يوم آخر من الحرية 

14/05/2025
Wael jaghoub

“يوم آخر من الحرية”، نقطتان، ثمّ يستفيض في التحليل والتعبير عن رؤاه. هكذا يبدأ تدويناته على صفحته الخاصة بفيسبوك. هكذا يفتتح حديثه، قبل أن يستفيض في الكتابة عن شعبه وعن الأمّ الفلسطينية وعن الزوجة الفلسطينية وعن المخيّمات الفلسطينية وعن الأسير الفلسطيني الصّامد في معتقلات الهمجيّة الصهيونية. حتى ينتهي ويقول “واقعنا أكثر بلاغة منّا”.
هو وائل الجاغوب، عرف السجون باكرا – ككلّ فلسطيني تقريبا – في عام 1992، أي في عزّ شبابه. تفتّح وعيه السياسي داخل الزنازين، فكان للسجن أثر بالغ في القطع مع حالة الوعي الجنيني. عرف العدوّ عن كثب في غُرف التعذيب والعزل الانفرادي وتحت وابل الاستجوابات القاسية، واستلهم من صمود الأسرى ليناضل وليكبر وليكتب وليقاوم. ستُّ سنوات أولى، والتهمة معلومة “نشاط مقاوم”، والشرف معلوم : “دفاع عن الحق الفلسطيني”.

هذا المولود زمن النكسة – أي عام 1967- لم يخرج من السجن إلا ليعود إلى القتال مع شعبه، وفي مقدمته، فاعتقله الاحتلال مرة أخرى، سنة الـ2001، بعد عام واحد من اندلاع انتفاضة الأقصى.
حُكم على ابن نابلس، والمنتمي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، بالسجن المؤبّد، لانخراطه في استهداف العسكر الصهيوني، فواصل نضاله وقيادته وتدرّج ليغدو رمزا من رموز الحركة الأسيرة الفلسطينية.
هذا الكنفانيّ الصغير، الذي مثّل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين داخل السجون، وجسّد معاني الاشتباك وفكّ المربّعات وتقاطع النضالات الفلسطينية، وثّق تجربته السجنية وكتب “أحلام أسيرة” و”رسائل في التجربة الاعتقالية” وصودرت له العديد من المؤلفات والكتابات التي لم تنجُ من الرقابة الصهيونية.
بعد أسبوع واحد من الحرية، التي طالت لـ24 عاما كاملة، أطلّ الجاغوب بهدوء غير “منطقيّ”، بابتسامة خفيفة، وبتحية إجلال وإكبار لشعبه. خاض حوارا مطولا وسلسًا ليُحلّل لنا ما يجري وما يحدث، فكأننا الغائبون عن الطوفان، وكأنه الحاضر فيه منذ اندلاعه. وكأننا المُغيّبون لعقديْن، وكأنّه المُلمّ بأدق التفاصيل الفلسطينية.
ماذا ستفعل يا وائل بعد أن نٍلت حرّيتك؟“، وهل يُسأل الفلسطينيّ عن هذا؟
 أجاب وائل أنه سيكثف المقابلات مع أفراد عائلته، خاصة الصغار منهم في السن، ليس شوقا فحسب، بل ليعلَم المتغيّرات وليفهم الذهنية الفلسطينية الشبابية والتركيبة النفسية وما طرأ عليها. كيف لا يفعل وهو من اعتنق التحليل الملموس للواقع الملموس منهجا للنضال والتخطيط.

“أمّا بعد؟”، سيُعاود الانخراط من جديد في كفاح شعبه. هكذا أجاب وائل. هو لم ينقطع عن هذا الكفاح أصلا، ولكنّه يفهم قيمة الوقت وعذابات الفلسطيني، فيأبى أن يُضيّع برهة واحدة للراحة والاستكانة.
خرج من السجن ولم ينس الرفاق هناك، فما انفكّ ينقل معاناتهم وآلامهم وكتب في 6 مارس الماضي يحتجّ على تجاهلنا  ومعلّقا على خبر استشهاد أحد الأسرى “وشهيد في المعتقلات جديد، وخبر دون تفاعل يمرّ هكذا، كما تمرّ كلّ الأحداث دون احتجاج .. رفض أو تفكير بإعلاء الصوت، لنحمي الأسرى”.

“الحرّية هي ميلادٌ جديد”، هكذا قال الأسير المُحررّ معلّقا على  الليلة الأولى بالحرّية. أما عن آخر لياليه في السجن فقد “كانت مجرّد عدٍ للساعات”. وما بين عدّ الساعات والحلم بميلاد جديد يقضي الفلسطيني حياته.
صاحب الـ48 عاما، المُحرَّر ضمن صفقة الطوفان صحبة 200 أسير فلسطيني، ومقابل 4 مجندات صهيونيات، قضّى شهرين لا أكثر صحبة أمه وعائلته، التي اكتشف البعض منها مؤخرا، قبل أن يُعاود الاحتلال الكرّة ويعتقله صباح الثلاثاء المنقضي.
ربّما كان يرتّب مشاريعه الشخصية، وزياراته العائلية، وربما كان يحضّر لزفافه. ولكن الثابت والأكيد أنه كان يعدّ نفسه لينخرط مرة أخرى، وليعود إلى مكانه الطبيعي، في النضال الفلسطيني.
عرف وائل منذ البداية أنّ الأسر شبه  حتمي بالنسبة لأمثاله، وأنّ حرّيته الكاملة من حرّية شعبه، فراح يعدّ الليالي التي يقضيها خارج القضبان، كعطلة مدرسية، وكاستراحة محارب، وكبرهة للتأمل والفهم، وكلحظة خاطفة لترتيب البيت الداخلي، وكتكثيف زمني لما فاته، من أجل تحديد المهام القادمة ومن أجل فهم الأدوار المقبلة  التي ستضطلع بها الحركة الأسيرة ضمن استراتيجيا التحرير الشامل.
هو وائل الجاغوب، مقاتل فلسطيني، حفيد للحكيم، وابن للشهيد، ورفيق لسعدات، وأخ لإبراهيم عبدالله، وشريك لعبد الله البرغوثي، وامتداد لقافلة الشهداء والأسرى، ولتاريخ فلسطين الحافل بالفعل النضالي.
فسلام لأسرانا الصامدين في وجه جلاديهم، وصبرًا مُكلَّلا بالنصر، وحرّية أبديّة لهم جميعًا.

مقالات ذات صلة

  • من تونس إلى غزّة : معركة واحدة وإن اختلفت العناوين

    لم يؤدّ الإفراج عن المحامية والمعلّقة سنية الدهماني، وبعض المتهمين في قضايا مساعدة المهاجرين من أفارقة جنوب الصحراء، الى انفراجة…

    افتتاحيّة, الموقف

    WhatsApp Image 2025 11 30 at 20.00.42
  • من تونس، مع أحرار العالم: أسطول الصمود يستعدّ للابحار.. الى غزّة

    يستعدّ أسطول الصمود المغاربي للانطلاق من تونس يوم الأحد 7سبتمبر، ضمن فعاليات أسطول الصمود العالمي من أجل كسر الحصار على…

    الأخبار

    من موقع الجزيرة نت
  • عن الكتابة والأسر وفلسطين

    "يولد الفرح من عمق الألم، وتصدح الكلمات من عمق الصمت"سحر فرنسيس مؤسسة الضمير لرعاية الأسير وحقوق الإنسانللكتابة من داخل السجون…

    بلا حياد

    الحركة الاسيرة
  • كان عليّ أن أموت صغيرًا

    بهاء هو شابّ غزّاوي، يُصارع الاحتلال والاكتئاب الحاد. يُمكن له أن يكتب قصّته بشكل أفضل بكثير ممّا أفعل. له من…

    بلا حياد

    مقال اياد