تولت القيادة السياسية للبلاد التونسية بعد خروج الاستعمار الفرنسي مهمة حكم وتنظيم مكوّنات اجتماعية أنهكها التحكّم الاستعماري، علاوة على حملها لإرث اجتماعي وسياسي قد جعل منها قابلة للاستعمار أصلا. في هذا السياق، حملت هذه القيادة على عاتقها مشروع تحديث بنى المجتمع التونسي والتي مست العديد من الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
ورغم اتساع المجال الذي طُبِّقَ فيه هذا المسار بالمقارنة مع ما سبقه في السياق الاستعماري وحكم البايات قبله، إلا أنه كان محدودا بالتوجهات الإيديولوجية التي تبنّتها القيادة السياسية في ذلك الوقت والتي تجاهلت المسارات الممكنة الأخرى بل وقمعتها.
لا يسمح المجال هنا بالمرور على كل عناصر البناء الإيديولوجي الذي تبنته القيادة السياسية للبلاد التونسية إثر الاستقلال، على الرغم من ضرورة الاشتغال على هذا التاريخ الغني والمعقد. وعليه يكتفي هذا المقال بالاهتمام بالأسس الإيديولوجية لمشروع التحديث الذي تم تطبيقه فيما يتعلق بالمجالات الاقتصادية عموما، وبقطاع الفسفاط خصوصا.
في البداية، لا يمكننا أن نفهم مسار التحديث الذي اعتمدته القيادة السياسية للبلاد التونسية منذ الاستقلال دون وضعه في سياقه التاريخي الذي حددته موازين القوى الاجتماعية على الصعيد المحلي وعلى المستوى العالمي. إذ ترافق بناء الدولة التونسية الحديثة مع حالة من الاستقطاب السياسي والإيديولوجي في الساحة العالمية: الحرب الباردة، حيث كان الصراع على أشدّه بين، من جهة، معسكر يتبنى طريقا اشتراكية أو غير رأسمالية، ومن جهة أخرى، معسكر يحاول ترميم النظام الرأسمالي القائم، الذي شهد تخلخلا هائلا بفعل الحروب العالمية وتهديدا جدّيا جراء توسع رقعة قيام الأنظمة السياسية المناهضة له.
في هذا السياق، تنافس كلا المعسكريْن حول كسب ولاء المستعمرات السابقة التي افتكت استقلالها حديثا وهمّت ببناء أنظمتها السياسية. لم تكن البلاد التونسية عُرضة للتدخل العسكري المباشر، خلال الحرب الباردة، مثلما وقع في الفيتنام أو كوريا، إذ أن تطويع قيادتها السياسية لم يكن بهذه الصعوبة. ففي واقع الأمر، كان التوجه الإيديولوجي العام لقيادات الدولة الوطنية متأثرا إلى درجة عقائدية بالنموذج الرأسمالي حتى عند تبنّيها لما أسمته بـ”الاشتراكية الدستورية”. فقد كانت مقتنعة بالأفكار التي اكتسبتها من تكوينها السياسي وتأثرها الكبير بالمدارس الأوروبية الغربية1. كما أنها قد استجابت لضغوط الإدارة الأمريكية وتسهيلاتها المالية التي فرضت بها توجهاتها الاقتصادية على تونس كشرط للتفاوض والمساندة ضد بقايا الهيمنة الفرنسية. كل هذه العوامل جعلت من مُخطِّطي الاقتصاد التونسي وبُناته خاضعين إلى التقسيم العالمي الجديد للعمل في فترة الحرب الباردة.
هكذا تبنت القيادة السياسية للدولة التونسية الحديثة توجيهات نظرية التحديث (Modernisation Theory) وهي وصفة أكاديمية خصوصية أتت بها جامعات العلوم السياسية الأمريكية، بمعيّة ومساندة الإدارة الأمريكية نفسها2، تهدف إلى دفع دول العالم الثالث إلى تبني النموذج الأمريكي الرأسمالي فيما يتعلق بالنمو الاقتصادي، في محاولة منها لاحتواء تأثيرات النماذج الاشتراكية وطريقها التحديثية. وقد كان تبنّي سياسات “الثورة الخضراء” في القطاع الفلاحي خلال تجربة التعاضد، من أكثر مظاهر تنفيذ نظرية التحديث وضوحا في السياق التونسي، والتي كانت معتمدة بشكل كبير على تمويلات أمريكية سخيّة3.
على أية حال، لا تكلّف ثورةٌ شعبًا إلا وسعه، فمعركة الاستقلال في البلاد التونسية لم تكن محمولة بقيادة سياسية واعية بمعنى الاستعمار – أي توسع رأس المال الاحتكاري على الصعيد العالمي – ومعنى التحرّر منه – أي تحرير القوى المنتجة المحلية من سطوة رأس المال هذا. فكان التحديث الذي حملته الطبقات التي أملت سياسات الدولة المستقلة تحديثا رأسماليا طرفيا تابعا، يتعلل بتخلّف البنى الاجتماعية والاقتصادية والثقافية المحلية فيعوّل على “الميزات المقارنة” المنجمية والفلاحية والسياحية – أي ما جادت به الطبيعة فقط – وذلك من أجل جلب الموارد المالية الموجهة لتوريد التكنولوجيا – التي تجود بها الدول الصناعية المتقدمة.
هكذا وكأن التخلُّص من الاستعمار الفرنسي كان مجرد تخلّص من هيمنته على الطبيعة الصمّاء فقط (الأرض والجغرافيا والموارد) لا على المجتمع (القوى الحية المنتجة والمبدعة). فانحصرت ميزات هذه الأخيرة لدى القيادة السياسية في “مادتها الشخمة”، وكأن أيديها قد تَبَّتْ. في كل الأحوال، مالذي كان مُنْتَظَرا من طبقات وسطى مَكْتَبيّة، ألقى على عاتقها التاريخُ مهمةَ بناء دولة حديثة، سوى أن تنفخ فيها من صورتها4؟
المهم… كانت من أكثر لحظات “سُحْق المنطق” إنشاء وحدات تحويل الفسفاط في خليج قابس، مما يعني التضحية بالثروة السمكية الموجودة فيه، علاوة عن الواحات التي تحاذيه. من الإجحاف إنكار تقدمية الخطوة المتمثلة في تطوير البنية الصناعية لبلاد بصدد بناء اقتصاد وطني تتجاوز مجرد تصدير الخامات التي اعتمد عليها نمط الإنتاج تحت الاستعمار، وما لتحويلها إلى منتجات ذات قيمة اقتصادية واجتماعية أعلى من فوائد. لكنه من غير المفهوم أن يطغى قطاع على آخر، في حالتنا هنا الصناعة على الفلاحة. ويتم تعليل اختيار مكان انتصاب منشآت تحويل الفسفاط بقربه من منفذ بحري، يعجّل بتصدير السلع.
هنا، يبرهن لنا الواقع أن القيادات الأولى للدولة الوطنية قد تبنّت إيديولوجيا التحديث دون أن تستوعب مكتسبات الحداثة. فتفكيرها مازال خاضعا لمكرهات الطبيعة وما أتاحته الصدف الجغرافية من فرص، دون أي محاولة لتطويع الموجود لممكناتٍ كان قد وفّرها التطوّر التقني منذ زمن. فما ضير مخطّطي الاقتصاد التونسي الأوائل أن ينصبوا منشآت المجمع الكيميائي التونسي في منطقة غير آهلة بالسكان وغير مُستغلّة فلاحيا، يتم نقل العمّال إليها يوميا من مقرات سكناهم ونقل السلع الموجهة للتصدير عبر القطار إلى الموانئ؟ فيتّقي المواطنون شر الأمراض وتتجنب البيئات الهشة التلوث قدر الإمكان.
يمكننا أن نعتبر إذن مسار التحديث الذي اتخذته الدولة التونسية المستقلة بالتحديث القَلِق (anxious modernisation)، ذلك أن هذا التحديث قد كان بمثابة ردة فعل متوتّرة على تخلف البنى الاقتصادية في بلد رزح مدة طويلة تحت الاستعمار، واستجابة مستعجلة لخطر الانهيار الاجتماعي في عملية استباقية لأي تهديد لسلطة الفئات الماسكة بزمام الدولة، التي بدأت تخشى التشكيك في شرعيّتها بعد أن فترت جذوة استحقاق قيادة معركة الاستقلال. ثم إن اللهفة وراء العملة الأجنبية عبر التعويل على تصدير المواد المنتجة محليا من أجل تحقيق عائدات لخزينة الدولة، بالإضافة إلى تسوّل المساعدات، قد أرست قواعد اقتصاد تابع لا يراهن على تطوير البنية التحتية الإنتاجية اعتمادا على القدرات المحلية ومن أجل توفير حاجيات داخلية.
ختاما،
رأينا في المقال الأول من هذا الملف أن المنطق التقني/الاقتصادي الذي يحكم نشاط الفسفاط في تونس قد اختنق بفعل تناقضاته الكامنة فيه، فأصبح عاجزا على إعادة إنتاج نفسه وإعادة إنتاج القوى الاجتماعية التي تمارسه. وكنا قد استنتجنا أن هذا المنطق ليس بتلك الدرجة من العقلانية الباردة والمحايدة التي يدّعيها أصحابها، فحاولنا في هذا المقال تتبع الأسس الإيديولوجية التي تحكم السياسات الاقتصادية في تونس، منذ بداية بناء الدولة الوطنية. وبما أن الإيديولوجيا لا تتطاير في فضاء الأفكار هائمة، بل هي قابعة في عقول بشر يحملونها، فإن المقال القادم من هذا الملف سيتناول بالدرس هؤلاء البشر الذين حكموا البلاد التونسية والعلاقات بينهم صلب جهاز الدولة.
1 انظر/ي:
Nouira, H. (1954). Le Néo-Destour. Politique Étrangère, 19(3), 317–334. https://www.persee.fr/doc/polit_0032-342x_1954_num_19_3_6298
2 برزت أولى معالم نظرية التحديث الأمريكية على يد أستاذ الاقتصاد والعلوم السياسية “والت روستو” الذي أصدر كتابا بعنوان “مراحل النمو الاقتصادي: بيان غير شيوعي” سنة 1960.
ومنذ خمسينات القرن العشرين، كان قد أقنع روستو وزملاؤه من أساتذة الاقتصاد في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا المرتبطين بوكالة المخابرات الأمريكية الرئيس الأمريكي أيزنهاور بزيادة المساعدات الخارجية الأمريكية للتنمية بشكل كبير كجزء من سياسة نشر ما رآه “نموًا اقتصاديًا على الطريقة الأمريكية” في آسيا وأماكن أخرى، وذلك بدعم من وزارة الدفاع.
https://archive.ph/20130802001502/http://www.cia-on-campus.org/mit.edu/max.html
بالإضافة إلى ما سبق، كان روستو أيضا مستشار الأمن القومي الأمريكي لدى الرئيس ليندون جونسون بين سنتي 1966 و1969 بعد أن كان مستشار السياسات الخارجية للرئيس جون كينيدي خلال حرب الفيتنام.
.
3 هيثم قاسمي (2024). التغيرات المناخية والتكنولوجيا: ثورة خضراء جديدة في تونس؟ في: الحق في المقاومة: حكايات الفلاحات والفلاحين التونسيين حول العدالة المناخية. إشراف: أيمن عميد. مرصد السيادة الغذائية والبيئة
4 انظر/ي:


