كراس شروط للإحتجاج، حتى لا تغضب السلطة

 

بقلم : محمد علي بوعلاڨ

مدوّن وروائي.
خاصل على الماجيستير في البرمجيات الحرّة.

حركات شبابية بتصور أفقي تتشكل وتنتفض في تونس، سالكة طريقا يطمس كل التعبيرات التي تتعارض مع مقاييس السلطة في الاحتجاج. «فاش نستناو» أحد تمظهرات الاحتجاج المواطني خارج الصناديق الحزبية التي أثبتت فشلا في إدارة الشارع. تحاول الحركة تنسيق خبرات نشطاء ما قبل 14 جانفي بأحلام شباب نشأ في ظل الحرية. تنسيق واعٍ يضع تعليق ميزانية الدولة لسنة 2018 هدفا معلنا، بعد أن فشلت المعارضة البرلمانية الموصوفة بالقلّة العددية في فرض خيارات تخدم الطبقات السُفلى. تأتي كلّ هذه الحركات في الوقت الذي ينتهج فيه حزبي الحكم (نداء تونس وحركة النهضة) منوالا اقتصاديا نيوليبراليا، سيَفتك بكل مقدرات الاقتصاد الوطني ذو القدرة التنافسية الضعيفة.

اختارت حركة «فاش نستناو» اسقاط الميزانية عن طريق الاحتجاج هدفا لها. الاحتجاج الذي استلهم من مجموعات كرة القدم «ULTRAS» أهازيجها وأسلوب الكتابة على الجدران، ثم توزيع بيانات تتضمن نقاط تمس كل الشرائح المجتمعية. هذه التمثلات الاحتجاجية المستلهمة في جزء منها من حركة “مانيش مسامح”، والمضاف لها تصورات أخرى، أقلقت السلطة التي تضبط الاحتجاج وفق كراس شروط موضوع مسبقا. هذه الشروط خرج عليها نشطاء “فاش نستناو” يوم 14 جانفي المنقضي بشكل يعتبر سابقة في تونس من خلال مشاركة المهرّجين في الاحتجاج. هل رأيت مهرّجا غاضبا لا يضحك؟ صورة درامية متناقضة أنتجتها كيمياء جانفي الثائر وسجون نظام يحاول أن يكون ديمقراطيا ويفشل في الاختبار.

يجرّم النظام الاحتجاجات الليلية ويدسّ المخرّبين، يستغلُ جوع البعض لخلق انفلات إجرامي ثمّ يبادر بشن هجمة الإيقافات العشوائية التي شملت أبناء الحملة وعديد الشبان المتظاهرين في الأحياء الشعبية وحتى من كان مارا بالصدفة من مكان المواجهات. أما الإيقافات النوعية فهي رهان فاشل لأن مثل هذه الحركات لا ترتبط بذوات وحتى لا نبالغ في المثالية لا ترتبط بمجموعة صغيرة في قيادتها. من وجهة نظر السلطة الليل يعني التخريب وهو نفس الليل الذي أسقط منظومة الديكتاتورية. نفسه ليل باردو الذي أسقط ترويكا الاغتيالين. الشيزوفرانيا وحدها تحكم ردود أفعال الحكومة في تجريم الليل.

أي اعتبار الاحتجاجات الليلية تخريبا يستنكره الحاكم والمعارض خطر على مستوى القطع مع الاحتجاج الليلي، استنادا على تصور الليل سباة في شكل غير مباشر لاستحضار التعبيرة الدينية للتعامل مع الاحتجاج (ففي فرنسا احتل المحتجون الساحات العامة ليلا في إطار حركة الوقوف الليلي “nuit debout » المحتجة على قانون العمل انطلاقا من 3 1 مارس 2016 و لم يُجرّم المحتجون ) يوصف الليل في سوسيولوجيا الشعوب موطنا للتفرد وإثبات الجدارة . اذ يفخر العرب قديما بخوض غمار الليل كدليل على الفروسية ومجال حركة الشجعان. و ما قول المتنبي الا أحد تمظهراته “الخيل و الليل و البيداء تعرفني ” فهي مقولة احتفالية بخوض غمار الليل لها وقعها على تاريخ العرب. ولازالت العرب تحتفل وتجتمع ليلا للتعبير عن الفرح. هنا يطل ليل الهامش بوصفه مرتعا لاستحضار بطولات الماضي، ويحاكي الهامشي صولة الظلام لتأبط شرا، وينفلت من معيارية السلمية التي تُنافي الفعل الثوري جذريا. لابد من الإفلات من خطاب السلطة الموجّه لقتل أشكال الاحتجاج المقلقة عن طريق الاتفاق علنا أن الثورة احتفال دموي وجب خوضه ليلا نهارا، وإلا تحوّل إلى كذبة ليبرالية. ليعلم الجميع أن الدراويش في ليالي الظلام يلتقون مع الرب من خلال طقوسية تجتاح الظلام والثوار هم دراويش بعقلانية مفرطة في الرومنسية.

أما الاعتراف بمشروعية الاحتجاج وأن الدولة تحمي المحتج سلميا فهي جملة شجرية قد تتحول خشبا ذات يوم. مشروعية الاحتجاج مصدرها ميزانية الترفيع في أسعار المواد الأساسية بشكل لا مباشر، عن طريق الترفيع في الأداء على القيمة المضافة بنقطة على مستوياتها الثلاثة. أي أن الترفيع سيشمل الخدمات، وحتى الأدوية لن تجدها في مؤسسات الصحة العمومية لأن اللوبيات تسيطر على هذا القطاع. والمثال في هذا السياق قريب ومفزع إذ أنه وفي ظرف أقل من شهر تم التفطن لسرقات بمليار وتسعمائة مليون دينار في المستشفى الجهوي بسليانة وفي نفس المؤسسة تم الإيقاع بممرض يحوز أدوية وأدوات طبية قيمتها 60 ألف دينار.

أما جذور ميزانية الدولة لسنة 2018 فتعود لاتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي المزمع الخوض في تفاصيلها قريبا، باعتبار أن المغرب عوّم الدرهم وأطلق عنان التفاوض في نفس الاتفاقية. إذن يأتي إعداد ميزانية الدولة لسنة 2018 خاضعا لشروط الخطوات المزمع اتخاذها ضمن مسار اتفاقية الشراكة الشاملة والمعمقة بين تونس والاتحاد الأوروبي (َALECA)، هذه الاتفاقية تهدف لتحرير السوق -وبالتالي رفع الدعم على المواد الاساسية-ثم تحرير العملة ليصبحا خاضعين لمنطق العرض والطلب. كذلك تمت أقلمة القوانين مع المواصفات الأوروبية لتسهيل الولوج من وإلى السوق الأوروبية والتونسية. ثم إن صندوق النقد الدولي يربط منحه للقروض بتطبيق إصلاحات هيكلية تحد من مستوى تدخل الدولة في قطاعات استراتيجية كالصحة والتعليم، على غرار ما فُرِض قبل تسليم القسط الثالث من القرض الرقاعي بعنوان 2017. أما رسالة النوايا المسربة عن يوسف الشاهد والشاذلي العياري فتتنزل في سياقات الخوصصة التي تفترض دخول شركات غربية في المنافسة المحلية في كل المجالات. الشركة الوطنية للكهرباء والغاز يتم خوصصتها أو جزء منها وبالتالي يُحوّر القانون الذي يمتعها باحتكار الخدمة لفسح المجال لشركات اوروبية. كذلك تونس الجوية التي تتمتع بدعم من الدولة ثم ديوان الحبوب الذي يحتكر خدمة التجميع وأخيرا ديوان التبغ والوقيد، هذه القطاعات يجري خوصصتها رغم أنها تعتبر مربحة، مثلا “الستاغ” تحتل المرتبة 74 إفريقيا وتضخ ما يقارب الـ 1000 مليار في ميزانية الدولة، علاوة على اليد العاملة التي تبلغ 12000 بالستاغ و3000 بديوان التبغ. أما الديوان الوطني للحبوب فيحقق رقم معاملات يصل 1200 مليار دينار. هذه الاتفاقيات تبرمها السلطة دون دراسة تأثيرها على الإقتصاد الوطني، ولو راقبنا عمالقة العالم اقتصاديا ومفاوضاتهم لأدركنا معنى حماية الاقتصاد الوطني. في إطار اتفاقية الشراكة البي أطلسية في مجال التجارة و الاستثمار (TAFTA) المزمع إرسائها الولايات المتحدة بدخل وطني خام يتجاوز 18 بليون دولار و الاتحاد الأوروبي بدخل وطني يتجاوز 16 بليون دولار أي ما يوازي 45 % من الدخل العالمي الخام حيث تمثل هذه الاتفاقية الأهم بين نظيراتها في التاريخ البشري، هنا يستشعر كلا الطرفين الأخطار على مؤسساته ويضع قوانين تحميها، أي أن أمريكا أم الرأسماليين تحمي مؤسساتها عن طريق إعطاء الأولية في الصفقات العمومية لها. كذلك اتفاقية (CETA) بين كندا والاتحاد الأوروبي التي دامت 9 سنوات وأوقفتها مقاطعة ويلان في بلجيكا التي تعد 3 مليون نسمة، لأنها تضرّ بفلاحيها. هذا الإيقاف سرعان ما تم تلافيه بضمانات.

لازال عدد كبير من نشطاء “فاش نستناو ” في السجون وآخرون ينتظرون محاكماتهم في حالة سراح والتهم: الاحتجاج الليلي وتكوين وفاق …، والسجن مُجاز حين تطرد تلميذة من جميع المعاهد في سيدي علي بن عون بعد احتجاجها مع الجميع على إعلان الرئيس الأمريكي ترامب القدس عاصمة للكيان الصهيوني، هذه الفتاة هي التلميذة ملكة بن جدو الناشطة في حملة “فاش نستناو”. حين يشتبك الوعي الطبقي ويأخذ بعده التحرري الكوني وينتج مطرودين من المدارس. في الكاف أيضا صدر في حق التلميذ عادل المولهي حكم ابتدائي بالسجن لمدة سنة و3 أشهر بسبب نشاطاته في حملة فاش نستناو عن طريق الكتابة على الجدران. هناك إيقافات في شأن تلاميذ دون الثامنة عشرة في جهات مختلفة مثل المهدية والكاف ومنوبة. سلطة تسجن الأطفال فماذا بعد؟

أخيرا شهدت الاحتجاجات قتل كهل في طبربة (منوبة) وتؤكد جلّ الشهادات أنه لقي حتفه دهسا بسيارة أمنية. الموت من الجوع هو جدلية تتحقق عكسيا مثلما يقول ناشط متهكم. ستتحقق أحلامي بأن يجوع الجميع في بلدي. فهل تتطلب الحرية كراس شروط للاحتجاج؟

 

أعجبك عملنا؟ يمكنك دعمنا وتعزيز استقلاليّتنا !

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *