من أجل استعادة خيال 17 ديسمبر

16/12/2025
WhatsApp Image 2025 12 16 at 13.27.45

مع حرب التحرير الوطنية أو مع العملاء والخونة؟ مع الحربعلىالفساد أم ضدّها؟مع الانتقال الديمقراطي المغشوش والمُخترَق أم مع التنكيل بكل من عاش وساهم في «عشرية الخراب» تحت أي عنوان كان وبأي طريقة كانت؟مع نظافة اليد أم مع التآمر في الغرف المظلمة؟مع الخير أم مع الشر؟مع الحق أم مع الباطل؟
إلخ إلخ من كل هذا اللغو والترّهات. هذا الخطاب المُجتَرّ والمتكرّر، الصادر عن أبواق السلطة السياسية ووسائل الإعلام التي احترفت «التطبيل» والتدجين مهنةً من جديد، لم يضرب الأحزاب والمنظمات الجماهيرية والمجموعات السياسية فحسب، بل ضرَب السياسة كفكرة، وكخيالٍ خصب يُفجّر منطق الثنائيات، ويبحث عن الممكنات والمجالات المفتوحة، ويحاول الإجابة عن حالة المركّب والمعقّد.

ومن المفارقة أنّ كلّ هذا الخطاب تقريبًا يُبنى ويتغذّى من تاريخ 17 ديسمبر، ومن دماء شهدائه، ومن تضحيات أبنائه وبناته. كلّ هذه الثنائيات تُبنى على صرخة وجودية ضدّ حياة لم تتوفّر شروطها الدُنيا ، ومن أجل مستقبلِ لم تُكتب قواعده بشكل مُسبق، وتتغذّى من حدث فلسفي خلق «حقيقة جديدة» غير تقليدية.

بعد 15 عامًا من اندلاع الانتفاضة؟

لم يظهر هذا المنطق الثنائي المبتور مع 25 جويلية أو مع السلطة السياسية القائمة حاليًا، بل هو نتاج الخمسة عشر عامًا الأخيرة. فقد استعاد النظام عافيته، وأعاد تركيز أجهزته وبُناه وتوازناته، توازيًا مع انشغالنا، أو إشغالنا، بـ«الصراع الهووي» في أول دستور للانتقال الديمقراطي، وبعد ذلك في الاختيار بين السيّئ والأسوأ، والذي كان في حقيقة الأمر اختيارًا بين السيّئ والسيّئ، أي بين نداء تونس وحركة النهضة، وفي «التصويت المُفيد»، وحتى في معارك جانبية يُعنَى بها اليساريّون من قبيل الثوريين والإصلاحيين. ولا أتحدث هنا عن خلافات نظرية أو سياسية بقدر ما أتحدث عن طريقة توجيه الطاقات وترتيب الأولويات آنذاك. وتواصل هذا المنطق في لحظة 2019 مع اعتلاء قيس سعيّد سدّة الحكم.

ولكن، في كلّ هذه الفترات، لم يكتسح هذا المنطق كامل المساحة السياسية وكلّ الفعل السياسي، كما نراه الآن، وبهذه الشاكلة على الأقل. هذه التضادات الثنائية ليست محايدة بالتأكيد، وهي تتخذ الشكل الهرمي الذي يعكس هيمنة أحد أطرافها وتفوّقه على الآخر، بل وأفضلية أخلاقية لصاحب أحدهما على الآخر، دون النظر في التناقضات الكامنة داخلهما وبينهما، ودون تمعّن في المسارات المتداخلة والنسيج المعقّد المخترِق لكليهما.

سيتّهمني «الوطنيون الجُدد» بالانحياز لعشرية الخراب، بالتأكيد. لكنّ القصد هو أنّ الجماهير وعموم الناس لم تبلغ هذه الدرجة من الإحباط التي بلغتها اليوم، فكان حينها لا يزال متّسعًا لحلم 17، ولامتداد 17، ولمسار 17. ذلك كلّ ما في الأمر.

ولو لم يكن الأمر كذلك، لما اتّسع مجالنا اللغوي كمًّا من الشتيمة السياسية، ولما تقلّص كيفًا ليقتصر على لفظَيْ «العميل» و«الخائن»، اللذيْن لم يتردّدا كثيرًا في وقت سابق، باستثناء سياقات توصيفاتنا للنظام السياسي ذاته.
حتى أشدّ المطبّلين للسلطة السياسية القائمة مجرّد محبَطين، يلتحفون رداء الانتفاضة الديسمبرية دون أن يحلموا أحلامها، ودون أن يتسلّحوا بخيالها. نعم، هم مجرّد محبَطين لا غير، قد يقودهم إحباطهم إلى النقيض من هذه الشعارات؛ إلى مواقع الوشاة الشامتين، وإلى درجات أعلى من سلّم التسلّق، أو محاولة التسلّق.

شغل… حرية… كرامة وطنية: روح الانتفاضة المفقودة

لم تكن التعبيرة السياسية السابقة التي حكمت ما بعد الانتفاضة مباشرة لتقدِر على تغطية العجز الاقتصادي والاجتماعي عبر تصدير هذه الثنائيات المقيتة لوحدها، ولم يكن الجمهور الواسع ليُصدّق أن كل هذا الفشل مردّه الخونة والعملاء. وأقصى ما كان يُمكن تصديقه حينها هو أن الاتحاد وإضراباته تهدف إلى زعزعة حكم الإسلاميين أو تعطيل عجلة الاستثمار الخارجي. أمّا الآن، وبعد 15 عامًا من تلاشي الشعار التاريخي للانتفاضة وخيبات الأمل المتكرّرة، فيتم اختزال هذا الاختناق الاجتماعي على المستوى الاقتصادي وعلى مستوى الحريات السياسية عامة، في الفساد والخونة والعملاء والمتآمرين المعادين لانتفاضة شعبنا المغدورة.

يا لهذا العار في تغطية الإفلاس الاقتصادي والاجتماعي، ويا لهذا الخوف من مجابهة المُعقّد بإنتاج اختزالية لا تمتّ للسياسة بصلة؛ اختزالية تُوجِّه الذهنية العامة، وتصرفها عن الممكن، وعن المتخيّل، وعن المشروع، وعن مصلحة الطبقة…فلنعد إلى شعار الانتفاضة، أو إلى روحها التي اكتسبتها بفعل الحركة والانتشار: شغل، حرية، كرامة وطنية. فالشعار يكون عادة تكثيفًا للجملة السياسية، أو للبرنامج السياسي بصورة أدق، تكثيفًا يُسهّل تبنّيه عند أوسع فئة من الجمهور. وإن لم يكن لحركة 17 ديسمبر برنامج سياسي صاغه حزب ثوري أو جهة سياسية بعينها، فإن الطابع العفوي أيضًا، حين يلتحم بتجاربنا التاريخية (من انتفاضة الخبزة وصولًا إلى انتفاضة الحوض المنجمي)، يمكن أن يُحسن ابتداع الشعار وصياغته واختياره دون غيره. فشعار الانتفاضة كان شعارًا عامًا عابرًا لمطلب اقتصادي تقني أو لحرية الكلمة. لقد جاء في شكل صرخة وجودية قد تُكثّف مشاغل الإنسان المُضطهَد عامة، لا التونسي فحسب. فالحرية، كأساس جوهري يسبق التشريعات البالية التي تتغنّى به، والكرامة الوطنية التي تقطع مع التبعية الاقتصادية، قبل السياسية، بحدّ السيف، لا يمكن تحت أي ظرف أن تُترجم بحزمة من الشعارات التي تُقسّم إلى الضدّ أو المع…

والإصرار على الثنائية في هذا السياق، كأداة للحكم لا كشكل خطابي، ليس مجرّد انحراف لغوي عن شعار الانتفاضة، بل هو مؤشّر لانهيار سياسي عميق يلقى صداه في المسائل الرمزية السطحية. وهذه الرمزيات بدورها تلقى اليوم رواجها، بما أن حالة الإحباط الجماعية لم تُترجم بعد إلى فعل جماعي أو إلى مشروع سياسي يستعيد صوابه وخياله.

هكذا، فالأمر لا يتعلّق بخلق «خط ثالث» أو بتجنّب «الاستقطاب الثنائي» – وهي العبارة المتكرّرة طيلة سنوات – ولا بالنزوع نحو الطهورية اللافاعلة والاكتفاء بالتفرّج، بل يكمن في إعادة التفكير في اتساع شعار 17 ديسمبر الخلّاق وإمكاناته اللانهائية من الفعل السياسي. الأمر يتعلّق بألّا نحشر أنفسنا في المكان الذي يُراد لنا أن نُحشر فيه. نحن بحاجة إلى مشروع لغوي يكسر هذا الصنم، وإلى مشروع سياسي يُناضل من أجل الحريات عامة، ومن أجل كرامة وسيادة وطنيّتَيْن تربطان مصيرنا بما يجري في الوطن، وفي المنطقة، وفي الإقليم. بل أكثر من ذلك، نحن في حاجة إلى الثقة في أحلامنا من جديد، وإلى حالة عاطفية تُشبه تلك التي عاشها شعبنا ذات 17 ديسمبر وذات 14 جانفي، وذات مسار ثوري يفتح لنا خطًا ثالثًا ورابعًا وعاشرًا… يكون فيها حلفاء سياسيون يؤمنون بما نؤمن، وحليف دائم يُدافع عنا قبل أن ندافع عنه: هم الرازخون تحت هذا الاضطهاد الطبقي والسياسي واللغوي أيضًا. غير ذلك، ما فائدة التاريخ إن لم يحمل في طيّاته المعنى السياسي، والشحنة الإيديولوجية، وشعاراته السياقية؟

مقالات ذات صلة

  • فيديو | اعتصام “المعارضة النقابية”: فرصة “لإنقاذ الاتحاد” أم “تدميرٌ” له؟

    تقرير لإياد بن مبروك بمساهمة غسان بن خليفة يتواصل اعتصام "المعارضة النقابيّة" منذ يوم 25 جانفي الجاري في بطحاء محمد…

    الأخبار, عمّالية, هام

    اعتصام المعارضة النقابية
  • سلسلة «العدوان الأمريكي على فنزويلا: مدخل لفهم التجربة البوليفارية» – ج1 – مقدّمة: الظرف الراهن في فنزويلا

    هذا النص تمهيد لسلسلة تضم خمس مقالات تتناول الإعلام والسياسة والاقتصاد والكوميونات والنهج التشافيزي في فنزويلا. إن ما ستعالجه مقالات…

    بلا حياد

    WhatsApp Image 2026 01 11 at 15.13.13
  • واقع بلا أحلام: صراع البقاء في حي علي باي

    طريق حفوز.. هذا الحي مترامي الأطراف الذي أُقيم على الطرف  الغربي  لمدينة القيروان، بعد أن اختنقت هذه بساكنيها، ولفظ الريف…

    بلا حياد

    WhatsApp Image 2026 01 08 at 19.15.47
  •                  النظام العالمي الجديد و عقيدة دونرو             

    افتتح رئيس الامبريالية الأمريكية السنة الجديدة بعمليّة عَنجُهية خاطفة ضدّ دولة فنزويلا من خلال اختطاف هوليوديّ للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو…

    افتتاحيّة

    WhatsApp Image 2026 01 07 at 17.49.20
  • ماذا  يعني مشروع ’إلماد‘ ؟ : طاقة خضراء لأوروبا وتبعيّة لتونس

    هل يمكن أن تلتقي الطاقة النظيفة والخضراء مع نظام طاقي إقليمي مرن أم هو مجرّد "تجميل أخضر"؟عندما ننظر عن قرب…

    اقتصاد سياسي

    WhatsApp Image 2025 12 17 at 15.24.26