بعضُ “ما لَمْ يُقَلْ” عن ميّة الجريبي…

 

من أكثر الأشياء سوءًا، وكرهًا إليّ، هو انتظار رحيل انسان عزيز حتّى نكرّمه أو نكتب عن خصاله. وها إنّي اقترفت نفس الخطأ مع أحد أعزّ الناس على قلبي… إذ بدأتُ في كتابة هذا المقال منذ شهور، لكنّ الوقت والجهد لم يسعفاني لإنهائه…

قبل حواليْ ستّة أشهر اتّصلت بي قناة الحوار التونسي لأشارك في برنامج “ما لم يُقَلْ”، الذي خصّص إحدى حلقاته للحديث عن الراحلة العزيزة ميّة الجريبي. بعد تردّد قصير، اعتذرتُ عن المشاركة بعد أن أُخبرتُ بأنّ مداخلتي ستكون مسجّلة. وذلك تنفيذًا لقرار اتّخذته منذ سنوات بمقاطعة وسائل الاعلام اليميني المُهيْمن، طالما لم تكن مشاركتي على المباشر. وذلك لضمان عدم اختزال أقوالي أو التلاعب بمضمونها.  لكن هنالك كلامٌ كنت أودّ قوله يومها وأرى أنّه من واجبي قوله اليوم إكرامًا لهذه المرأة التي لن أوفيها فضلها عليّ مهما كتبتُ أو فعلْت…

ميّة رافعة شارة النصر أثناء تدافع مع العشرات من عناصر البوليس السياسي للخروج في مسيرة غير مرخّصة من أجل فلسطين في عهد بن علي. هذه من أكثر الصور التي تُجسّد شخصيّتها ومسارها.

ما أستطيع قوله عن ميّة لم يكن ليتسّع له وقت ذلك البرنامج ولا حتّى سطور هذا المقال… فلقد دامت رفقتنا النضاليّة منذ أكتوبر 2000، تاريخ انضمامي لحزب التجمّع الاشتراكي التقدّمي إلى أواخر جانفي 2011، تاريخ استقالتي من الحزب الديمقراطي التقدّمي. أكثرُ من عقد من الزمن، تتزاحمُ صور الذكريات واللحظات الجميلة والحزينة القادمة منه…

لا أكتبُ اليوم مفاخرةً بأنّي كنت ممّن نالهم شرفُ المشيْ بضع خطوات في نفس طريق الراحلة العظيمة. بل كيْ لا تبقى ذكراها فريسةً للتوظيف والتحريف، فتتحوّل، كما حُوِّل عظماء كثيرون قبلها، إلى أيقونة يحنطّها أعداؤها بعد افراغها من جوهرها الذي يناقض مصالحهم. أكتب عنها الآن، قبل أن يخطفها منّا نفاق الرثاء الرسمي والإعلامي وقبل أن يلُفّها النسيان. وذلك بأمل أن يستفيد الجيل الجديد من المناضلين الشباب ويستلهم من مسيرتها الناصعة. ولأنّه لكلّ مقامٍ مقالْ، سأضع هنا جانبًا تقييمي ونقدي السياسي لأدائها وبعض أفكارها، ولمواقف الحزب الجمهوري، وقبله التقدّمي، الذي كانت تقوده في السنوات الأخيرة…

 

أوّلُ ما يحضرني عن ميّة هو قدرتها اللامحدودة على العطاء. قدرةٌ لا تستمدّها من خصائصها الجسديّة أو امكانياتها الماديّة، بل من إرادتها الصلبة وصدقها واقتناعها الراسخ بعدالة ونُبل ما تناضل من أجله. إذ مثّلت بالنسبة للمناضل الشابّ الذي كُنتُه، قوّة دفع جبّارة ومصدر إعجاب يلامس الخجل أحيانًا. فهي لم تكن أبدًا من طينة أولئك القادة الحزبيّين الذين يصدرون الأوامر لغيرهم ويكتفون بالمراقبة والمحاسبة. بل كانت الأولى في تنفيذ المهام وتجشّم الصعاب. وكيف لي أن أنسى كيف كانت تجوب بسيّارتها الخضراء القديمة (التي كانت تغصّ بنسخ جريدة الموقف وبيانات الحزب ولافتات المظاهرات والخ) مختلف ولايات الجمهورية للقاء المناضلين وشدّ أزر المحتجّين من أبناء شعبنا. وأذكر في هذا الصدد أمرًا طريفا: كُلّفتُ ذات مرّة بكتابة نصّ ما (أعتقد أنّه كان لنشريّة ’الشراع’ التي أصدرناها في شباب الحزب وتكّفلت هيَ بتصميمها ونسخها)، واتّفقنا على أن تمرّ عليّ في الصباح الباكر لأخذه. ولمّا خرجتُ إليها، وكان الوقت فجرًا تقريبًا، قلتُ لها بمزاح يشوبه الجدّ “لم أكن أدري أن الشمس تطلع من هذا الاتّجاه!”، فأخذتها نوبة من الضحك ووبّختني بلطفٍ على كسَلي…

ولم تكن من أولئك الذين يُشعِرون رفاقهم الشباب بأنّهم “جهَلَة”، أو يقسون عليهم إن أخطأوا أو ارتبكوا أو أًحبطوا. بل كانت تصبر على حماقاتنا وتعاملنا بخلطة سحريّة من الحنان الحازم، فتعيد إلينا بسرعة الرغبة في التدارك ومواصلة البذل والعطاء. ورغم عنادها الشهير، لم تكن مستبدّة برأيها، بل كانت تناقشنا وتستمع الينا مطوّلاً، وتغيّر موقفها إن أقنعناها بعكسه.  وربّما من أكثر خصالها التي أثّرت فيّ تشجيعها الدائم لنا على الثبات والمثابرة. ففي عزّ الديكتاتورية النوفمبريّة، عندما كان يغزو نفوسنا شيء من التعب والإحباط، كانت تردّد علينا دائمًا شعارها الأثير، ذلك المثل الشعبيّ الذي اقترن في ذهني بها: “الدْوامْ يُنقُب الرْخَام!”.

 

ممّا أذكره لها أنّ التزامها تجاه رفاقها لم يكن سياسيا وتنظيميًا فقط، بل ذاتيًا كذلك. إذ طالما ساعَدَت ماديًا من كانوا بحاجة إلى العوْن. هذا دون الحديث عن مساعدتها لأبناء شعبها من المُفَقّرين، وهو أمر كنت أعلم عنه بضع شذرات من غيرها لشدّة تعفّفها… وقد أسندتني ماديًا بعض الوقت عندما اضطررتُ، إثر خلافٍ مع والدي بسبب فشلي فترة ما في التوفيق بين الالتزام السياسي والنجاح الدراسي، إلى مغادرة البيت العائلي وقبل أن أجد شغلاً بأحد مراكز المُهاتَفة…

 

وإن نسيتُ فلا يمكن أن أنسى موقفها خلال “فترة التيه” التي عشتها، عندما قرّرت التوقّف عن دراسة الحقوق وفكّرت في دراسة السينما قبل أن أُوَلِّيَ وجهي شطر الصحافة. إذ اتّصل بي “أحدهم” ذات صيف (2006 على الأرجح)، عندما كنت أبحث عن عمل وعن مال للترسيم في معهد خاصّ للسينما، ليعرض عليّ عقد عمل مع منظمّة “فريدم هاوس” الأمريكيّة (يوم كان مديرها في تونس محسن مرزوق). كان العرضُ مغريًا: أن أعمل طيلة شهرين مقابل ثلاث آلاف دينار. وكان المطلوب منّي أمرًا بسيطًا نسبيًا: إعداد قاعدة بيانات تضمّ أسماء من أعرف من الناشطين السياسيين والحقوقيين والنقابيين في تونس. استغربتُ من طبيعة العمل المطلوب وثارت شكوكي، فالتجأت لشبكة الأنترنات باحثًا عن حقيقة هذه المنظّمة، التي لم أسمع عنها قطُّ من قبل. وقبل اكتشافي، من خلال ما قرأتُ، لكونها إحدى الأذرع “المدنية” للمخابرات الأمريكيّة، توجّهت إلى ميّة أستشيرها في الأمر. فكان ردّها واضحًا قاطعًا: “لا تقبل هذا العرض، فهذه منظّمة مشبوهة على الأرجح.” وعرضت عليَّ المساعدة…

