نص قصصي
كانت ليلة ليلاء، قضتها العائلة تحت وطأة القصف، ليلة حوّلت خلالها العائلة كوخها المبني من الطوب والمسقوف بالأعمدة إلى ما يشبه سفينة نوح، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الأرواح الصغيرة التي تهددها رياح القصف والعاصفة الثائرة.
كانت ليلة حالكة السواد، عاصفة راعدة، وأفراد العائلة كلهم مختبئون داخل الكوخ. كانت ممطرة وعاصفة، وجوها أرجواني كما لم يحدث من قبل قط. تتكون العائلة من الأب والأم وثلاثة إخوة وبنتين، بالإضافة إلى الشقيق الأكبر المتزوج، الذي يفصل مخدعه عن بقية البيت ستارة صغيرة مهلهلة، وامرأته التي كان بطنها مثقلاً في تلك الليلة، وساعة وضعها على وشك الحلول.
تلك العشية، استحال إشعال الطابونة المنصوبة في الساحة العارية أمام الكوخ لإنضاج الخبز. حوصرت العائلة بين مجاري السيول وتحت الوابل الهاطل، واشتد بها الجوع، وتقطعت السبل، وانسدّت المسالك، فلم تجد من أين تقضي حاجياتها الملحة أو تشتري الخبز. فقامت البنت الكبرى بقلع الطابونة كلها من أساسها، وأدخلتها إلى “بيت الطوب”. وهناك، أعادت بمهارة ورثتها عن أمها تركيبها في زاوية منه، وبالقليل المتبقي في الكيس الصغير من الدقيق عجنت خبزاً على عجل، وتركته قليلاً ليتخمّر. ثم أشعلت الطابونة داخل فضاء البيت الضيق بحطب نصف مبتل، ما ملأ الجو بالدخان وخنق الأنفاس، لكن الاختناق لم يطل، فغمّ الدخان فضاء بيت الطوب لبعض الوقت، ثم ذهب في حال سبيله عبر “المضوة”. وتبقّى من الطابونة “جرادق” الكسرة الناضجة والجمر المشتعل في أحشائها، والدفء الذي غمر أرجاء بيت الطوب الصغير.
مع قدوم المساء، لم تكن هناك بوادر لتوقف المطر. ازداد هطوله قوةً وغلظةً وقسوةً. عادةً يبدأ المطر ناعماً جميلاً، وصوت سقوطه يشبه عزفاً موسيقياً، لكن مع تواتره، يصبح قاسياً ومخيفاً. كانت الأم تقول بصوت رصين لتهدئة روع صغارها: «نحن لسنا أسوأ منهم… لسنا أسوأ. من نكون نحن حتى نشتكي؟ وما شكوانا لو قسناها على شكواهم؟ هذا قصف مطر، وذلك قصف قنابل. نحن هذه الليلة قد نبيت جائعين، وغداً سنجد ما نأكل، وهم هذه الليلة سيبيتون جائعين، وغداً سنجدهم في عداد الموتى.»
ماذا هناك؟ إنه مطر… مطر غزير وعنيف وشديد القسوة، ينصب وابله دون انقطاع منذ بداية اليوم، الذي تداخل صباحه مع مساءه. تحولت زريبة الأغنام إلى مستنقع من البعر والروث الذين تحللا في الماء، والنعجات المسكينات لم يجدن أين تلجأن من سياط المطر المنصبة عليهن. الصوف على ظهورها يسيل منه الماء سيلانًا، وثمة أربع نعجات حديثات الولادة، ولدن كلّهن تلك الساعة بالذات، ساعة العشية، قليلاً بعد قلع البنت للطابونة وإدخالها للكوخ، واثنتان أخريان على وشك الولادة. قفز الأب خارجًا، وخاض في وحل الزريبة، وأدخل النعجات الستّ إلى الكوخ، وغطّى الوالدات وخرفانهن الرُضّع بالعبانة التي اعتادت العائلة أن تتغطى بها. كان غطاءً طويلاً جدًا، تحرّت الأم عند نسجه أن يكون بطول كافٍ لتغطي به أولادها الخمسة، هي والأب، ويتبقّى منه ما يفيض على ابنها الأكبر وزوجته النائمين في الركن القريب، بالإضافة إلى ركن النعجتين اللتين على وشك الولادة في الزاوية التي تستخدمها العائلة من بيت الطوب كمطبخ.
ظل وابل المطر يصفع جسد البقرة صفعًا قاسيًا، فشرعت تخور في الساحة خوارًا حائرًا كأنها تنادي منقذًا. لم تعد الأرض، بعد تشبعها بالماء، صلبة كفاية لتشد الوتد الذي رُبطت به البقرة، فتخلخل وغادرت الحيّز الذي اعتادت القبوع فيه، لأنها لم تتحمّل تحوّل مربطها إلى حفرة يعوم فيها الماء. وقريبًا منها، كان عجلها الصغير يدور ويدور في حلقة من الطين، ثم لم يلبث أن أنهكه الدوران فسقط فيها، وتلطخ جسده ومدّ قوائمه الأربع مستسلماً. سارعت الأم نحو البقرة تتلمّسها بيدها، في محاولة يائسة لتحمي من جسدها حتى شبرًا واحدًا من وابل المطر الذي كانت قسوته تشتدّ. ثم دارت حولها تبحث لها عن ملجأ، وإذا لم تجد في المكان أي فناء يوفر حماية للبقرة، لم تطل البحث والتفكير، وأدخلتها هي وعجلها إلى الكوخ، وراعت أن تبعده عنها قليلاً، فربطته في ركن وأمّه في ركن مقابل، لئلا يأتي على ما في ضرعها من حليب. تستيقظ العائلة في صباح الغد فتجد الضرع خاوياً.
يذكر الطفل أن الأم في أيام الصحو الربيعية الدافئة كانت تحلب البقرة كل يوم، وتعطيه هو وأخاه طستًا ممتلئًا بالحليب كل عشية، يشربانه مع شطر كسرة. وكان يعده ألذ ما أكل طوال حياته، وطعمه لا يزال في فمه حتى اليوم. أي والله، إنه يذكر ذلك كله. ولم يكن في مرات عديدة ينتظر أو يصبر حتى تصب له الأم الطست، فما أن يرى السطل والحليب فيه مطفطفًا حتى الفوهة، حتى يركع بجانبه ويغطس رأسه فيه، ويشرع بالكرع منه حتى تمتلئ بطنه. تأتي الأم بعد قليل، فتلاحظ النقص في السطل، فتسأله هل شرب منه؟ فيرد بالنفي. فتجيبه: «إنني أصدقك، لكن ما تلك اللطخة الصغيرة التي على أنفك؟ كأنها لطخة حليب». وهكذا عرف الطفل مبكرًا أن من يكذب، ستعلو أنفه لطخة حليب صغيرة بيضاء تدل عليه. والحق أن اللطخة جعلت أنفه يزداد طولًا. قالت له الأم: «غريب شكل أنفك واللطخة تعلوه». وهكذا فكّر الطفل، ليتجنب توبيخها ويبقى وفيًا لغرامه بالحليب، أن يشرب من الضرع مباشرة، لكن البقرة قليلاً ما كانت تسمح له بمشاطرة عجلها الرضاعة.
أنهت العائلة إدخال الطابونة والنعاج والبقرة وعجلها إلى الكوخ، وجهّزت لكلٍّ مكانه في الداخل، وما زال الداخل فسيحًا. تقول الأم: كيف هم هناك؟ ليتَه كان مطرًا عندهم مثلما هو عندنا.. لكنه ليس كذلك. وما زالت الأمطار تنصب على الأديم بقسوة، حتى تحول صوت وقوعها إلى ما يشبه الانفجارات الصغيرة المتلاحقة، لشدة تشبع الأرض بالماء النازل وارتفاعه فوقها. أين صوت الانفجارات الصغيرة هذه من أصوات الانفجارات المريعة هناك، الحاملة معها لصواعق النار؟ هذه ستبلل جسدك، وتلك ستفتته شظايا. أصغى أفراد العائلة لحظتها، والطابونة في الداخل لا تزال تقاوم الانطفاء وتوالي نفث دفئها المنبثق من الحطب بطيء الاشتعال. بين صوت المطر القاسي، وصوت تحكك جسد مخلوق مسكين بالحائط الخارجي للكوخ، أصغوا السمع قليلاً، فلم يُوفّقوا لمعرفة صاحب صوت التحكك. فنظر الشقيق خارجًا يستطلع، والغبش يملا عينيه بفعل القطرات النازلة على وجهه، فرأى الحمار ملتصقًا بالحائط يحاول توقّي المطر المنصب فوق ظهره. كان ساعتها حراً طليقًا بعد أن قلع وتده، وبوسعه أن يسرح بعيدًا.
قالت الأم: هذا الحمار بوسعه أن يسرح.. فما هي إلا مطر.. لكنه يأتي لطلب الدفء.. أما هناك، فأين سيسرحون؟ والسماء فوقهم تمطر طائرات، وشرق الأرض وغربها رصاص منصب. لكن لماذا جاء الحمار والتصق بالحائط ولم يهرب كعادته كل ليلة؟ كل ليلة تقريبًا كان يفرّ من مربطه، وله ألف حيلة في قلع وتده وجرّه معه بعيدًا. وبجره الوتد معه كان يخلف على التراب والحشائش الأثر الذي سيدل العائلة على المكان الذي هرب إليه.. خلف الوادي.. هناك كل صباح.. بعد ساعات طويلة من التفتيش عنه. يصل لأسماع العائلة صوته الصداح.. صوت الحرية والانطلاق، قادمًا من وراء الوادي، بعد أن أشبع بطنه حشيشًا في الحقول. أمسكه الشقيق الأكبر وجره داخل بيت الطوب، وقاده للركن الذي يتخذه مضجعًا له وزوجته، وركنه هناك.
أما هناك.. قالت الأم، فإياك أن تُحدث صوتًا، أو تُخلف لوقع قدميك أثرًا، لتكون أحدًا عليك أن تكون لا أحد.. وأي أثر يدل عليك ستشمّ منه رائحة موتك.
الدجاجات.. الدجاجات.. من للدجاجات؟ صاحت الأم.. ستقتلها المطر وهي بلا حول ولا قوة.. من للدجاجات؟ أنقذوا الدجاجات.. أنقذهم!
هبّ الشقيق الأكبر مرة أخرى خارجًا والمطر ينزل خيوطًا سميكة فوق ظهره. سبقته الشقيقة تحاول جمع الدجاجات وإدخالهنّ إلى بيت الطوب. كنّ ثماني دجاجات وديكين، ولم يكن الأمر صعبًا، فالدجاجات كنّ كلّهنّ هامدات تحت المطر، لكن الصعب كان أن تستطيع الشقيقة التحرك في الظلمة والطين. عجزت عن التقدم أكثر وأقعت على ركبتيها من الخوف والطين الذي كبل خطاها.
حامت مسيرة تحويماً خاطفًا فوق رأسها.. لكنها أخطأتها، فأدركها الشقيق الأكبر وقذف المسيرة بعصا فأطارها بعيدًا وجناحها مكسور، ثم أعاد شقيقته حاملة إلى داخل بيت الطوب، ثم عاد وفي يده الدجاجات كلهنّ كدسًا واحدًا. ثم ثنى بالديكين.. فأدخل الجميع للكوخ مع النعاج والبقرة وعجلها والحمار الذي في الركن والطابونة التي لا تزال جمراتها تبث شيئًا من الدفء.
انزعجت الأم من حراك الدجاجات وأصوات وقوقتهنّ المضجرة بعد أن شعرن بحرارة الجو في الداخل. فأمسكتهن وقذفتهن الواحدة تلو الأخرى داخل برميل في طرف قصي من بيت الطوب، وردّت عليه غطاءً ـ فسكن حراك الدجاجات، ولكن صوت الوقوقة الخافتة كان لا يزال يصلها. فكانت ترد وهي تصيح: اسكت ليك ذبحة تجيك في الصبحة.. مما تشكو وأنت قد صرت من الدفء في كن كنين؟
شاهدت في ناحية من الكوخ شيئًا يشبه القذيفة، فأمسكتها ومشت نحو فتحة الكوخ وقذفتها بعيدًا، ثم أصغت لدوي انفجارها يهز الليل ويغطي على الصوت الغليظ لوابل المطر الذي خالطه شيء من الاحمرار.
نحن لسنا هناك.. لسنا هناك.. صرخ الطفل الأصغر وهو يصغي مذعورًا لصوت المسيرة التي عادت تحوم فوقهم. من أين يأتينا هذا الذباب في هذه الليلة الممطرة؟
أمسك الأخ الأكبر بعصا غليظة ووقف عند المدخل ملوحًا بها، وقال مهدئًا روع شقيقه الصغير:
«سأصيبها بالعصا قبل أن تصيبني لا محالة.»
لكن المسيرة اختفت، وتبع اختفاؤها مشهد حمرة صبغت أفق الليل، تلاها صوت انفجارات في المحيط القريب من الكوخ.
«أين نحن من كل هذا؟»
قال أحدهم: «لا شك أنك تتوهم مشهد المسيرة وصوت الانفجارات.. نحن على مبعدة آلاف الأميال منهم.»
لكن الأم تشعر كأن المعركة دائرة أمام عينيها، فتُصغي لصوت القصف وترى الأشلاء تتطاير. مرت طائرة على مسافة أمتار منها، وقبل أن ينطلق الصاروخ من ذيلها، مدّت يدها وأمسكتها، ثم رفستها تحت قدميها فعجنتها عجنا، وخرج منها الصاروخ شيئًا متخثرًا يشبه الخراء. رأت كائنًا شبه بشري يحاول مغادرة الحطام، كان ضئيلاً جدًا، وما أن لامس الأرض حتى تقلّص وصار بحجم خنفساء.
نظرت الأم للأرض وهي تبتلع الكائن، ثم عادت لما كانت فيه. لقد انتهت من الطائرة، ومن واجبها أن توالي الجهد لتحمي الشياه والبقرة وعجلها والدجاجات على أي حال.
أين ذهب الكلب الأشهب في هذه الليلة الليلاء؟ بعد أن تحرر من واجباته، لأن جميع من كان مكلفًا بحراستهم صاروا في الأمن والأمان داخل بيت الطوب؟ لعله في الخلاء يتمرغ في الطين ويتعارك مع كلب جارهم الأبيض الضخم؟ وأين هو كلبهم الأبيض في هذا الليل الأحمر؟
صرخ الأب في الشقيق الأكبر أن يخرج ويأتي به لكيلا يتعرض لعضات مميتة من الكلب الآخر. وما لبث أن عاد به يحمل الكلب بين يديه وأدخله إلى الكوخ، وصدر من فمه هرير خافت.
لم يفهم الشقيق الأكبر معنى الهرير، واختلط في سمعه بصوت أزيز بعيد ما فتئ يقترب، فأمسك الكلب ووضعه قريبًا من الطابونة حيث الدفء، فسكت الكلب عن هريره. لكن في عينيه كانت تلمع نظرة توسل مثيرة للشفقة.
ماذا بقي في الخارج، بعد أن أدخلنا كل شيء؟ لا شيء سوى سيول المطر ووديان الماء التي تسيل في كل اتجاه ومجرى. في الساحة، كانت عربة الحصان وحدها تواجه السماء الغاضبة والسيول التي تصفع لوحها.
“سينشق اللوح جرّاء السيل النازل، وتغرق العجلات!” صرخت الأم متفجعة.
فجرى الأولاد الثلاثة خارجًا. بعد أن شعر الشقيق الأكبر بالإرهاق لكثرة ما دخل وخرج وأدخل من المخلوقات نحو الكوخ.
سأل أكبر الصبية أبيه: “هل سندخلها هي الأخرى للكوخ؟”
كان من الضروري أن لا يكون الكلام المتبادل أكثر من صراخ، ليعلو فوق صوت المطر الذي شبهته الأم بالانفجارات الصغيرة المتتالية، وفوق صوت الأزيز الذي يسمعونه آتياً من مكان غير بعيد.
وكان أفراد العائلة يسمعون بعضهم، ناهيك بالرعد الذي استمر يقصف.
قال الأب صارخًا وغاضبًا: “وهل ترى غير ذلك؟ أدخلوا عربة الحصان للكوخ أيضًا!”
جرّب الأطفال، ومعهم البنتان، دفع عربة اليد نحو باب بيت الطوب. كانت العجلتان غائصتين في الطين، لكن هذا لم يكن المشكل.
المشكل كان أن باب بيت الطوب لا يسعها.
هوت قذيفة من مكان مجهول وانفجرت قرب الجدار الأمامي للكوخ، فأحدثت شرخًا تسبب في اتساع مساحة الباب، الذي صار فوهة واسعة.
فقلب الأولاد العربة على جانبها وأدخلوها للكوخ واقفة.
دخل نصفها وظل نصفها الآخر يسد المدخل، فعوض جزئيًا عن الباب الذي اختفى. ثم يجهدون جهيدًا أعادوها لوضعها الطبيعي الأفقي، قائمة على عجلتين وهي في مكانها عند المدخل.
فقد الشقيق الأكبر مخدعه لفائدة الحمار المضطجع فيه، لكنه لم يغضب ولم يسب الحمار، بل سبّ الطائرات ومن أرسلها.
اتخذ سطح عربة الحصان سريرًا مائلًا، تمدد عليه ليستريح، ويراقب في الوقت نفسه حركة الطائرات ليعلم أمه باقتراب إحداها، فتأتي مسرعة وتمسك بها وترفسها بين قدميها.
أخيرًا فكرت الأم في حل أخير، بدا لها أنها تستطيع أن تقفل السماء برمتها، أو أن تطبق ما بينها وبين الأرض فلا يطير شيء بينهما، ولا ينصب عليهما الرصاص من فوق.
لكن زوجها عارضها بشدة: “إن أنت أقفلت السماء، فمن أين سيأتي المطر؟”
كان الابن يهم بالرد، لكن همسات زوجته وأنينها سلباه الراحة، فقد اقتربت ساعة وضعها.
بعد أن ركن الحمار في مكانه، انحشرت هي في الزاوية أكثر ورفضت الخروج أو التحرك.
تحركت النعجات الست واقتربن من أسفل عربة الحصان راغبات في الدخول تحتها، لكنهن ملأنها ثغاءً، لأن أولادهن كانوا بعدُ عاجزين عن الحركة، فظللن بين جيئة وذهاب بين أسفل العربة وموضع صغارهن.
تحرك الحمار من مكانه وتحكك على جانب البرميل، فقلبه وحرر الدجاجات. فقامت إحداهن بعنف وقفزت شاعرة بحلاوة التحرر، فوقعت داخل الطابونة.
لقد أدخلوا العربة، لكن أين الحصان؟ ليس هناك حصان، والحمار هو الذي كان يجر العربة كل يوم.
وقد أدخلوا العربة ودخلوا الحمار، ومع ذلك ظلت العربة تحمل اسم “عربة الحصان” لأن هذه التسمية تمنح البنت الكبرى شعورًا بالتمايز، ولأن العائلة سابقًا كانت تربي حصانًا، وكان هذا الحصان يجر العربة حتى أهلكته عصبيته ورغبته المجنونة في الجري ومسابقة العربات الأخرى التي كانت تجرّها الأحمرة.
كان الأب يرغب في حلق ذقنه هذه الساعة بالذات، احتفالًا بانتصاره على الطبيعة القاسية هذه الليلة، ونجاحه في إنقاذ مخلوقاته من غضبها.
وكانت الأم تقلب في نفسها فكرة إقفال السماء كليًا.
طلب الأب من ابنه الأكبر التنحّي، بعد أن ألقى نظرة خاطفة على الركن الذي ترقد فيه زوجته، وصعد فوق عربة الحصان، بعد أن فرشت له الابنة الكبرى فوقها بساطًا، واتخذها مجلسًا له.
طلب منها أن تسخّن له شيئًا من الماء اللازم للحلاقة، وتلهى في أثناء ذلك بتركيب الماكينة.
رقدت البقرة بين قائمتي عربة اليد، بعد أن صار قرناها مشدودين إليهما، خشية أن ينسل إليها عجلها في غفلة ويعب من ضرعها ويفرغه.
لكن ذيلها لم يكف عن اللعب وفرش المكان.
وعندما أحضرت الابنة الماء الساخن، حركت ذيلها فارتطم بالإناء الذي فيه الماء وقلبه.
كان الأب يهم بالانفجار في وجه الابنة لأنها لم تنبهه لوجود البقرة على هذا القرب منه، لكن صرخة صغيرة متوسلة من فم الابن الأصغر أسكتته وجعلته يلتفت:
“إنه يريد أن ينجس بيت الطوب دون ريب، لأنه يقول إنني خائف ولا أستطيع الخروج في الظلام الحالك والمطر لأقضي حاجتي.”
قال الأب: “خذي الطفل لخلف بيت الطوب، واقعديه قرب ‘المطمور’.. لكن لا، وألف لا، لقضاء حاجته هنا.. لا نريد نجاسة.”
عادت الابنة الكبرى فزعة، لتقول لأبيها إنها وجدت مكان المطمور حفرة هائلة الحجم يملأها الماء.
لقد احترق القمح ثم غرق ما تبقى منه.
وقالت: “لا مكان ليجلس فيه الابن ويقضي حاجته غير ركام من الماء والطين وبقايا الكرفة المحترقة.”
قال الأب: “غرق القمح؟ بل قولي سوّس وانتهى أمره.. وما تبقى منه في المطمور زنة شكارة واحدة.”
أخذها كلها صاحبنا الذي يأتي بالمعونة، مع ثلاث دجاجات، وخمس حارات بيض، وكيلو عسل.
لا أعرف كيف دبرها للصاحب، وخمس لترات حليب، وكتف خروف، وقلبة درع.
ذهبت كلها قربانًا للبقاء في بيت الطوب، التي اتخذناها هذه الليلة سفينة نوح لإنقاذ المخلوقات التي تعيش معنا.
وحولنا من جميع الاتجاهات تنصب الصواعق.
لكن بينما جميع المخلوقات كانت تريد أن تدخل، كان هناك في هذه الليلة مخلوق واحد يريد أن يخرج: الجنين الذي يتخبط في أحشاء زوجة الابن الأكبر، المتمددة بوهن في الركن الذي قاسمها فيه الحمار المسكين.
وبينما شرع الابن في جر الحمار خارجًا ليتيح للمساحة التي ترقد فيها الزوجة قليلًا من الاتساع، كان الحمار يعاند عنادًا قاسيًا، ألصق جسده بالحائط وحرن حرنًا عجيبًا.
فتركه الابن لحاله، واضطرت الأم للدخول بين قوائمه لتصل لما بين فخذي الزوجة وتستقبل الحياة التي تدفقت من هناك.
وعندما أصغت لصرخة الجنين الأولى، بعد أن توقف الدفع الأليم الآتي من أحشاء الزوجة، واسترخت في فراشها، أصغت كذلك لصوت انفجار أخير، ونهق الحمار نهقة فائقة القوة، فانكمشت مساحة السماء فوقهم، وتحرك الكلب قليلًا من مكانه، فانغلقت السماء تمامًا، وسكت الدوي، وتوقف الوابل.
ثم استعاد كل شيء في بيت الطوب حالة الاستكانة الأولى.
توقفت الدجاجات عن الوقوقة، والنعجات عن المشي جيئة وذهابًا، وتخلى الحمار عن حرنه فتحرك مبتعدًا.
نامت الأم قليلاً بين ساقي الزوجة المسترخية، وذراعاها تحتضنان الوليد.
ثم تذكرت البقرة، فنهضت لتحلبها في أعماق ساعة الليل، ثم خلت بينها وبين عجلها.
وعاد الأب فأمسك آنية الماء التي أعادت الابنة الكبرى تسخينها، وشرع يحلق ذقنه وهو يقول:
“غدًا صباحًا نعيد فتح بوابات السماء، ونرجع كل شيء إلى مكانه، ونُخرج من بيت الطوب:
النعجات
والبقرة
والعجل
والحمار
والكلب
والطابونة
وعربة الحصان
والدجاجات
وندعهن جميعًا يعاودن الانتشار في الحقول الواسعة.
فقط شيء واحد لن يعود إلى مكانه:
إنه دفق الحياة التي هلّت علينا، وشرعت تمضي في سبلها الحرة، في ليلة عاصفة هطل فيها ذلك الوابل.
