ونحن نعيش على وقع آخر الاستعدادات لإبحار أسطول الصمود العالمي من تونس، بات من الضروري تثبيت جملة من الاستنتاجات:
– بعد التأكيد على عراقة تقاليد نصرة فلسطين في تونس، وتجذرها تاريخيا إلى نكبة 48 (بل إلى معركة حطين وزمن صلاح الدين إن شئنا) وعلى الدور الأساسي لمناضلي تنسيقية العمل المشترك من أجل فلسطين وشركائهم، يجب الإقرار بأنّ قرار احتضان الأسطول والموافقة على خروجه من الموانئ التونسية هو قرار شجاع من السلطة التونسية، وتحديدا لرئيسها قيس سعيّد.
– إنّ اصرار السلطة – ورئيسها تحديدا – على خطاب مناهض للصهيونية بكلّ وضوح، ومؤكِّد – رغم كلّ ما نراه من انحطاط في المواقف الرسمية العربية – على “تحرير كلّ فلسطين”، هو موقف محترم وجريئ. وأنّه في ظلّ السياق العالمي الحالي، المتّسم بصعود الفاشية في المركز الامبريالي الأمريكي، سيكون لهذا الموقف – على الأرجح – تبعات وأثمان.
– رغم جرأة هذا الموقف، الّا أنّه مازال منقوصًا وبعيدًا عن المطلوب والممكن بالنسبة للدولة التونسية. بل إنّ تبنّي هذا الموقف دون أن تردفه قرارات جريئة أخرى يدفع إلى التساؤل والتشكيك في مصداقيّته. إذ كيف تتمسّك السلطة بهذا الخطاب عالي النبرة (إلى درجة الحديث عن “العدوّ الصهيوني”) دون أن تبادر إلى سنّ قانون يجرّم التطبيع معه، بما يحصّن بلادنا من الاختراقات الصهيونية ويُسند جهود حملات مناهضة التطبيع والمقاطعة بأداة قانونية لمسنا طيلة عقدين على الأقلّ مدى الحاجة إليها؟ وكيف يمكن لسلطة تقف إلى صفّ فلسطين ومقاومتها الاستمرار في إقامة علاقات تعاون أمني وعسكري مع دولة العدوّ الأمريكي، التي لم تعد تكتف بدور الداعم والحامي والمزوّد بالسلاح والمال.. بل باتت مشارِكة علنًا وبكلّ وقاحة في قتل أبناء غزّة وأبناء باقي شعوب المنطقة…
اليوم، لم يعد هناك مكان لأنصاف المواقف أو محاولة اللعب على التناقضات والوقوف في منتصف الطريق. هاقد رأينا مصير النظام السوري، عندما حاول ذلك. بل ها قد رأينا قبل يومين كيف لم تنفع دولة قطر كلّ مناوراتها الديبلوماسية وكلّ ما قدّمته للأمريكان والصهاينة من أموال وقواعد عسكريّة وتطبيع والخ. ولم تجنبّ عاصمتها التعرّض للقصف الصهيوني الغادر.
نقول هذا ونحن بدورنا في تونس تعرّضنا قبل يومين مجدّدا (إذ سنحيي بعد أسبوعين الذكرى الأربعين للعدوان على حمّام الشطّ) إلى قصف صهيوني انتهك سيادة البلاد.
طبعًا، ستخرج – وقد بدأت – بعض الأبواق المرتبطة بالنظام أو “الدولة العميقة”(ونعني بذلك البنية الاقتصادية والإدارية والثقافية والإعلامية والسياسية الأكبر والأعمق من السلطة الحاكمة اليوم) لتقول أنّ تونس تدفع ثمن احتضانها للأسطول. بل وقد ذهب بعض أنذلهم إلى تخويفنا من مصير “غزة” نتيجة وقوفنا معها.
قطعًا، لا يجب الالتفات إلى هذه الفئات المرتبطة مصلحيًا ونفسيا مع معسكر أعداء شعبنا، فذلك هو ديدنها وهي جزء من نُخب “النظام العربي” الذليل العميل المتواطؤ حدّ النخاع في إبادة أهل غزة، وقبل ذلك في إيصال أمّتنا إلى هذه الدرجة من الضعف والهوان.
ولذلك، من واجبنا أن نتوجّه إلى شعبنا، أوّلا وأخيرًا، وتحديدا إلى الطبقات الشعبية منه. فهو صاحب المصلحة الأكيدة في هذا الفصل الجديد من معركة التحرّر الوطني العربي التي لم تتوقف يومًا. وإلى أحرار شعبنا وكلّ من يهمّه الأمر نقول مجدّدًا: لم يعد لدينا ترف التردّد أو الانتظار. على هذه السلطة الحاكمة، إن كانت صادقة فعلا في مساندتها لفلسطين وأهل غزة وفي عدائها للصهيونية، أن تمضي في الطريق حتى نهايته. وذلك عبر اجراءات تهدف أساسا إلى تحصين البلاد وشعبها من التداعيات الأكيدة القادمة لمواقف أحرارها، وتقاطع هذه المواقف جزئيا مع موقف سلطة قيس سعيّد تجاه غزة. وتتمثّل في:
– التجريم القانوني كافة أشكال التطبيع مع العدو الصهيوني.
– وقف التعاون العسكري والأمني مع العدوّ الأمريكي والغاء اتفاقية “الحليف غير العضو” مع حلف النيتو الاستعماري، الأداة الطيّعة في يد الأمريكان والصهاينة.
– إفراغ السجون من المساجين السياسيين ومساجين الرأي ووقف مهزلة المحاكمات الجائرة للمعارضين والاعلاميين والخ.
– إقامة حوار وطني حقيقي وجادّ (يستمع فيه الرئيس لمحاوريه ولا يتحدّث وحده كعادته) مع كلّ القوى المعنية بخوض معركة التحرر الوطني بحقّ (لا بالخطابات والشعارات فقط كما يحصل الآن). ومن أوكد شروط ذلك ارساء نظام ديمقراطي شعبي حقيقي لا مجال فيه لتسلّط الفرد أو تغوّل الأجهزة أو اخضاع القضاء وترهيب الاعلام والخ.
– اطلاق ورشات تفكير وعمل من أجل ترسيخ فعلي لسيادة البلاد في عديد المجالات، وعلى رأسها: الاقتصاد (عبر التركيز على الفلاحة الهادفة لتحقيق السيادة الغدائية، والتصنيع الهادف لتحقيق السيادة الطاقية وتسخير البنك المركزي لتحقيق السيادة المالية والخ)؛ العدل الاجتماعي (عبر قوانين تضبط أسعار المواد الأساسية والكراء وترفّع في الأجور عبر ربطها بنسبة التضخم والخ)؛ الأمن والدفاع (عبر وضع لبنات تصنيع عسكري متقدم يواكب التطوّر التقني المتسارع الذي رأيناه خاصة منذ 7 أكتوبر).
– كلّ هذه القرارات والسياسات ضرورية وعاجلة وأكيدة قبل طوفان الأقصى وبعده ووجب التذكير بها. لكن ماهو “جديد” نسبيًا، ضرورة اتخاذ قرار استراتيجي واضح وحازم بوقف التعويل على “الغرب”. إذا شئنا أن يكون تموقعنا الجيوسياسي منسجما مع الخطاب الرسمي والشعبي في عالم ما بعد 7 أكتوبر، لم يعد لدينا من بديل غير اقامة أقوى وأوثق العلاقات مع القوى الصاعدة شرقًا وجنوبا: وتحديدا الصين وروسيا وايران والبرازيل وكولومبيا وجنوب أفريقيا وغيرها.
بعبارة أخرى، يجب أن تتجه تونس في نفس اتجاه أسطول الصمود: نحو الشرق ومع الجنوب.








