الأسرى في سجون الاحتلال الصهيوني: إرادة المقاومة أقوى من قهر السجَّان

16/08/2025
Whatsapp image 2025 08 16 at 15.36.22(1)

منذ إعلان العصابات الصهيونيّةِ الاستيطانية في 14 ماي 1948، مدعومة بمواقف أمريكا وبريطانيا، عن قيام الكيان الغاصِب على أرض فلسطينَ التاريخيّة، لايكادُ يمرّ يومٌ دون ارتكاب جيش الإحتلال الصهيونيّ جرائمَ وحشيةً في حقّ الفلسطينيّين، أبناءِ الأرض الشرعّيين. . جرائم تقتيل وتهجير وتدمير وتجويع هي من صميم العقيدة الإحتلاليّة العنصريّة التي شُكِّل بها هذا الجيش. ولم يتوان الكيّان الصهيونيّ عن اعتماد سياسة الإعتقالاتِ والمحاكماتِ للفلسطينيين، فباتت سجونه وزنازينه ساحةَ مواجهةٍ ومقاومةٍ.

ومع تصاعد وتيرة التحركات والمظاهرات الفلسطينيّة منذ خمسينيات القرن الماضي، كثّفت قوات الاحتلال الصهيونيّ من حملات الاعتقالات والمداهماتِ للمنازل ومراكز اللجوء. وسعت إلى إخماد أصواتِ المقاومة وقمعِ كل بوادر الانتفاض.  لكنها لم تُفلِح في ذلك، رغم  أنّ نهج الاعتقالات والسجن بات سلاحًا صهيونيا قارًا في مواجهة الفلسطينيين. 

أفادت تقارير إحصائية نشرتها هيئة شؤون الأسرى والمحرَّرين الفلسطينية في 10 نوفمبر 2024 بأنّ العدد الإجمالي للأسرى في سجون الإحتلال  قبل 07 أكتوبر 2023 كان  بلغ 5.250 أسيرا، منهم 170 طفلا و40 من النساء، من بينهم 1320  من المعتقلين الإداريين. أما بعد عملية طوفان الأقصى البطولية، وللتغطية اخفاقاته، عمد الإحتلال إلى سياسة الاعتقالات الجماعية وسط المخيمات والمدارس والمستشفيات ليصل إجمالي عدد الأسرى، الذين وقع التعرف على هوياتهم حسب ذات المصدر، إلى 10.100 أسيرا، منهم 270 طفلا و 97 أسيرة، كما بلغ عدد المعتقلين الإداريين  3.398، دون أن ننسى المئات من المُختَفين قسرياًّ، خاصة من الغزاويين.

 وفي ظل التصاعد المستمر لسياسة الاعتقال والسجن، التي يعتمدها جيش الإحتلال، تحوّلت السجون إلى ساحات مواجهة يومية. إذ تصاعدت ممارسة  شتى أساليب القمع والإضطهاد في حق الأسرى  من تعذيبٍ جسدي وعزل ٍانفرادي ومنع للزيارات العائلية وكذلك زيارات الأطباء والمحامين – في تناقضٍ تامٍ مع كلّ ما يُعرف  بالقوانين والإتفاقيات الدولية حول حقوق المساجين – كما تعددت حالات إستشهاد الفلسطينيين في الزنازين الصهيونية. 

ولطالما واجه الأسرى الفلسطينيون سياساتَ الإحتلال العُنصريةِ النازيةِ في حقهم بأسمى آيات الصمود ِ والتضحيةِ والثبات، فخاضوا تحركات نضالية متعددة  في مختلف السجون واتخذوا من إضرابات الجوع سلاحًا. وكان أول إضراب جوع بتاريخ 18 فيفري 1969 في سجن الرملة، وتواصل لمدة 11 يومًا، وتتالت بعده إضرابات الجوع التي انتزعَ من خلالها الأسرى بعض الحقوق التي تحفظ كرامتهم وتؤكد للعدو الصهيونيّ أنه مهما بلغت وحشيتهُ فلن يقدر على قتلِ إرادتهم الكفاحية وعلى زرع اليأس والاستسلام في نفوسهم.

 وهذا ما أكدته كتابات وشهادات الأسرى المُحررين، وآخرهم نائل البرغوثي الذي قضى أطول فترة سجن في تاريخ الحركة الأسيرة الفلسطينية.

ومع اشتداد حرب الإبادة والتجويع الحالية في قطاع غزة، فتح الاحتلال جبهة جديدة لها خلف القضبان. إذ شهدت المعتقلات الصهيونية تصعيدًا غير مسبوق عبر الاقتحامات اليومية للزنازين والأقسام، ومصادرة الممتلكات الشخصية والملابس، والاعتداءات الجسدية الوحشية، كما اعتُمِدَت سياسة ابتزاز الأسرى عبر استخدام عائلاتهم كرهائن  في محاولة لإذلالهم. .

 كل هذا وأكثر لم يغِب صداه عن شهادات الأسرى المُحرَّرين. وبالإضافة إلى الممارسات الإرهابية العنصرية في حق المعتقلين ذوي الأحكام السجنية،  تصاعدت وتيرة الاعتقال الإداري، أو ما يعرف “بالإعتقال الإحترازي “، وهو ببساطة  أمر يصدر عن مخابرات الاحتلال في الأراضي الفلسطينية المحتلة وعن وزير جيش الاحتلال في القدس والأراضي المحتلة عام 1948، بحكم سياسات التصنيف التي تندرج ضمن نظام الفصل العنصريّ. إذ يأمر باعتقال أي فلسطيني، تحت ذريعة وجود مواد أو ملف سرّي يزعم فيها أنّ المعتقل يُشكّل خطرًا على “الأمن”. ويمكن أن تكون فترة الاعتقال الإداري ستة شهور، أو أن تمتد لسنوات عدة، سواء كان ذلك بشكل متواصل أو غير متواصل.

 والمحاكمات في الاعتقال الإداري هي محاكم صورية (شكلية)، تجري فيها المداولات بصورة بعيدة عن أصول المحاكمات “العادلة”، رغم قناعتنا أن لا عدل يرتجيه  الفلسطيني أمام هذه المحاكم وبكافة أشكالها، ( نادي الأسير الفلسطيني ).  فيُزّج بالٱلاف خلف القضبان باطلا وزورا  دون تُهم في  محاكمات تمثل  تنافيًا وخرقًا فاضحًا للقوانين والمواثيق الدولية، التي تدّعي منظمات ودول كثيرة الالتزام بها، غير أنها أعمَت أبصارها أمام جرائم الكيان الصهيوني. وهو ما يؤكد أن هذه  المواثيق لا تخدم سوى المستعمرين.

هكذا تحوّلت سجون الاحتلال الصهيوني إلى مسرح لجرائم يومية ممنهجة تهدف إلى سحق الشخصية الفلسطينية المقاومة وإلى طمس هويتها. جرائم واجهها الأسرى بصمود أسطوري وتحدٍّ لكل أساليب القهر والإذلال، مُثبتين أنهم جزء من معركة طوفان الأقصى وأن الثبات داخل المعتقلات الصهيونية  ليس مجرّد صراع للبقاء، بل هو امتداد للمقاومة في أبهى صورها، مقاومةٌ من أجل الكرامة والحرية في سبيل التحرر.

ورغم كل محاولات طمس هذه السردية الكفاحية للحركة الأسيرة الفلسطينية عبر التعتيم الإعلامي، من أجل أن يظل الإحتلال في مأمن عن الإدانة والتشويه المتعمد لصورة الأسير الفلسطيني في مسعى لتصدير رواية زائفة أمام العالم، فإن  مشاهد الأسرى المحررين – خاصة في صفقات التبادل في إطار معركة طوفان الأقصى – تقف شاهدةً على عكس ذلك. وعلى الرغم من الوجوه التي أنهكها الأسر والتعذيب، فملامح الفرح بالنصرِ لا تخطئها العين، وتحمل رسائل قوية بأن قيود السجَّان زائلة وأن إرادة الشعوب التائقة للحرية لا تُهزمُ وأن المُحتلَّ الصهيوني يسكنه الهلع من حرية أسيرٍ عاش التنكيل والتعذيب، بل ويعتبر أنّ طرح المقاومة لأسماء قادتها،  كأحمد سعدات ومروان البرغوثي وعبد الله البرغوثي في مختلف صفقات تبادل الأسرى، هو بمثابة هزيمة نكراء له. 

وبهذا تبقى قضية تحرير الأسرى قضية ثابتة في قضية التحرر الوطني الفلسطينية وأحد أوجه مقاومته، فالسجون مهما اشتد ظلامها لا تستطيع إطفاء نور الحرية الذي يسكن قلوب الفلسطينيين!

مقالات ذات صلة

  • صوت الحصار: حين يصبح الصّمود وحده الحرب الممكنة

    1 هل هذه القضيّة جديرة منّي بتضحية مثل هذه؟ سؤال بحجم جريمة، يفرش ممرّا فسيحا للخيانة، طرحه على نفسه "رازوموف"…

    رأي

    Whatsapp image 2025 11 04 at 14.15.41
  • سلاح المقاومة في لبنان: بين مقتضيات الشرعية الدولية وإملاءات النظام العميل

    في خضم المشهد السياسي اللبناني الراهن، يواجه لبنان اختباراً وجودياً خطيراً يتمثل في المطالب المتصاعدة داخل أروقة السلطة السياسية لتسليم…

    رأي

    Whatsapp image 2025 08 13 at 18.16.51
  • حُرٌّ وحُرٌّ وحُرُّ !

    غادر السجن قبل الفجر بقليل. ستّ سيارات سوداء، حقيبة صغيرة، لحية كثّة بيضاء، وصمتٌ دام أربعين عامًا. في الثالثة وأربعين…

    بلا حياد

    Whatsapp image 2025 07 25 at 17.34.35
  • رأيْ | عن سرحان العليّ والانتصار

    مازن بن مبروك "يقظا مثل حمار الوحش كان وككلب الصيد ملفوفا خفيف وشجاعا مثل موج البحر كان ومخيفا مثلما النمر…

    أراء القرّاء, الأخبار, الوطن العربي, رأي, هام

    سرحان والماسورة