستيقظةً بجوارها مرّة أوشوش في أذنها أهيب بها أن تستفيق ولا تدعني وحيدة، ومرة أبلّ وجهها بالماء البارد علّه يطفئ النّار المشتعلة في رأسها. لكنّها ظلّت تنظر ولا ترى.. تسمع ولا تعي.. ورأسها لا يتوقّف عن النوسان.. حتّى وهو مضطجع على المخدّة.. حتى طلع الصباح.
استرجعت وعيها ونهضت دون أن تتذكّر شيئًا ممّا حدث لها أو أنّني قضّيْتُ اللّيلة ساهرةً بجوارها.. وقصدت المطبخ وأعدّت فطورنا نحن الاثنتيْن، وأثناء تناولنا الطعام لم تكفّ لحظة عن التذمّر من مصبّ المياه الآسنة الذي يحاصرنا ولم تتفوه بكلمة واحدة قد أفهم منها أن بها توعّكًا صحّيًا يستلزم العناية. جاء الجيلاني بعد قليل.. الرجل لم يتغيّب عنّا يومًا واحدًا.. بعد ضياع النعاج والمرعى لم يعد لديه الكثير ليفعله، فهو يأتي لتمضية الوقت بالحديث عن ذكرى الأيام الخوالي.. متسائلا وهو يضرب كفا بكف هل يا ترى ستعود تلك الأيّام .. ثم تبِعته راضية غير عابئة بتوبيخه لها. قالت لي أشعر بأمّك متغيّرة هذه الأيّام فأتيْت لأطمئنّ عليها.. فقصصت عليها النوبة التي اعترتْها قبل قليل فأصغت إليّ ثم رجتني أن لا أقلق.. فها هي أمك أمامك تدور في أرجاء البيت في كامل صحّتها.. تركتها في عهدة الإثنين ويممت صوب عملي.. في منتصف النهار اتّصلت بها فأخبرتْني أنها بخير.. لكن عندما عدتُ في المساء لم أجدها. اتّصل بي الجيلاني ليخبرني أنها سقطت ضحيّة جلطة منذ يوم أمس. يوم أمس الذي كانت فيه ممدّدة أمامي على الفراش وعيناها تحدّقان في الفراغ.. ثم تركتها في اليوم الذي تلاه وحيدة مع جلطتها. وحملها لأقرب مستشفى.. أقرب مستشفى على مبعدة 70 كيلومترًا. وأبي ليس هنا ولا أحد يدْري أين هو.. مع الثالثة صباحا وصلنا إلى المستشفى. طلبتُ رؤية أمّي فقبلوا بعد مماطلة قصيرة.. لن يجدي ذلك، يبدو أنّك وصلت متأخرةً.. نعم وصلت متأخرة على أن أطمأنها على نفسي.. ولكن كانت في صدرها أنفاس تتردّد بعد.. حالما وقفت أمامها رفعت رأسها ونظرت إليّ نظرة العذاب ثم رأيتُها تفتح فمها.. انفغر فمها بشكل مريع.. وتقلّصت عيناها ونظرة فزع هائل تجتاحهما، ليس في محاولة منها لتتكلّم.. بل لتصرخ.. لكن كل ما انبعث من فمها كان شيئا يشبه العواء المبحوح. كان تضرّعًا أليمًا تستجير به ممّا حاصرها من عذاب.. صرخة واحدة ثم سقط رأسها على الفراش.. دفعتْني الممرّضة خارجًا وهي تهمس في أذني أن مرأى والدتي لي سيزيدها ألمًا.. فمن الخير لي ولها أن لا تراني.. ظللتُ والجيلاني في السّاحة حتى الصباح عندما أطلّ علينا أحدهم بوجه أسيف متألّم.. أمك يا نورا.. الدّائم ربّي.. الموت حق.
لحد ساعتي هذه أقسم أنني لم أستوعب قطّ وجاهة أن تموت هكذا أو ما الشيء الذي أرادت إثباته إذ اختارت أن تتكتّم علي حول ما كانت تشعر به من آلام.
سمعت من أبي قبل مغادرته الأخيرة كلامًا غامضًا حول تعليب المياه وغنى التلال القريبة من السهل بالماء العذْب، وتجارة مربحة جدا يدرُّها إنشاء محطة لتعليب المياه المعدنيّة، ثم صار الحديث يدور عن إنشاء محطّتيْن ثم ثلاث محطّات ثم أربع.. حتى بلغ إجمالي عدد محطات تعليب المياه المعدنية التي احتلّت السهل والتلال القريبة.. حيث ينابيع الماء الفوارة التي يذيب روحي الشوق إلى أن أحدّق ببصري في واحدة منها مرّة في حياتي وأملأ منها راحتي وأغمر بها وجهي، ولا أفلح في تحقيق أمينيتي تلك، بلغ عددها تسع محطّات على امتداد السهل، تُضخ ليلًا نهارًا وتُعبّأ مياهها في العلب.. ثم تُملأ بها المخازن وتُباع في الأسواق.. ماء معلّب يُباع بثمن.. ونحن نشرب من ماء يأتي على متْن صهريج. والجارة تتحدّث عن تسميم للمياه خلال هذه الأيام وتُقسم أنها صادقة.. لشدّة قذارة الصورة العامة لم التفت أبدًا لما كانت توالي تأكيده لنا من خطر داهم محدق بنا جرّاء التسميم.
اللّيل مستغرق في سكونه.. ويَدُ الجيلاني تشدّني كيْ لا أقع ونحن صاعدان. هذه الهضْبة شاسعة، شعاب تسلّمك إلى شعاب، ودروب مقطوعة لا تؤدّي إلى شيء.. لا شيء يصلني من الجهات الأربع غير الصدى البعيد للهدير المتوتّر لشاحنة الجيش، أُمسك بحجرة وأقذفها في محاولة منّي لإثارة ردّ ما. فلا أصغي لغير صوت ارتطام الحجرة بالأرض، وغير صوت الجيلاني يهيبُ بي أن أتمهّل في مشيْتي.. لقد ربّيتك يا نورا.. ربّيتك بيديّ هاتيْن.. وكنت أتابع صعودك ونزولك مشفقًا على ساقيْك الدّقيقتين من المشقّة، ومشفقًا عليْك من الرحلة الطويلة.. وعندما انتقلتم معي إلى هنا.. في السفح حيث انحشرنا كلّنا.. بعد ذهاب الأغنام واندثار المرعى، فرحتُ لك إذ خلْتُ تعبك قد راح وانقضى.. لكنّك لم تبدي أبدًا سعيدةً.. كأنّ قُرْبنا من بعضنا لم يزد غير إحساسنا بوطأة الوحدة، وبفداحة ما ضاع منّا.
– كلّ منّا يا عمّي جيلاني يحمل معه حُطام عالم.. لا هو يستطيع إعادة بناءه ولا هو يتخلّص من ذكراه.
نتقدّم أكثر والجيلاني يؤكّد لي أنّنا قاربنا الوصول.. إلى أين؟ هو وحده يعرف ..
ثم ما لبثْنا أن شرعْنا نخترق صفوفًا من الحجارة مستطيلة الشكل متراصّة الواحدة منها بجانب الأخرى ملأت حيّزًا غيْر هيّن من المنحدر الذي كنّا نمشي فيه.. ووراء صفوف الحجارة، وعلى مسافة غير بعيدة رأيت عشرات المشاعل والفوانيس تتحرّك دون انقطاع متذبذبةً على إيقاع الرّيح وخُيّل إلي أنّني أسمع أصداء أصوات بشرية تأتي من بعيد.
كنا نشقّ المقبرة.. وتلك الحجارة المستطيلة كانت الأضرحة، الناحية المجهولة من التلّ التي لم أصلها أبدًا .
وعندما وعيت تلك الحقيقة.. حقيقة أننا في مقبرة وشاهدت الأنوار والأشباح التي تتحرّك في الليل خطر ببالي خاطر أوشك أن يُطيح بي: إنّهم الأموات نهضوا من قبورهم ويقيمون مراسمهم الليلية التي لا فكرة لي عنها.
– إنهم ليسوا أمواتًا.. تردّد في أذني صوت الجيلاني ..
– إذن من يكونوا؟ سألت الجيلاني وأنا أوشك على الالتصاق به.
اقتربنا من مصدر الأنوار وسمعت جدالًا. أوّل صوت وصل إلى سمعي.. كيف لي أن أخطئه.. صوت منية التعليمي الرّتيب وهي تصرخ في الناس وتروح وتجيء في هيجان لا مثيل له وتلوح بيدها لتبعد عن وجهها غبار الأتربة المنبعثة من الحفر التي عبّأت المجال الذي يلي المقبرة:
– هذا غير قانوني.. هذا غير شرعي.. ينبغي استخراج الأوراق أولًا والحصول على شهائد الحوْز أو التملّك قبل أن يفكّر أحد بحفر أيّ أسس. هل تفهمون؟
– كلّا.. لا نفهم.. أجابها صوت انبعث من فم رجل استقام للحظة ليردّ عليها ثم عاود الانحناء مواصلًا ما شرع فيه من حفر
وصلني صوت آخر يختلف كل الاختلاف عن صوت منية. هادئ النبرة مشبع بالحنان
– عدوّك لا يضيره أن تصرخ في وجهه أو تشتمه أو تنعته بأبشع النعوت.. فهذه كلها أشياء صارت متاحةً.. صار من حقّ الجميع أن يبصقوا حيث يشاؤون. لكن ما يغيض عدوّك، الذي هو إنسان مثلك، لكنه لا يراك إنسانًا مثله، ويملؤه حقد عليك ويشعره بالخطر الداهم هو افتكاكك لمائتي متر، وشروعك في إقامة بيْت لك عليه.
– ليس لنا عدوّ.. ليس لنا عدوّ.. عادت منية تدمدم
– إذن من قتل والد مراد؟ ومن تسبّب في إصابة الجيلاني بمرض الكلى مثله؟ ومن كان وراء إعاقة يوسف وهشاشة عظم جسده واستحالة مداواته؟ وسكت الرجل لحظة لم تنبس خلالها منية بكلمة.. كانت تنتظر أن تستهلك كلماته نفسها ثم تتلاشى ويتلاشى أثرها.. لتحوّل إثرها مسار الحديث للاتجاه الذي تريده، لكنّ الرجل عاد يقول :
– يا لهذه الشركات.. ما أفظع إجرامها.. إنّ النّاس يموتون عطشًا وتَفْتك بهم أمراض الكلى. أنظري إلى الأجساد الهزيلة والوجوه المصفرّة.
– ما دخل الشركات؟ حسبت منية أنها عثرت على الثغرة التي ستشرع من خلالها بتقويض نظريته حول “إجرام الشركات”.. ما ذنب المياه المعدنية المعلّبة في حاويات البلاستيك؟ أليست مفيدة ؟
– بلى مفيدة.. ردّ بسخرية.. مفيدة جدا.. فهذه الشركات التي تبيع الماء معلّبًا وتزعم أن فيه منفعة لمرض الكلى، هي بالذات المتسبّب في استفحال مرض الكلى باحتكارها للماء وتسبّبها في ندرته..
***
يتبع…
