مصر في عين العاصفة وحاكمها يدفن رأسه في الرمال

26/01/2026
WhatsApp Image 2026 01 26 at 18.00.12

بعد حرب تموز بين إسرائيل وحزب الله، والصورة المشرقة التي رسمها انتصار الحزب فيها واذلال إسرائيل بعد فشلها في تحقيق أي هدف لها في الحرب، استشعر النظام الإستعماري العالمي الخطر القادم في حال أنعش انتصار حزب الله مشروع مقاومة عربية حقيقية على نمطه. ليس على اسرائيل فحسب بل وأيضا على مشروع إستمرار الهيمنة على المنطقة العربية بثرواتها وموقعها وقوتها في حال امتلكت الإرادة للوحدة والتكامل. لتبدأ مراكز البحث ورسم السياسات ببذل جهدها لإعادة رسم ملامح المنطقة بما يضمن إستمرار الهيمنة ووأد ما أنتجه إنتصار تموز من إستعادة الثقة العربية بذاتها. فكان لا بد من تحويل الإنتصار التكتيكي إلى هزيمة إستراتيجية للوعي الجمعي الذي بدأ باستعادة بعضاً من النشوة والثقة بعد الحرب.

لتشتعل بعد خمس سنوات موجة من الثورات المزيفة، حيث فهم الإستعمار مقدار التوق للحرية الكامن في الشعوب العربية ورغبتها الجارفة للتغيير الديمقراطي بعد سنوات من الحكم العسكري القمعي الذي ساد المنطقة. ولأنّ هذه الشعوب هدرت بصوتها وخرجت للشوارع والميادين بشكل عفوي يحرّكها الأمل في مستقبل أفضل، كان لا بد من التقاط الفرصة استعماريًا، لأنّ اللحظة كانت حاسمة كمن يمشي على وتر من نار. فإمّا تحقّق الشعوب تطلعاتها، وبالتالي تقيم أنظمة سياسية مستقلة بشكل حقيقي، فيخسر الإستعمار ركيزته. أو يتم السيطرة على الموج الجارف بإنشاء نظام جديد يمتص رغبة الشعوب ويُبقي حالة التبعية والإرتهان للإستعمار.

ولتحقيق ذلك، بدأ العمل الإستعماري على قاعدة الفوضى الخلاقة لتشكيل شرق أوسط جديد. والتي لطالما نظّر لها كثير من رموزه مثل كونداليزا رايس وشمعون بيريس وغيرهم. شرق أوسط قادر على التماهي العلني مع المشروع الإستعماري، ومطبّع مع إسرائيل وقادر على قمع أي حالة مقاومة عربية. ويخلق من جهة أخرى، نموذجًا من الرفاه السطحي الإستهلاكي، تجسّد في الإمارات والسعودية على وجه الخصوص، تُموّله وتقوده لخلق البديل عن مشروع المناهضة والممانعة المكلف سياسياً واقتصادياً.

ولأن التغيير الثوري الجذري بحاجة إلى قوّة سياسية تقوده وتنظّمه، كان من السهل السيطرة على الحراك الشعبي في معظم الدول التي تحركت ولم تكن فيها مثل تلك القوة.. باستثناء مصر، حيث لم يكن من قوة قادرة على الفعل الحقيقي سوى حركة الاخوان المسلمين، والتي تصدرت المشهد بانفعال وتسرّع سمح بسهولة إستغلالها، بعد تعاطيها الإنتهازي مع تطورات الحالة المصرية. فالحركة، التي لطالما طمحت أن تحكم مصر، رأت أن الفرصة باتت متاحة بعد سقوط مبارك. بل إنها إعتبرت أنها الأجدر والأقدر على ذلك. ولم تأخذ في الحسبان الوضع الإقليمي والدولي والإرث العسكري الذي خلّفه عهديْ السادات ومبارك. فتقدمت الصفوف في الإنتخابات وتولّت الحكم وحدها لتجد نفسها أمام إمتحان كبير ومعقّد. هو حكم دولة بحجم مصر وتعقيداتها الجيوسياسية ورمزيتها في الوعي العربي والإقليمي. ولم يدرك الإخوان أنّ بالإمكان البقاء في الكواليس وممارسة دور فعّال في الحكم دون أن يتصدروا المشهد ويحتكروه. وهنا كانت مقتلتهم وفقدان الفرصة، حيث كان انقلاب العسكر أكثر سهولة من المتوقّع وتم اجتثاث الإخوان بين عشية وضحاها بعد أن شيطنتهم أبواق الإعلام المصري والخليجي، وحولتهم إلى دعاة إرهاب وخراب، دون أن يحرّك منتخبوهم ساكنًا…