 

فالوطنيّة والالتزام القومي لدى ميّة لم يكونا مجرّد شعار، بل ممارسة يوميّة. وكان ذلك من أكثر خصالها تأثيرًا فيَّ. إذ لا أنسى مواقفها من العدوان الأمريكي على العراق، أو اشرافها على حملات التبرّع بالأدوية خلال الحصار الغربي الإجرامي ضدّه؛ أمّا عن فلسطين، وما أدراك ما فلسطين بالنسبة لميّة الجريبي، فحدّث ولا حرج  !لن أتحدّث عن مواقفها الواضحة والمعروفة حول مناهضة التطبيع ومسار أوسلو أو عن مساندتها للمقاومة المسلّحة. بل يكفي أن أذكر أنّه عندما كنّا نتجادل أحيانًا مع قيادة الحزب حول ضرورة تحدّي منع السلطة لنا من التظاهر، كانت دائمًا في صفّ من ينادون بالخروج للشارع، رغم قلّة العدد ومخاطر القمع البوليسي. بل، وكعادتها، كانت في أوّل الصفوف لتنال مثلنا نصيبها من هراوات البوليس الغاشم.

 

كانت امرأة منسجمة مع ذاتها ومع خطابها. لأنّها عروبيّة أصيلة، فقد كانت رغم اتقانها المُبهر للفرنسيّة تكره الحديث بلهجة الفرانكورآراب، وتُفضّل الكتابة والحديث بالعربيّة وتدافع عن مكانتها. كانت نسويّةً دون تسطيح، وتقدّمية متصالحة مع هويّة شعبها. كانت مؤمنة ومتديّنة بنَفَسٍ صوفيّ. أذكر مثلاً أنّها كانت تقلّل من نشاطها فقط خلال شهر رمضان، لتخصّص وقتًا أكبر للتعبّد وللعائلة. ورغم الانحراف اليميني للحزب الاّ أنّها لم تتنكّر يومًا لأصولها اليساريّة. وكعادتها كانت تُلزم نفسها، قبل غيرها، بما تدافع عنه من مبادئ. إذ علمتُ مؤخّرًا أنّها رفضت مرارًا وتكرارًا أن يتمّ علاجها في مصحّات خاصّة أو خارج البلاد. وكانت تردّ على مناشديها بأنّها تؤمن بكفاءة الأطبّاء التونسيين وبأنّها لا يمكن أن تقبل معاملة تمييزية عن بقيّة أبناء الشعب، لا سيَما وهيَ ترفع شعار الدفاع عن الصحّة العموميّة للجميع!

يطول الحديث عن خصال هذه المرأة القِدّيسَة فعلاً. ولعلّ من أبلغ ما قيلَ عنها أنّها “لم تُنجب أطفالاً، لكنّها ربّت الكثير منهم”. نعم، أفخَرُ أنّني كنت أحد هؤلاء الأطفال، الذين تربّوا على يديْها ويَبكُونها اليوم بحُرقة. فرغم تفرّق طُرقنا واختلاف وجهاتنا بعد انتفاضة 17 ديسمبر، نشهدُ لها جميعًا أنّها ربّتنا على قيَم الصدق ونكران الذات والنضال من أجل الفكرة لا المصلحة الذاتية، وعلى أنّ القيادة تعني قبل كلّ شيء أن تتواضع لرفاقك وأن تتقدّم صفوفهم للتضحية.

ميّة الجريبي كانت باختصار مدرسةً للنضال، فيَا ليتَ شبابَ اليوم يَحفظون ذكراها بالنَهلِ من خصالها ومبادئها.

 

 

 

أعجبك عملنا؟ يمكنك دعمنا وتعزيز استقلاليّتنا !

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *