عاد قيس سعيّد أمس، خلال اجتماعه ببعض وزرائه، إلى الحديث عن مشروع “المجلس الأعلى للتربية والتعليم”، ذلك المشروع الذي يتكرّر ذكره منذ سنوات، بعد أن أُدرج في الدستور الجديد، دون أن يتحوّل إلى سياسة فعلية أو رؤية متكاملة لإنقاذ المدرسة والجامعة والبحث العلمي في تونس. حديث جديد عن “الإصلاح” في بلد تتهاوى فيه المنظومة التربوية نتيجة لاستمرار سياسات مرتجلة تعيد إنتاج الفقر والبطالة، وتُدفع فيه الكفاءات العلمية إلى الهجرة أو العطالة أو الانسحاب الصامت من الحياة العامة.
وفي الجهة المقابلة، كان رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو يعلن اليوم عن مشروع نموذجي لإدماج الذكاء الاصطناعي في التعليم منذ السنوات الدراسية الأولى، ضمن استراتيجية أفقها عام 2040 تعتبر التكنولوجيا والبحث العلمي، وفي القلب منهما الذكاء الاصطناعي، جزءا من الأمن القومي الصهيوني، وتتعامل مع المدرسة باعتبارها مصنعًا لادامة وترسيخ تفوّق الكيان وهيمنته على المنطقة.
قد تبدو المقارنة صادمة أو مستفزّة للبعض، لكنها في الحقيقة تكشف جوهر المأساة العربية المعاصرة. فالمسألة لا تتعلق فقط بالفارق بين دولة تُخطّط وأخرى ترتجل، بل بالفارق بين دولة تمتلك ــ رغم طبيعتها الاستعمارية والإجرامية ــ مشروعا استراتيجيا متكاملا للهيمنة والتفوق، ودولة تابعة فقدت منذ عقود شروط السيادة الاقتصادية والسياسية والمعرفية.
“إسرائيل” لا تستثمر في الذكاء الاصطناعي والتعليم لأنّ حكّامها “أرقى” أخلاقيا أو أكثر “تحضّرا”، بل لأنّها ترى فيه وسيلة أخرى لضمان استمرار وجودها الوظيفي. فهذا الكيان أُنشئ أصلا باعتباره قاعدة متقدمة للمركز الإمبريالي الغربي في منطقتنا، وحصل لعقود على دعم مالي وعسكري وعلمي هائل مكّنه من بناء بنية تحتية صناعية وتكنولوجية متطورة، ومن تحويل الجامعة والبحث العلمي إلى جزء عضوي من مشروعه الاستيطاني والعسكري. لذلك تخصّص “إسرائيل” أكثر من 5% من ناتجها الداخلي الخام للبحث والتطوير، وهي من أعلى النسب عالميا، فيما لا تكاد تونس تتجاوز 0.7% في أفضل التقديرات.
لكنّ الأزمة التونسية أعمق من مجرد ضعف ميزانيات أو سوء إدارة قطاع التعليم. فكيف يمكن بناء مدرسة حديثة أو بحث علمي مستقلّ داخل اقتصاد تابع، مرتهن للقروض والاتفاقيات الاقتصادية غير المتكافئة (وآخرها ما شهدناه بمناسبة النقاش حول لزمات الطاقات المتجددة)، ومكبّل بشروط المؤسسات المالية الدولية؟ وكيف يمكن الحديث عن “اقتصاد المعرفة” في بلد فاقدٍ لسيادته الغذائية والطاقية والمالية، ويعيش على الاستيراد العشوائي والمديونية وتحويلات الخارج والسياحة الهشة؟
لقد جرى، على امتداد عقود، تفكيك أي إمكانية لبناء قاعدة صناعية وطنية حقيقية (تحديدا منذ إسقاط المشروع الرائد لأحمد بن صالح رغم هناته)، وربط الاقتصاد التونسي عضويا بالسوق الأوروبية من موقع الطرف الضعيف التابع: يصدّر اليد العاملة الرخيصة – واليوم زدنا عليها الكفاءات المتعلّمة من أطباء ومهندسين وباحثين إلخ – والمواد الأولية والخدمات منخفضة القيمة، ويستورد كلّ شيء تقريبا، ومن ضمنه التكنولوجيا، بغايات استهلاكية دون عمل على توطينها. وفي ظل هذا الموقع البنيوي المختلّ، يصبح انهيار التعليم والجامعة نتيجة شبه طبيعية، لا مجرّد خطأ تقني أو إداري يمكن إصلاحه بإنشاء “مجلس أعلى”. ويكفي النظر إلى اعتصامات حاملي الدكتوراه المعطّلين لفهم غياب أي مشروع وطني جدي للبحث العلمي، في بلد يُنتج الكفاءات ثم يتركها للهجرة أو البطالة.
كما أنّ انهيار التعليم والجامعة ليس منفصلا عن عقود من السياسات النيوليبرالية وشروط المديونية والتقشف، التي تعاملت مع الإنفاق العمومي باعتباره عبئا يجب تقليصه لا استثمارا سياديا في المجتمع والمعرفة. ومع كل أزمة جديدة، جرى إضعاف المدرسة والجامعة والمرفق العمومي أكثر، لصالح اقتصاد هشّ وتابع يعيد إنتاج التفاوت الطبقي والتهميش بين الجهات.
والحال أنّ أزمة التعليم ليست جديدة، بل بدأت قبل الثورة، وتواصلت خلال مرحلة “الانتقال الديمقراطي” الزائف، قبل أن تتفاقم أكثر منذ 25 جويلية مع تركّز السلطة وتراجع النقاش العمومي و قتل الحياة السياسية. فلا إصلاحًا تربويا أو اقتصاديا ممكنا دون حريات عامّة ومناخ يسمح بالتفكير النقدي وتنافس الرؤى، ولا بحثًا علميا حقيقيا دون جامعة مستقلّة في قرارها مع تمتّعها بالتمويل العمومي الكافي، ولا تنمية للبنية الصناعية والتكنولوجية دون مشروع استراتيجي بديل يسمح بحرّية التنظيم والإبداع.
وفي الوقت الذي تعيد فيه دول عديدة في الجنوب العالمي صياغة علاقاتها الدولية وتوسيع هوامش استقلالها، تبرز تجربة إيران كنموذج دالٍ على إمكانية اجتراح مسار بديل حين تتوفر الإرادة والرؤية السيادية. فرغم عقود من العقوبات والحصار، استطاعت هذه الدولة، التي كانت تعاني مثلنا من التبعية، عبر الاستثمار في التعليم العالي والبحث العلمي بناء منظومة جامعية ومراكز بحث متقدمة، وتحقيق حضور عالمي معتبر في مجالات الطب والهندسة والصناعات الدوائية والدفاعية والفضاء والذكاء الاصطناعي، بما انعكس كمًا ونوعًا على إنتاجها العلمي وبراءات الاختراع. وهي تجربة تؤكد أن تطوير المعرفة والتكنولوجيا في بلدان الجنوب ليس أمرًا مستحيلا متى توفرت خيارات سيادية واضحة واستثمار طويل المدى، في مقابل استمرار تونس في موقع التبعية التقليدية للاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والمؤسسات المالية الغربية، دون أفق استراتيجي للخروج من هذا المأزق التاريخي.
لهذا تبدو المقارنة مع كيان العدوّ، رغم كل اختلاف السياقات، كاشفة إلى حدّ القسوة: بين كيان استيطاني إبادي يُدرك أنّ بقاءه وتفوّقه مرتبط بإنتاج العلم والقوة والتكنولوجيا، وبين سلطة عاجزة حتى عن إنتاج رؤية وطنية سيادية فعليّة للتعليم أو الاقتصاد أو الثقافة.
المشكل الحقيقي ليس في فارق الإمكانيات، بل في غياب المشروع الحضاري والرؤية الاستراتيجية: فهناك عدوّ يواصل، رغم كلّ ما يحيط به من تهديدات، بناء أدوات الهيمنة على المنطقة ومستقبلها، أمّا هنا – في تونس وجلّ بلدان الوطن العربي – فأنظمة ما تزال تدير أزماتها داخل الأفق\النفق نفسه الذي أنتج التبعية والتفكك والانهيار.