أمّا في سوريا، التي كانت أحد ركائز إنتصار تموز، فقد تم التعاطي بشراسة أكبر مع الواقع. فتدفُق المال الخليجي والإنتهازية التركية والعدوانية الصهيونية والوحشية الغربية والغباء الأسدي أطال أمد التغيير بعد أن أُهرقت دماء مئات آلاف السوريين. فاستُنزفت البلاد وأُرهق الشعب وشُيطن النموذج المشرق الذي جسّده حزب الله. وكانت النتيجة خلق حالة مشوهة أقرب للمسخ السياسي بدلاً من دولة قومية قوية داعمة للتحرر العربي. ولتصبح سوريا أقاليم متنازعة تلهث للوصول للحد الأدنى من شكل الدولة التي لا تملك السيادة على أي جزء منها، وليقام حكم الطوائف المتنازعة: أكراد موالون لأمريكا في الشرق والشمال. علويون تائهون في الساحل الغربي ودروز في الجنوب موالون لإسرائيل، بينما الفاتحون المحرِّرون المتحوّلون من الداعشية الى بروتوكولات الحكم من السنّة في دمشق يتشبثون في ذيل تركيا ويتمسحون ببلاط الخليج. وتُستباح البلاد من شرقها لغربها تحت الإحتلالات الدولية والإقليمية، فيخسر المشروع القومي العربي أحد أهمّ أضلاعه بعد أن فقد الضلع الآخر في العراق عقب إحتلال أمريكا له في نيسان من عام 2003.


وعوْدًا إلى مصر، التي شكلت مع سوريا والعراق ركائز المشروع العربي المنشود، ورغم إسقاط وإفشال تجربة حكم الإخوان المسلمين بتلاعب استعماري ومساعدة انتهازية الاخوان انفسهم، ورغم إنشاء نظام سياسي متساوق مع المشروع الإستعماري، ولاهث خلف أموال البترول الخليجي، إلّا أنّ مصر بقيت تحتفظ بقيمتها المعنوية في الوجدان العربي. وما زالت حسب الرؤية الاستراتيجية الاستعمارية قادرة على لعب دور محوري في المنطقة في حال إمتلكت الإرادة من أجل ذلك. فهي صاحبة العدد السكاني الأكبر وصاحبة الجيش الأكبر والأقوى والمُحدَّث بترسانة ضخمة. وهي التي ما زالت تمتلك نواة مشروع صناعي نهضوي رغم ضعفه النسبي. كما أنها لا تزال تملك أرضية زراعية وثروة مائية تمكنها من تحقيق أمن مائي وغذائي لو قررت ذلك. وهذا الخطر الذي يعلن عنه أهم العقول الأمنية والإستراتيجية في إسرائيل بات غير مخفيّ، حيث أعلن غيورا ايلاند، أحد أهم الأدمغة العسكرية في الكيان ورئيس معهد الأمن القومي السابق، بـ “أنّ مصر بجيشها ومكانتها تشكّل خطرا استراتيجياً على اسرائيل رغم أن النظام الحالي فيها مضمون اسرائيليا الا أنّه من الممكن تغييره بين عشيّة وضحاها “.

فيما رأى السفير يحيئيل لايتر (السفير الإسرائيلي لدى واشنطن سابقًا، وشغل سابقًا منصب مستشار إسرائيل لدى مصر)

في فبراير 2025 أنّ وجود قواعد عسكرية مصرية هجومية في سيناء هو “انتهاك خطير لمعاهدة السلام، محذرًا من أن تل أبيب ستطرح الأمر بغضب وحسم على الساحة الدولية .

كذلك، حذّر رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق، هرتسي هاليفي، في مقابلة مع قناة 14 الإسرائيلية عقب انتهاء ولايته في فبراير–مارس 2025، من أن النظام العسكري المصري الذي يضمّ أسلحة متطورة (طائرات مقاتلة، غواصات، دبابات، قطع بحرية)، إلى جانب قوات مشاة ضخمة، يثير قلقًا كبيرًا. وقال: “نحن قلقون جدًافهذا الجيش قادر على قلب المعادلة فور تغيّر في القيادة“.

