ترجمة | تحالف اليسار البرتغالي يُبَيّن الطريق للتقدّميين

خاصّ – ترجمة – مروة الشريف

تُثبتُ تجربة الحكم البرتغالية الحاليّة بأنّ توحيد الأحزاب اليساريّة في شراكة استراتيجية ممكن، مُفنّدة بذلك الاعتقاد السائد بضرورة “التّوافق” و”الائتلاف” بين طرفَيْن سياسيّين مُتقابلين لتشكيل حكومة وقيادة دولة. كما تثبت هذه الشّراكة بأنّ الابتعاد عن سياسة التقشف ممكن وأنّ اتّباع سياسات تقدّمية يُفضي إلى نموّ اقتصادي.
قبل عامين من الآن، لم يخطر على بال الكثيرين بأنّ زعيم التحالف اليساري الحاكم أنطونيو كوستا سيقدّم حلولا واقعية ومُجدية لمشاكل مثل هجرة الأدمغة والحيف الاجتماعي وتعثر النمو الاقتصادي. تركت سياسة الترويكا (المفوضية الأوروبية، والمصرف المركزي الأوروبي، وصندوق النقد الدولي) المالية والاقتصادية آثارا عميقة، ويصعب معالجتها، في النسيج الاجتماعي والاقتصادي وكذلك السياسي للبلاد.

 

أنطونيو كوستا، زعيم الحزب الاشتراكي البرتغالي، ورئيس الوزراء الحالي الذي يقود تحالفا خاكمًا مع الحزب الشيوعي وكتلة اليسار. وهو بصدد تطبيق، بنجاح، ما وعد به الناخبين من انهاء “سياسة التقشّف”.

من “تجربة غريبة” إلى قصّة نجاح:

بعد أربع سنوات من سياسة التقشف الصّارمة المفروضة من الترويكا ومن حكومة المحافظين السابقة (2011 إلى 2015)، شهدت البرتغال تراجعا في النمو الاقتصادي لثلاث سنوات متتالية (فمن 1،9 كناتج قومي إجمالي سنة 2010 إلى -1،8 سنة 2011 و -4 سنة 2012 و-1،1 سنة 2013) وارتفاعا في نسبة البطالة (من 11،9 سنة 2010 إلى 16،5 سنة 2013)، علاوة على هجرة أكثر من 100.000 مواطن سنويا. وقد أدّت إجراءات الحكومة، المتمثلة في إلغاء قوانين العمل وخوصصة مؤسسات النقل العمومية والزيادة في الضرائب على الدّخل والاستهلاك الخاص والتخفيض في أجور موظفي القطاع العمومي وفي الاستحقاقات الاجتماعية ومنح التقاعد، إلى خلق إطار اجتماعي واقتصادي مكّن أطياف اليسار من جمع شتاتها وإيجاد أرضية مشتركة لقلب المعادلة وإيجاد مُعادلة تُوّفر حلاّ سياسيا مُستقرّا للبلاد.

ما اعتُبرت “تجربة غريبة” في نوفمبر 2015 أثبتت إلى حدّ الآن قدرتها على الصمود والبقاء موحدّة، خاصة فيما يتعلق بالمواضيع الاقتصادية؛ كما أظهرت وضوحا واتّساقا لجهة استراتيجيتها الاقتصادية والاجتماعيّة. يمثّل اليسار البرتغالي الآن قصّة نجاح حقيقية في الحوْكمة الرشيدة التقدمية بأوروبا، حيث تُكرّر سرديَّتا تراجع الديمقراطية الاجتماعية بالقارّة وحتمية التّقشف في اليوم ألف مرة.

كسبُ معركتيْ الثقة والاستقرار:

ينعتُ البرتغاليون هذا التحالف التاريخي وغير المسبوق بين كل أطياف اليسار البرتغالي بـ “Engenholca” وتعني باللغة البرتغالية الأداة غريبة الشكل. ويمثّل هذا التحالف أيضا دليلا على أنّ يسارا موحدّا قادرٌ على الإطاحة بالمحافظين وسياساتهم التقشفية كما أنّه قادر على وضع البلاد على سكّة النمو الاقتصادي والتشغيل ومعالجة أوجه اللامساواة.

إذ اتخذ حِلف أنطونيو كوستا إجراءات عكسية لإجراءات التقشف التي انتهجها سابقوه، فأعاد العمل بقوانين العمل وأوْلى الأهمّية للحقوق الاجتماعيّة وخفضّ في الضرائب… أيْ وباختصار التزم وأوفى بجُلّ وعوده الانتخابية: نموّ اقتصادي وانخفاض في نسبة البطالة ومزيد من المساواة لشعبه، وهو ما أكسبه دعما شعبيًا. سياسة كهذه تؤتي بثمرتين لصاحبها: أُسُس اجتماعية واقتصادية أفضل ودعم أكبر في صناديق الاقتراع؛ وهو لَعَمْري ما أثبتَته نتائج الانتخابات المحليّة الأخيرة: – http://expresso.sapo.pt/politica/o-novo-mapa-autarquico-de-portugal=f833155).

كما تُبرز الأرقام نجاح سياسة الاستثمار في التعليم ودعم الاندماج الاجتماعي ومرافقة محدودي الدخل:

تحقيق نمو اقتصادي مستمرّ بمعدّل سنوي قدره 2٪. وانخفاض كبير في معدل البطالة من 16.5٪ في 2013 (الذروة) إلى 8.9٪ في الربع الثاني من 2017. أخيرا، وليس آخرا، أدنى عجز عامّ – أقل من 2.1٪ من الناتج المحلي الإجمالي – وذلك منذ انتقال البرتغال إلى الديمقراطية في 1974. وجدير بالذكر هنا الامتثال التامّ البرتغال لالتزاماتها الماليّة حيال الاتحاد الأوروبي.

لا تنحصر نتائج سياسة الحكومة التقدمية في الاقتصاد والأرقام، بل تشمل كذلك التأثير إيجابيا في نظرة وعلاقة الرأي العام البرتغالي بالمؤسسات العموميّة وفي ارتفاع نسبة المشاركة في الانتخابات المحليّة الأخيرة. وهذه دلائل ملموسة على أنّ سياسة كهذه تساهم في مكافحة مشاعر الاستياء من المؤسسات الديمقراطية، والتي تغذي بدورها الشَعبويّة. وبالنظر لهذه النتائج وهذا النجاح ينبغي أن يلهم قرار أنطونيو كوستا، عدم التحالف مع أحزاب اليمين والوسط البرتغالية والمُضِيِّ قُدُمًا نحو تحالف ذو أجندة تقدميّة، ويُشجّع التقدّميين في مختلف أنحاء أوروبا.

ماهي الخطوة القادمة؟

عزّزت نتائج الانتخابات المحلّية في أكتوبر الماضي الحُجّة القائلة بأنّ ائتلافا يساريا ذو أجندة اجتماعيّة تقدميّة يمكن أن يكون وسيلة فعالة لدعم القيم الديمقراطية الاجتماعية مع حشد دعم انتخابي كبير. إذ لم يحقق الحزب الاشتراكي البرتغالي انتصارا ساحقا فحسب، بل حقّق أيضا أفضل نتيجة له على الإطلاق، فحصل الاشتراكيون على 165 بلدية من أصل 308 بلدية، وسيحكمون العاصمة، لشبونة، بالإضافة إلى 10 من أصل 17 مدينة ذات كثافة سكانية عالية.

تُفنّد خيارات حزب أنطونيو كوستا الداعمة للحوار المفتوح والبانية للجسور بين أطياف اليسار أسطورة “لا يوجد بديل آخر”. إذ تُبرز على أرض الواقع هذا البديل الآخر الذي جاء نتيجة لعمل جماعي دؤوب.

ورغم هذا الانتصار ما يزال هناك الكثير من العمل الذي يتعيّن القيام به في العاميْن المقبليْن. عزّز انتصار الاشتراكيين في الانتخابات المحلية قرار كوستا، لكن حملّه أيضا مسؤولية كبيرة لجهة تحقيق التوازن بين مصالح شركاء الائتلاف اليساريين، الذين لم يحقّقوا نتائج مثيرة للإعجاب. سيكون تركيز الناس خلال العامين القادمين على مدى قابلية هذه “الآلة الغريبة” على الاستمرار كمشروع سياسي يساري قادر على خوض الانتخابات التشريعية القادمة، في غضون عامين من الآن. إلّا أنّه بالرغم من تحريك الانتخابات الأخيرة للمياه الرّاكدة، وتغيير التوازنات داخل التحالف نفسه، ما تزال التوترات قائمة وستظل قائمة في أي نوع من أنواع التحالفات. لقد حمت براغماتية كوستا والتزامه الثابت بالحوار والتعاون مع مختلف مكونات الطيف اليساري من “نيران” حلفائه من أقصى اليسار؛ فإلى الآن لم تشهد البلاد صعود الأحزاب المتطرفة مثلما حصل في البلدان المتضرّرة من سياسة التقشف كإسبانيا وإيطاليا واليونان.

خلاصة القول هنا بأنّ وحدة اليسار في البرتغال تزيد من قوّة الحكومة، وهو بالتأكيد ما يُلهم وسيُلهم التقدميين على مستوى أوروبا. هذا علاوة على مثال الحوْكمة الاشتراكية الواعد الذي تضربه هذه التجربة من خلال تجديد الديمقراطية الاجتماعية لنفسها. ومن المرجّح كذلك بأنّ هذه الآلة الغريبة ستستمر في إيجاد حلول لشعبها على الأقل في المستقبل القريب.

 

المصدر الأصلي للمقال: https://progressivepost.eu/portugals-left-wing-coalition-shows-way-forward-progressives/

 

أعجبك عملنا؟ يمكنك دعمنا وتعزيز استقلاليّتنا !

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *