!أحمد نجيب الشاّبي: متى استطاع سقف السجن حبس النخلة الشامخة؟

03/12/2025
59a21636 bde2 4426 955d a4fb07a6a237

في قرارة نفسي، كنت أتمنّى أن لا يصل العته بهذه السلطة أن تواصل في صلفها وظلمها وتسجن العيّاشي الهمّامي.. وخاصة الأستاذ أحمد نجيب الشابّي. ليس فقط خشية على الرجل الذي سيغلق في شهر جويلية القادم عامه الثاني والثمانين (نعم، مازلت أحفظ تاريخ ميلاده، كما أحفظ تاريخ ميلاد الراحلة ميّة الجريبي ورفاق آخرين)، بل كذلك رأفة بهذه البلاد التي يبدو أنّه كُتب عليها أن تتحلّى بصبر “سيزيفي” على الاستبداد.. وأن لا تنعم بما يستحقّه شعبها (وبقية شعوب الوطن العربي) من حرّيات ودولة عادلة تنحاز لحقوق الأغلبية في الاقتصاد والثقافة، فضلا عن السياسة…

وبما أنّنا بتنا جميعا نتوقّع خبر اعتقال “الأستاذ” (هكذا واظَبتُ وأجيال من شباب الحزب الديمقراطي التقدّمي على مناداته – قبل أن نسمع باسم “الأستاذ” قيس سعيّد بعقديْن)، فهذه شهادة شخصيّة بسيطة في حقّ هذا الرجل…

لا حاجة للحديث عن مواطن الاختلاف المعروف مع “الأستاذ”.. فاللحظة لا تحتمل… أكتفي بالقول أنّ قراءتينا للواقع واستحقاقاته اختلفت تدريجيا منذ منتصف عقد الألفين، ليصل الأمر ذروته بُعيْد 14 جانفي وما تلاه… وهو ما حتمّ افتراق الطرق أيضًا…

وسأبدأ بذكر خصال الرجل من حيث انتهت علاقتنا… لم تصلني منه أو عنه يومًا كلمة سوء في حقّي… رغم أنّني لم أقصّر في نقده بعديد المناسبات، داخل الحزب قبل أن أغدو خارجه… بل إنّني أشهد أنّ الأستاذ أحمد نجيب الشابّي كان منذ عرفته انسانًا يؤمن بصدق بالحق في الاختلاف ويمارس ذلك… إذ أذكر أنّه لطالما استمع بانتباه واحترام لكلّ ما كنت أقوله (بما في ذلك بعض حماقات الشباب المتحمّس) خلال اجتماعات اللجنة المركزية، أو خلال اجتماعات هيئة تحرير جريدة الموقف، أو في لقاءاتنا الثنائية ( تقريبًا كلّ عشية اثنين في السنوات الأولى لنشاطي بالحزب) بمكتبه بآخر نهج فلسطين (قريبا من ساحة باستور)…

تتزاحم الذكريات في ذهني ولا أعرف كيف أنتقي أهمّها… وداخلي صوت يدفعني للكتابة بسرعة.. لأنّني أودّ أن تصل شهادتي هذه لـ”الأستاذ” قبل أن يرنّ جرس بيته مؤذنًا بقدوم بعض “الأعوان” الذين أُمرُوا باقتياده صاغر(ين) للسجن…

مازلت أذكر إلى اليوم أوّل “درس في السياسة” على لسانه مقتبسًا لينين: “السياسة هي تنظيم، دعاية وتحريض”. ولطالما ردّدت هذه القاعدة في نقاشاتي مع الرفاق الذين صاحبوني في تجربتي الأولى، ثمّ في حديثي إلى الرفاق الشباب، عندما انتقلت في تجارب لاحقة إلى موقع “المُستقطب” و”المؤطّر”…

وإن نسيتُ فلا أستطيع أن أنسى بعض المحطات: الأستاذ نجيب كان له الفضل الأوّل في أنّني صرتُ صحفيًا… فهو اقترح اسمي على هيئة تحرير جريدة الموقف منوّها بقلمي “الواعد” (هكذا أخبرني أستاذي الأوّل في عالم الصحافة الكبير رشيد خشانة، رئيس تحرير الجريدة)، بعد أن اطّلع على بعض خربشات لي في الجريدة وفي نشريّة “الشراع” التي كانت لسان حال الشباب الديمقراطي التقدّمي … ولم يألو جهدًا في نصحي وتوجيهي وتشجيعي منذ أن ولجتُ الصحافة بالممارسة قبل الدراسة…

بل مازلت إلى اليوم أفتخر بما كاله لي من مديح عندما كتبتُ مقالًا أعجبه كثيرًا بأحد أعداد الموقف، بعنوان “اللغة الوطنية في خطر” (أعتقد أنّ ذلك كان عام 2005 وموضوعه حول تدهور أوضاع اللغة العربية في تونس بسبب انتشار “العَرنسيّة” – كما سمّاها الراحل العزيز د أحمد بوعزّي – في الاعلام الخاصّ الذي فتح له بن علي الباب دون اهتمام بالمسألة اللغوية)…

طبعًا، لم يكن يتردّد كذلك في توجيه النقد عندما لا يعجبه مقال آخر.. لكن والحقّ يُقال كان ذلك نادر الحدوث… لأنّني كنت مغرمًا بعملي، ولأنّني كنت أيضًا محاطًا بنصح ورعاية زملاء أعزّاء غرسوا فيّ حبّ العمل المتقن منذ سنواتي الأولى (إلى جانب الأستاذ رشيد خشانة، أذكر أيضا العزيز محسن المزليني، وسمير ساسي ومحمد الفوراتي)…

أذكر كذلك في 2010، عندما اتّصل بي ليعبّر عن إعجابه بمقال نقديّ لاذعٍ خصصته لمثقف تونسي (لا داعي لذكر اسمه لأنّه رحل عن عالمنا)كان يدافع عن التطبيع مع العدوّ الصهيوني، كما تورّط في مناشدة بن علي للترشح مجدّدًا للانتخابات الرئاسية …

ولا يمكن أن أنسى أنّه رغم مغادرتي البلاد نهاية 2007، بقي على تواصل دوري معي عبر الانترنات… وكان يسمع رأيي في شؤون الحزب ومواقفه – وحتى يستشيرني أحيانًا في بعض المسائل المتعلقة بنشاط الحزب بالخارج – بما في ذلك اثر اندلاع انتفاضة 17 ديسمبر، عندما اختلفتُ معه في تقدير التكتيك المناسب تجاه الأحداث…

نعم اختلفت مع الأستاذ في أكثر من مسألة (ومن أهمّها مسألة “العلاقات الدولية”)، لكن لا يمكن أن أنسى ما حييت القشعريرة التي سرت في جسمي وأنا أقرأ مقاله الشهير في رثاء الشهيد صدام حسين… كان نصًا مليئًا بالعاطفة الصادقة وبالإدانة الواضحة القويّة للإحرام الأمريكي في حقّ العراق وشعبه… كان نصًا من أعماق القلب بعيدًا عن حسابات السياسة والذات…

كما لا يمكنني أن لا أتذكّر موقفه الشجاع المُلهم عندما انتشر عام 2004 خبر استدعاء بن علي لمجرم الحرب أرييل شارون للمشاركة في القمّة العالمية للمعلومات (التي عقدت السنة الموالية وشهدت اضراب جوع 18 أكتوبر الشهير). إذ صدح، بالصوت العالي، خلال اجتماع في مقرّ الحزب ودعا إليه عديد القوى السياسية، بأنّ شارون لن يمرّ “إلّا على جثثنا” ! وقد مثّل هذا الاجتماع نقطة انطلاق ارتكاز هامّة للتحرّكات ضدّ هذه الدعوة، التي عمّت البلاد (وخاصة الجامعة) طيلة أسبوعين.. ممّا اضطرّ نظام بن علي الى تعليق الدروس في الجامعة…

بسبب هذه المواقف وغيرها، لطالما ذكرت لبعض الرفاق أنّ الصهاينة والأمريكان لا يمكن يومًا أن يثقوا في الشابّي، لأنّهم يعرفون أنّه مهما “تلَبرل” فلن يتخلّى عن عروبته ولن ينخرط في التطبيع مع العدوّ أو في التآمر على محور المقاومة…

ولا شكّ في أنّني لا أستطيع أن أنسى شجاعته عندما تحدّى الديكتاتورية في أكثر من محطة (من اضراب جوع 18 أكتوبر من أجل حقّ جميع التونسيين في التنظم والتعبير والعفو التشريعي العام إلى اضراب الجوع دفاعا عن جريدة الموقف وعن مقرّها – بمعيّة الراحلة الكبيرة العزيزة ميّة الجريبي والخ)… ولا اصراره على فتح باب الجريدة والحزب لاحتضان مختلف التيارات السياسية الوطنية “المغضوب عليها”… وقد حزّ في قلبي كثيرًا (كما حزّ في قلب كلّ مناضلي الديمقراطي التقدمي) أن أرى بعد الثورة كيف تنكّر جزء من الاسلاميين لذلك عندما ابتسمت لهم السلطة.. بل وكيف وصل ببعضهم “الفجور في الخصومة” حدّ المسّ بعرضه وتشويهه هو والكبيرة ميّة الجريبي (كما فعل ذات يوم صحفي سابق بالموقف انتقل اثر 14 جانفي الى أحضان الاعلام النهضويّ)…

لا يكفي هذا النصّ لاستحضار كلّ الذكريات والمحطّات التي شهدت عليها شخصيًا، فما بالك باستحضار مسيرة الرجل وتاريخه النضالي الحافل… فهو الذي نشأ ببيت يوسفي لوالد مناضل (تعرّض لمحاولة اغتيال من أنصار بورقيبة كما روى لي)، وبدأ مسيرته بعثيًا فماركسيًا ثمّ اشتراكيًا.. إلى أن اعتنق “الديمقراطية الاجتماعية”، كما كان يسمّي الاتجاه الليبرالي الذي اختاره في السنوات الأخيرة…

هي فقط شهادة شخصية متواضعة للاعتراف بالجميل لهذا الرجل الشامخ، الصادق في قناعاته، والمنافح عنها دومًا بشجاعة وبأخلاق قلّ نظيرها في عالم السياسة الأشبه بالمستنقع (مع الأسف)… وكذلك محاولة لتعريف الأجيال الجديدة (خاصة المُضلّلة منها بأبواق الشعبوية العبثية الحاكمة اليوم) بنزر يسيرٍ من خصال هذا الرجل، الذي يُعدُّ بحقّ أحد أعلام التاريخ الحديث لتونس…

من يحاول أن يسجن الأستاذ أحمد نجيب الشابّي، هو كمن يحاول عبثًا أن يقطع نخيل الجنوب في بلادنا… قد يعتقد لوهلة أنّه نجح في التخلّص منه، لكن لن يلبث أن يتفاجأ بسقوط عراجين التمر على رأسه… وهنا تحضرني الأبيات الخالدة للشاعر الطاهر الهمّامي :

أرى النخل يمشي في الشوارع

مرفوع الجبهة فارع

يتحدّى.. يصارع
بحديد المعامل
وحصيد المزارع
ورغم الليالي
ورغم المواجع
أرى النخل يمضي
ولا يتراجع!

هكذا أرى الأستاذ أحمد نجيب الشابّي.. وهو يمشي مرفوع الجبهة منذ ستين عامًا ونيف… فأيّ سجن يمكنه أن يحبس النخل الفارع الشامخ؟!

أخيرًا، كما قال ماركس: “التاريخ يعيد نفسه مرّتين، الأولى كمأساة والثانية كمهزلة”.. وها نحن نعيش اليوم ذروة المهزَلة… لكن دوام الحال من الُمحال…

مقالات ذات صلة

  • فيديو | اعتصام “المعارضة النقابية”: فرصة “لإنقاذ الاتحاد” أم “تدميرٌ” له؟

    تقرير لإياد بن مبروك بمساهمة غسان بن خليفة يتواصل اعتصام "المعارضة النقابيّة" منذ يوم 25 جانفي الجاري في بطحاء محمد…

    الأخبار, عمّالية, هام

    اعتصام المعارضة النقابية
  • الجبهة الإعلامية في الحرب الأمريكية على فنزويلا

    منذ انطلاق الثورة البوليفارية لم تكن المواجهة مع واشنطن على النفط وحده كما يتجلّى اليوم، وإنما على حق دولة في…

    بلا حياد

    WhatsApp Image 2026 01 12 at 19.55.13
  • سلسلة «العدوان الأمريكي على فنزويلا: مدخل لفهم التجربة البوليفارية» – ج1 – مقدّمة: الظرف الراهن في فنزويلا

    هذا النص تمهيد لسلسلة تضم خمس مقالات تتناول الإعلام والسياسة والاقتصاد والكوميونات والنهج التشافيزي في فنزويلا. إن ما ستعالجه مقالات…

    بلا حياد

    WhatsApp Image 2026 01 11 at 15.13.13
  • واقع بلا أحلام: صراع البقاء في حي علي باي

    طريق حفوز.. هذا الحي مترامي الأطراف الذي أُقيم على الطرف  الغربي  لمدينة القيروان، بعد أن اختنقت هذه بساكنيها، ولفظ الريف…

    بلا حياد

    WhatsApp Image 2026 01 08 at 19.15.47
  •                  النظام العالمي الجديد و عقيدة دونرو             

    افتتح رئيس الامبريالية الأمريكية السنة الجديدة بعمليّة عَنجُهية خاطفة ضدّ دولة فنزويلا من خلال اختطاف هوليوديّ للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو…

    افتتاحيّة

    WhatsApp Image 2026 01 07 at 17.49.20