اما سفير إسرائيل في الأمم المتحدة، داني دانون، فقد صرّح في أوائل 2025 أنّ “مصر تنفق مئات الملايين سنويًا على أسلحة حديثة رغم عدم وجود تهديد على حدودها، متسائلًا عن الهدف من هذا التسلّح، مع تحذير بأنّ هذه القدرات تُعد تهديدًا محتملاً لإسرائيل، وأنه يجب مراقبتها والتخطيط لكل السيناريوهات المحتملة.

وهذا فيض من غيض من التصريحات التحريضية الإسرائيلية، والتي تضعها إسرائيل في إطار ” التخوفات” كعادتها في إبراز نفسها كضحية تعاني الخطر الوجودي في محيط عدائي.

رؤية إسرائيل لمصر، رغم حكم نظام السيسي، وموقفه المتساوق في حصار غزة وكل سياساته تجاه القطاع وحصاره قبل الحرب وخلالها، لم يعفه من المطالبة الاسرائيلية الدائمة بالانبطاح أكثر. بل أن إسرائيل تسعى لما هو أكبر لضمان التخلص من الخطر الأستراتيجي المصري الذي تستشعره.

وكما إعتدنا على السلوك الاسرائيلي غير القابل لابداء أي ثقة بالمحيط، والذي لا يطمئن إلا في حال إنهيار هذا التهديد بشكل كامل. فإن إسرائيل تمارس كلّ ما بإمكانها لإضعاف مصر على طريق تقسيمها وإلحاقها بسوريا والعراق. وذلك عبر الضغط من أجل إنهيار الدولة والجيش المصري كمؤسسات ثابتة بغضّ النظر عن المؤسسة الرئاسية التي تراها متغيرة. فبالنظر للدور الإسرائيلي بما يحدث في محيط مصر، نجد أنها لا تدّخر جهدًا لخلق أزمات محيطة بها. سواءٌ في سيناء، عبر خلق ودعم عصابات مسلحة تعمل في التهريب والمخدرات وتمارس انشطة إرهابية. أو في الجنوب من خلال تشجيع تقسيم السودان ودعم الحركة الانفصالية التي قادت إنفصال جنوب السودان. وقد أثر ذلك على مصر، كون السودان شكل تاريخياً عمقاً استراتيجياً لمصر. واليوم من خلال دعم الحرب الأهلية الجارية فيه.

وإضافة إلى التغلغل في إفريقيا عموماً، تعمل إسرائيل على محاصرة مصر إقتصادياً. وذلك يتجلى بشكل أكثر صراحة من خلال دعم اثيوبيا في بناء سد النهضة على نهر النيل.

دولياً، ورغم العلاقة السياسية الرسمية التي ثبتتها إتفاقية كامب ديفيد، إلّا أن إسرائيل تعمل لإضعاف مصر وتحديداً في الجانب العسكري. وذلك من خلال التحريض على أي تعاون مصري دولي في مجال التسليح.

ورغم أن العلاقة السياسية التي خلقتها كامب ديفيد، إلا أن الواقع الشعبي المصري حافظ على العداء مع إسرائيل. لكن دون أن يتطور لفعل حقيقي قائم على الصراع المباشر، وهذا ما تدركه إسرائيل جيدًا. وهي ترسم موقفها تجاه مصر بناءً على ذلك. فهي تعي جيدًا أنه قد تخفت حدّة الصراع بين مصر وإسرائيل، ولكن تبقى المعادلة قائمة على أساس الصراع.

فالشعب المصري الرافض للتطبيع، بما يشكّله من ثقل سكاني كبير في المنطقة، يبقي إسرائيل في حالة استنفار وشعور بالخطر تجاهه. وبناءً على ذلك، هي تتعامل مع مصر وتعمل جاهدة على إضعاف وتفتيت القوة الكامنة فيها، ومن أهمها الجيش كمؤسسة. ولا يمكن إضعاف هذا الجيش، من وجهة النظر الإسرائيلية، إلا من خلال خلق صراعات ثانوية مع المحيط بغية إستنزافه وإشغاله من جهة، وإدخاله في صراعات داخلية مع الشعب المصري من جهة أخرى، أو من خلال إنشاء جماعات إرهابية كما حدث في سيناء.

وفي هذا الإطار، تعمل مراكز الأمن الاسرائيلية بتعاون مع الأمريكي والغربي عموما، كرعاة المشروع الصهيوني في فلسطين، بينما يخفي الحاكم المصري رأسه في الرمال عن حقيقة أنه مستهدف بدرجة كبيرة.

فلو أراد النظام المصري أن يرسم سياسة أمن قومي إستراتيجية، لكان بمقدوره ذلك من خلال اتخاذ موقف أكثر حزماً تجاه حرب غزة، التي كشفت الأطماع الصهيونية الحقيقية في المنطقة عموماً، وفي مصر على وجه التحديد، من خلال الرغبة في تهجير سكان القطاع إليها. فالسياسة المصرية الرسمية التي غضت الطرف عن واجبها القومي تجاه غزة أسقطت من حساباتها كذلك النتائج الكارثية على أمنها القومي في حال حققت إسرائيل أهدافها من الحرب. وخاصة بعد سقوط سوريا واستيلاء إسرائيل على النقاط الاستراتيجية في جنوبها، وما ترسمه عبر ذلك من فتح طريق الى شرق سوريا يربطها بالأكراد، ويحاصر العراق ويقطع التواصل مع لبنان. كما أن إسرائيل، لو حققت نصرها في غزة، ستطلق يدها بحرية أكبر في جنوب وغرب المتوسط، حيث أكبر آبار الغاز الطبيعي المكتشف حديثاً.

وبكلّ استخفاف بالامن القومي المصري، يمارس النظام الحاكم بقيادة عبد الفتاح السيسي خطوات تعميق تبعية مصر وإضعافها. وذلك، عبر ربطها باستيراد الغاز الاسرائيلي وبيع جزيرتيْ تيران وصنافير الاستراتيجية في البحر الأحمر، ورهن مصر للتمويل الدولي والخليجي عبر اهدار المال في مشاريع وهمية وشكلية لا تؤسس لقاعدة أمن قومي حقيقي. فمصر، التي تمتلك النيل والسد العالي والدلتا، تستورد القمح ولا تنتجه. وتوقّع عقودا جديدة لاستيراد الغاز من اسرائيل، في اللحظة التي تعاني فيها الأخيرة من حصار عالمي يقاطع منتجاتها، وفي الوقت الذي يطالب فيه أقدم حلفاؤها في أوروبا بقطع إتفاقية الشراكة معها.

وهنا يبدو النظام المصري وكأنّه يجاهر بالعداء ليس فقط للقضايا القومية، بل وكذلك لذاته وشعبه وأمنه القومي، ممّا يرفع درجة توصيفه من الغباء الى الخيانة المُعلَنة.

مقالات ذات صلة

  • فيديو | اعتصام “المعارضة النقابية”: فرصة “لإنقاذ الاتحاد” أم “تدميرٌ” له؟

    تقرير لإياد بن مبروك بمساهمة غسان بن خليفة يتواصل اعتصام "المعارضة النقابيّة" منذ يوم 25 جانفي الجاري في بطحاء محمد…

    الأخبار, عمّالية, هام

    اعتصام المعارضة النقابية
  • سبعة أيام من الاعتصام – الجزء 2 – الذين صعدوا ولم يعودوا

    الذين صعدوا ولم يعودوا إعترافات نورا: ولجتُ محل الانترنات وقضّيت فيه وقتا نسيت أثناءه نفسي، حتى لم يبق لي من…

    أدب وفنون

    السلسلة الروائية لعادل حامدي الجزء
  • العدوّ يعلّم أطفاله الذكاء الاصطناعي… ونحن نغرق في إدارة التبعية

    عاد قيس سعيّد أمس، خلال اجتماعه ببعض وزرائه، إلى الحديث عن مشروع “المجلس الأعلى للتربية والتعليم”، ذلك المشروع الذي يتكرّر…

    افتتاحيّة, الموقف

    صورة افتتاحية الذكاء الاصطناعي
  • السياسة الصناعية الخضراء في تونس بين التبعيّة المتجدّدة وضرورة السيادة

    في سياق الجدل المتزايد منذ فترة في تونس حول جدوى السياسات الرسمية للانتقال الطاقي، يهمّنا في موقع ’إنحياز’ المساهمة في…

    اقتصاد سياسي

    TunisCover AR page
  • سبعة أيام من الاعتصام: أكثر من كلب حراسة

    جيلاني ساقط في حفرته.. في بيته، بجسده الفارع ووجهه المحفّر بالغضون يعبّ السيجارة تلو السيجارة، وفي ذهنه يقيم المراجعات على…

    أدب وفنون

    WhatsApp Image 2026 05 04 at 20.13.26