سبعة أيام من الاعتصام – الجزء 2 – الوعد الذي لا يعود منه أحد

01/07/2026
WhatsApp Image 2026 07 01 at 13.58.19

صورة بالذكاء الاصطناعي

اليوم السادس :

انقطعت “النات” عن البلدة، فلم يعد بوسع فاضل إرسال شيء من أخباره أو أخبار الاعتصام، ولكن ممّا رواه شهود عيان ونقلته وسائل الإعلام، فإن قوات الأمن التي استردّت اسمها الأصلي ولم يعد أحد ينعتها بالعجول هاجمت موقع الاعتصام بوحشية، بعد أن تلقّت أمرًا صارمًا من القصر بأن الاعتصام لا ينبغي له أن يستمر أكثر. وإن لم يفلح فضّه بالوسائل السلمية وبإقناع المعتصمين أن كافة مطالبهم في طريقها للتحقّق فسيقع ذلك بوسائل أخرى.. وهو ما حدث سريعًا قبل غروب شمس ذلك اليوم. اجتاحت قوّات الأمن ساحة الاعتصام وشقّت صفوف المعتصمين ونكّلت بهم شرّ تنكيل. وهم.. بعد أن حاولوا الصمود للموجة الأولى من الهجوم.. أعياهم صد ضراوة المهاجمين والغارات المتتابعة التي شُنّت عليهم، فتفرّقت فلولهم في الأنهج الفرعية المحاذية للساحة تحت وقع ضربات هراوات البوليس وقنابل غازهم التي أعمت الأعين وخنقت الصدور. تشتّت شملهم وغدوا مجموعات من الأفراد التائهين في أزقة مدينة يجهلون معالمها ولم يعودوا قادرين على أن يتعرّف الواحد منهم على رفيقه.

وبينما فاضل في غمرة ضياعه لا يعثر لنفسه على وجهة.. شاهد من بعيد مراد يحاول رشّ وجهه بالماء محاولا إزالة أثر الغازات عن عينيه، ليرى بوضوح أين أفضى به فراره من الهراوات وفي أي ناحية من المدينة هو الآن.. لم يسعفه لسانه بكلمة وظلّ يتخبّط مثل المختنق. همّ فاضل بالاقتراب منه، لكن لكزة أحس بها تأتيه من الخلف جعلته يلتفت.. فرأى أمامه عباس ك. وعلى وجهه ترتسم ابتسامة نصر عريضة:

_ فاضل.. أمجنون أنت؟

_ماذا تريد؟ خرج السؤال من صدر فاضل مثل حشرجة..

_ أصغ إليّ فاضل.. ما أتيت معكم إلا لأنني أحبّكم.. ويعنيني أمركم بالقدر الذي يعنيكم.

_ ماذا تريد مني؟ أنّ الصوت في حنجرة فاضل متلوّنًا بأشدّ ألوان العذاب فظاعة..

_ أريد أن أقول لك.. لم يعد هناك مبرّر لمواصلة الاعتصام.. فقد تمّ إعداد قائمات بالمطالب، ولم تعد تلبيتها غير مسألة وقت.

_ المطالب..؟ أهذا ما تظنّه؟ ردّ فاضل ذاهلًا..

_ أجل.. ألم يكن باعثكم على القدوم البحث عن تلبية جملة من المطالب؟ التشغيل أساسًا. تريدون كلّكم أن تعملوا؟ أليس كذلك؟ اعتبر الأمر ناجزًا.. وهذه لحيتي.. سيعود المقاول لإنجاز مشروع الملعب المعشّب.. وتوسيع المقبرة وإحاطتها بسياج. وسيفتح المعمل باب الانتداب أمام العشرات للعمل في تجفيف المستنقع.. وستنتدب عائلة ك.. المختصّة في التوريد والتصدير عشرين عاملًا منكم كحمالين لإنزال بضائعها في نقاط بيعها المتعددة.. وسعيد سيكون أسعدكم بذلك، فهو في أصله حمّالًا.. “برباش” بين المزابل. وستحتاج عدّة معامل ومدارس ومشاريع مقاولات أخرى لانتداب ستّة عشر حارسًا ليليًّا.. وستحتاج.. وستحتاج .. و.. و..

ولم يكمل عبّاس كلامه، لأن مراد كان قد أفاق من عماه الوقتي وقذفه في وجهه بقارورة الماء التي في يده..

***

وشيع أهل المدينة المعتصمين بعيون مزغللة بالدموع وبنظرات طافحة بالمحبة، بعد أن بادلوهم قبلات وداع حارّة.. وبعد أن أكلت الهراوات من ظهورهم وأدمتهم ليوم بطوله، أركبوهم حافلات اكتروها خصّيصًا لهم لإعادتهم إلى بلداتهم وقراهم بعد أن أجزلوا لهم الوعد والتأكيد على تضامنهم المطلق مع قضيّتهم، وبأن ما حدث لن يتكرّر أبدًا، وأنه لا بؤس بعد اليوم، وأنه لا تفرقة بعد اليوم، ولا ألم بعد اليوم، وأنّ الوطن للجميع وبوسعه احتضان الجميع،.. فقط أمهلونا بعض الوقت.

_ عودوا إلى بلداتكم آمنين فقد فهمناكم.. وقضيتكم بين أيادي أمينة، وثقوا أنه لو عادت العقارب عدنا إليها بالنّعال…

نظرة مراد وهو محشور في الصندوق الخلفي لإحدى الشاحنات أشبهت نظرة فأر أدرك أخيرًا أنه وقع في المصيدة.. التفتَ إلى فاضل وتكلم مختنقًا:

_ كم التقينا من عقرب في أيّام اعتصامنا الستّة.. وعجزنا عن سحقها بالنّعال؟ وعندما لم يرد عليه فاضل، عاد ونابه تنغرس في لحمة شفته السفلى:

_ يا دهوتنا.. ويال فداحة سذاجتنا.. ستعود العقارب دون ريْب.. وفي القريب الأقرب ممّا نظن، ولن نجد لها نعالًا

لكنّ فاضل لم يكن يصغي ولم ينظر إليه. كانا قد خرجا من المدينة وشرعا يوغلان في القفار.. وبصر فاضل مسدّد تلقاء الخلاء المقفر الذي شرعت الشاحنة تشقه.

***

يتبع…

مقالات ذات صلة

  • فيديو | اعتصام “المعارضة النقابية”: فرصة “لإنقاذ الاتحاد” أم “تدميرٌ” له؟

    تقرير لإياد بن مبروك بمساهمة غسان بن خليفة يتواصل اعتصام "المعارضة النقابيّة" منذ يوم 25 جانفي الجاري في بطحاء محمد…

    الأخبار, عمّالية, هام

    اعتصام المعارضة النقابية
  • لماذا شجّعنا مصر؟ لأنّها مصر…

    لعبت مصر مباراتها الأخيرة ليلة أمس في كأس العالم لكرة القدم. لعبت بقتاليّة عالية وكانت قريبة من إخراج الأرجنتيني، بطل…

    افتتاحيّة, الموقف

    لماذا شجعنا مصر
  • لومومبا يخترق المونديال

    سُجّل الهدف، رُفع القميص الأحمر، كُتب عليه: "تعاطفًا مع غزّة"…لم تلقَ صورة أبو تريكة رواجًا على مواقع التواصل الاجتماعي، لأنّ…

    بلا حياد

    WhatsApp Image 2026 06 25 at 17.20.35
  • 100 يوم من الاعتقال: متى ينتهي هذا العار؟!

    مرّ أكثر من مائة يوم كاملة على اعتقال المناضلين القائمين على تنظيم أسطول الصمود. ومن المفارقات أننا نحيي كذلك هذه…

    افتتاحيّة

    100 يوم
  • غسان بوغديري يكتب من سجن المرناقية عن انتصار ايران والمصير المشترك للشعوب

    لقد تجاوزت المنطقة قواعد الاشتباك التقليدية وانتقلت في لحظة إقليمية شديدة الحساسية من مرحلة كسر الإرادة والضغط السياسي إلى إعادة…

    بلا حياد

    ChatGPT Image Jun 18, 2026, 11 42 30 PM