رأيْ | لماذا باعت الدولة شركة “ستيپ” بثمن بخس؟

خاصّ – رأي – اقتصاد – وليد الحسني


هل احتُرم قانون المالية وبورصة الأوراق المالية في هذه القضية؟

ماهو الحلّ ولماذا يجب علي الدولة أن تتّخذ قرارات حاسمة؟

                                               من احتجاجات عمّال شركة ستيپ في 2016

من الصعب في هذا الوقت الذي يعترف فيه المعتوه العنصري ترامب بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني، تغيير البوصلة نحو القضايا الاجتماعية في تونس. إلاّ أنّنا نؤمن ايمانًا عميقا بأنّ تحرّر الشعوب من هيمنة رأس المال هو الخطوة الأولي من أجل تقرير مصيرها.

هل فعلا كانت الشركة التونسية لصناعة الاطارات المطاطية (الستيپ) في حالة يُرثى لها قبل بيعها لـ”أفريكا هولدينڨ”؟

يروّج عدد من “الخبراء”، دون علم أو دراية، أنّ الدولة تخلّصت، ببيعها الستيپ من “شركة لم يعد يرجى منها شيء”. وهذه اكبر كذبة تندرج ضمن دعاية النيوليبرالين الذي باعوا هذه الشركة الوطنيّة بأخس الأثمان.

وبما أنّ هؤلاء يدّعون دومًا أنّهم لا يعترفون إلّا بالأرقام والوقائع، فلنفنّد مزاعمهم بنفس ما يدّعون. فماذا تقول الأرقام؟

عندما بٍيعَت الشركة (فرّطت الدولة في حصّتها الأغلبية في رأس المال في أوت 2016) كانت مداخيلها تغطّي كل مصاريفها، بما في ذلك انخفاض قيمة الاَلات. كانت النتيجة الاقتصادية لستيپ وقتئذ 433 6 ألف دينار. بمعنى آخر كانت مداخيل ستيپ تغطي كل مصاريفها الاقتصادية ويتبقّى 6433 ألف دينار فائض. لكن بفعل فاعل و لأمور يطول شرحها، كان على الشركة ديْن كبير من البنوك العمومية، عليه فائض بـ 12000 ألف دينار، و هنا لُبّ المشكل. فعوَض أن تخفّض الدولة من ديون ستيپ أو تعيد جدولة قروضها، حتّى تتعافى، قررت بيعها بأبخس الاثمان.

في جميع دول العالم، عندما تكون النتيجة الاقتصادية للشركة إيجابية تقوم المحاكم التجارية بحمايتها من جشع البنوك ( مثلا، قام بذلك باراك أوباما لحماية شركتيْ فورد و جنرال موتورز). إلاّ في تونس، نجد الدولة تترك شركة عمومية فريسة للبنوك تنهشها وترديها في حالٍ شبه ميؤوس منه.

في جميع الدول، عندما تكون نتائج الشركة إيجابية تقوم الدولة بحمايتها من جشع البنوك الاّ في تونس.
إذ تضطرّ ستيپ كل سنة إلى أن تقترض من نفس البنوك لدفع فائض القروض القديمة. و طبعا في السنة الموالية تقترض مجدّدا لتدفع فائض القروض السابقة والجديدة وهكذا دواليك … وبهذه الكيفيّة دخلت ستيپ في دوّامة الاقتراض وأصبحت عاجزة ماليا رغم أنّها كانت متعافية اقتصاديًا.

اذًا لم تكن مشكلة ستيپ في الطلب أو في الانتاج، بل كانت في فائض القرض البنكي. الآن، كيف استولت شركة “أفريكا هولدينڨ” على ستيپ وكيف خرّبتها؟  سنتجنبّ ذكر الأسماء، لا خوفًا من هاته الشرذمة المشبوهة، وانّما فقط كي لا تُمسيَ القضية قضية أشخاص وننسى لُبّ الموضوع.

بعد اتّفاقها مع السياسيين المتحكّمين في الوطن، عرضت “أفريكا هولدينڨ” سعرها للاستحواذ على ستيپ (offre publique d’achat).  السعر المعروض كان سعر الأسهم في البورصة (لن ندخل في متاهات المناقصة فهي لم تحترم أبجديات قانون بورصة الأوراق المالية). استحوذت الشركة على ستيپ بسعرٍ يُقدَّر بأقلّ من ربع قيمة مقرّ الشركة العموميّة بالعاصمة!

طبعًا، رئاسة الحكومة ووزارة المالية هما من أمرا البنوك العمومية ببيع أسهمها لـ”أفريكا هولدينڨ”. وهذا يدفعنا إلى طرح بعض الأسئلة البديهيّة:

  • هل أعلنت الأخيرة عن مخطّطها الصناعي أو نشرته للعموم؟ لا !
  • هل كان لها  أصلاً مخطّط صناعي واقتصادي ؟ لا !
  • ماهي قيمة الأموال التي تعهّد أصحاب “أفريكا هولدينڨ” بضخّها في ستيپ ؟! لا نعرف شيئًا عن الأمر ! بل يبدو أنّه لم يكن هناك ملفٌّ تجاري واقتصادي أصلاً. تقول بعض المصادر أنّه تعهّد بضخّ 40000 ألف دينار في الشركة. وعليه نسأل: أين هو هذا التعهّد؟ و لماذا لا تطالب الدولة بتطبيقه؟بعد سيطرتها على ستيپ، قامت الشركة “القابضة” بتعيين نائبة من نداء تونس، أشكّ في قدرتها على فكّ حسابات عطّار في مجلس إدارة الشركة (لا حاجة للمزيد من التعليق). في جميع دول العالم عندما تستحوذ شركة على أخرى في البورصة، تقدّم ملفًا ضخمًا تبيّن فيه مشروعها الاقتصادي والمالي. يُعدُّ هذا من أبجديات قانون بورصة الأوراق المالية. بالمقابل، ماذا فعلت افريكا هولدنق بستيپ؟
  • أوّلًا، تخريب الشركة اجتماعيا: إستفزاز العمّال كي يعزفوا عن العمل؛ عدم دفع أجورهم، ومن ثمّة الطرد التعسفي لعدد منهم.
  • ثانيًا، تخريب المؤسسة اقتصاديا:  تمّ شطر مداخيل الشركة. فبعد أن كانت النتيجة الاقتصادية للشركة 6433 الف دينار صارت سلبية بقيمة 24735- ألف دينار. و طبعا لم تدفع الشركة أجور العمّال ولا فائض القروض البنكيّة المتخلّدة بالذمّة.إنجرّ عن هذا طبعا تشريد سبعمائة عائلة في مساكن وتشريد مائتيْ عائلة في منزل بورڨيبة. وغدَا السيّد صاحب الشركة يتصرّف وكأنّه لا توجد قوانين ودون أدنى احترام لا لهيبة الدولة ولا لسياسيّيها.الآن، قد يسأل سائل: ماهو الحلّ؟يبدأ الحلّ بتطبيق القانون، لأنّنا نؤمن بدولة القانون و علويّته. أوّلًا يجب أن تأمر الدولة البنوك العمومية بمطالبة “أفريكا هولدينڨ” بدفع ديونها. و بما أنّ الأخيرة لا تستطيع أن تدفع، بل وتريد من الدولة ان تُسقط عنها ديونها (يعني تشتري المصنع بثمن بخس ثمّ تريد من الدولة أن تتكفّل بديونها !)، يمكن أن تلتجأ الدولة إلى المحكمة التجارية ويقع إعلان افلاس الشركة. ومن ثمّة تعميمها بالدينار الرمزي.إثر ذلك، يبقى أمام الدولة أحد خيارين: إمّا أن تُسقط بعض الديون عن  ستيپ وتعيد بناءها ورسكلتها (ولدبها حلول ممكنة لذلك، يطول شرحها في هذا المقال)، أو أن تبحث في أسوأ الأحوال عن شراكة مع رأس مال خاصّ تونسي، أو حتّى أجنبي، تكون له قدرة ورغبة فعليّة في انقاذ وإدارة شركة في أهمّية ستيپ.في كلّ الأحوال، يجب على الدولة أن تتحرّك سريعًا قبل وقوع كارثة إنسانية. الحلول الاقتصادية موجودة و عمّال ستيپ مستعدّون لإنقاذ شركتهم، اذا رأوا برنامجًا جدّيًا ورأس مال جادٍ في العمل على انقاذها.

    ملاحظة: لم أعرّج بكلمة عن الاتحاد العامّ التونسي للشغل، لاقتناعي بأنّه في هذه القضية بالذات هو جزء من المشكل و ليس جزءًا من الحلّ. إذ ميّع القضية وامتصّ غضب العمال في وقت كان فيه غضبهم هو السبيل الوحيد لقلب ميزان القوى وكيْ تتحرك الدولة. خاصّة وأنّ الوزير زياد العذاري، المشرف على الملفّ وقتها، كان متعاطفًا مع القضية ومع استرجاع الدولة للشركة.

    يطول الحديث في هذه القضية. وقد حاولنا الإيجاز والتبسيط قدر المستطاع. خلاصة القول: يجدر التأكيد على أنّ الدولة لن تحرّك ساكنًا طالما لم تنخرط مدينتيْ مساكن ومنزل بورڨيبة بأسرهما، في تحرّك شعبي سلمي للدفاع عن هذه القضية الوطنية بالأساس. لا بدّ من تعديل موازين القوى.

    أختم بهذه الخاطرة المؤسفة: التقيت مؤخّرًا صديقًا فرنسيًا يعمل خبيرًا ببنك عالمي. وضعت أمامه حسابات وأوراق ستيپ. ورغم كونه رأسمالي يميني صرف، أجابني بأنّ “الدولة التي رضيت بهذا الخراب يحكمها اللاقانون وأنّه لا يمكن لدولة أن تتقدم بلا قانون”. أوجعني هذا الكلام كتونسي، لكنّي مدرك أنّ هذا الصديق نطق حقًا.

    (*): خبير اقتصادي/ مقيم بفرنسا

أعجبك عملنا؟ يمكنك دعمنا وتعزيز استقلاليّتنا !

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *