مرّ أكثر من مائة يوم كاملة على اعتقال المناضلين القائمين على تنظيم أسطول الصمود. ومن المفارقات أننا نحيي كذلك هذه الأيّام الذكرى الأولى لقافلة الصّمود المُنظَّمة من نفس المناضلين المعتقلين تقريبا، والتي مثّلت لحظة مُشرقة في تاريخ بلادنا العربيّة عامّة وفي تاريخ تونس خاصّة، أين التحم الفعل السياسي بجمهوره وبقاعدته الشعبية، وأين كُرّس شعار “بوصلة لا تُشير إلى فلسطين هي بوصلة مشبوهة” على أرض الواقع.
عام واحد كان كفيلا بأن تُحوّل السلطة قيادة الحراك المُساند لفلسطين في تونس إلى مجموعة من “المتحيّلين” ومن “المارقين عن القانون”. فلم تكتف بالعقوبة السجنيّة في حقّهم، بل أنّها “شرعنت” اغتيالهم الرّمزي وسكتت عن الصفحات المشبوهة التي هلّلت وكبّرت لانتهاء هذا الحراك المُقلق طيلة أكثر من عاميْن. بل أنّ “لَحمهم صار حلوًا” حتى من قبل بعض الذين استقبلوهم في المدن التونسية وتوافدوا على ميناء سيدي بوسعيد من أجل توديعهم، تحت وطأة التشويه في الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي وسياسات الترهيب والتخويف.
ونحن لا نُبالغ إذا قلنا، وللأسف الشديد، أنّ أكبر المُستفيدين من هذا الاغتيال الرّمزي هو العدوّ رأسا، أي كيان الاحتلال وحكومته الفاشية بزعامة “نتنياهو”. فهو، وإن كان مازال يُباشر عُدوانه الهمجيّ على جنوب لبنان وغزة وإيران، فإنّه لا ينسى أبدا تحييد كلّ البُلدان العربيّة، خاصة تلك التي لعبت شعوبها دورا مُتقدّمًا وغير مُتوقَعا في الإسناد وتحريك مياه الوعي الرّاكدة. وهي تقوم بذلك عبر خدمها المُطيع من مرتزقة الإمارات وبقية الرجعيات العربية التي تُسخّر كلّ إمكاناتها الإعلامية ونفوذها داخل الدّولة ذاتها من أجل لعب أقذر المهام.
هذا الاعتقال في الحقيقة هو امتداد، لـ2 نوفمبر 2023 (عندما وقع اسقاط قانون تجريم التطبيع أثناء جلسة عامة للبرلمان) ولزيف كل المقولات التي تشدّقت بها السلطة السياسية وتصدّرت بها الدّفاع عن فلسطين منذ أن صاح قيس سعيّد “ليس تطبيعا بل خيانة عُطمى” في خضم حملته الانتخابية. فهانحن نرى المناهضين للتطبيع مع كيان الاحتلال يقبعون في السجون، ويُلاحَقون قضائيا ويُشرّدون من ديارهم تحت تعلّات التُهم المالية التي اعتدنا على سماعها في السنوات الأخيرة والتي تلقى رواجها في صفوف المُطبّلين والمُتملّقين لكلّ السُلط.
هو امتداد أيضا للموقف الرسمي المُخزي للنظام، على لسان وزارة الخارجية، من الحرب الصهيونية الأمريكية على الجمهورية الإسلامية الإيرانية التي أعطت درسًا وصفعة قاسية لكل الأنظمة العربية من خلال صمودها في وجه ترسانة العدوّ الهمجيّ لأشهر عدّة.
وإن كانت السلطة السياسية القائمة قد فشلت بالفعل في تكريس الشعارات المدافعة عن الحق الفلسطيني، وفشلت في اختيار الجانب الصحيح من الصراع القائم وبقيت وفيّة للتخبّط المعهود عند من سبقها، فإنها ستفشل أيضا تدريجيا مستقبلا في عزل الملاحقات القضائية في حق مناضلي الأسطول عمّا يحدث في وطننا ومنطقتنا. لا نقول ذلك من باب التمنّي أو الحتميّة، بل من زاوية قراءة تاريخية لحركة شعوبنا ولملامح تغيّر الرأي العام الذي صار يسائل تدريجيا هذه الإجراءات الظالمة في حق المعتقلين رغم المحاولات العديدة لطمس الحقيقة وتعويمها.
مرّت 100 يوم بالفعل، شهدنا فيها السجن والتنكيل بالمُعتقلين وعائلاتهم، لكنّ العزائم لم تنكسر والهمم لم تفتر والقناعات لم تهتز. ونحن على رأي غسان البوغديري، الذي كتب من سجنه في المرناقية على موقعنا، أنّ ” الشعوب التي تعرف قضيتها لا يمكن أن تُسجن أو تُهزم أو تُستَعبَد”. لذلك، نحن ثابتون على الانحياز لمن هم تحت، لفلسطين، وللمُدافعين عن حقها، إلى أن ننال حرّيتنا جميعًا.
