لو أنك مررتَ فجرًا بالعاصمة تونس يوم التاسع من جوان، لكنت رأيت مشهدًا لا يشبه شيئًا من هذا العالم المتعب.
سيارات مصطفة في صمت، ووجوه متعبة من السهر لا من التردّد، وأكفّ ترتجف وهي تضع آخر صندوق فوق آخر.
لو كنت هناك، لكنت سمعت التكبيرات تتداخل مع صوت المحركات والشعارات، والقلوب تخفق لا خوفًا، بل توقًا لعبور الحدود.
طفل صغير، لم يتجاوز العاشرة، كان سيهرول بين الجموع، ممسكًا بعلم لفّته أمه في الليلة السابقة، يقول لكل من يمرّ بجانبه:
“قولوا لغزة… لا بد للقيد ان ينكسر .”
لم تنطلق القافلة بعد، لكنّ النية نضجت، والعزم اكتمل، والقلوب توجّهت شرقًا.
ومن تونس، التي ما نسيت يومًا وجه القدس، كانت القافلة على وشك أن تبدأ مسيرتها…
لا لتوزيع بعض المعونات، بل لتكتب بالرحيل بيان بقاء.
لتقول إن فلسطين، رغم الجراح، لا تزال تسكن في وجدان هذه الأرض… وإن شعوبنا، مهما أُنهكت، لا تزال قادرة على مدّ يد العون، بل كسر جدار الصمت.
.. هكذا بدأت قصة قافلة الصمود .. هكذا كانت ستبدأ الحكاية…
تونس… البداية ليست صدفة
لم تكن تونس يومًا محايدة حين يتعلق الأمر بفلسطين. هذه الأرض التي تعلّمت الثورة قبل أن تتعلّم الكلام، لم تخن ذاكرتها يومًا، ولا تنازلت عن نبضها الحرّ. حين خُطّت أولى خرائط قافلة الصمود، كان واضحًا أن البداية من تونس ليست تفصيلًا، بل ضرورة.
في الأزقة القديمة، حيث ما زالت الجدران تحتفظ برسومات أطفال كتبوا “القدس لنا”، وفي المقاهي، حيث يتناقل الشيوخ قصص الاجتياح والبطولة، كانت الفكرة تُنضج بهدوء. لم تأتِ القافلة بقرار فوقي، ولا بدفع خارجي، بل خرجت من رحم هذا الشعب، من غضب أمهات رأين غزة تُقصف، ومن دموع آباء يشعرون بالعجز كل مساء أمام نشرات الأخبار.
خرجت القافلة فكرةً لا تحمل سوى زادٍ من الخبز والحب، وبعض الدموع المؤجلة. لأن الصمت لم يعد يُحتمل، ولأن تونس، كما كانت دائمًا، تختار أن تكون في الصف الصحيح من التاريخ.
عبر ليبيا… وذاكرة الجراح المشتركة
ما بين تونس وغزة، تمتد ليبيا كجسرٍ من نار وذاكرة. تمرّ القافلة على أرض تعرّفت على الدمار، وشربت من كأس الخذلان، لكنها لم تُطفئ أبدًا جذوة الكرامة.
كل مدينة ليبية، من الزاوية إلى بنغازي، ستتعامل مع القافلة كما تتعامل الأم مع عودة الابن الضائع. لا شيء رسمي، لا احتفالات صاخبة، فقط وجوه تعبّر عن محبة دفينة، وصرخات تُطلق من النوافذ: “فلسطين، يا وجعنا الجميل!”
في ليبيا، لا وقت للترف. كل شيء يُقال بوضوح وبلا تكلّف: نحن نعرف وجعكم، لأنه يشبه وجعنا. ومع كل كيلومتر ستقطعه القافلة، يُعاد ترميم شيء من وحدة نُهبت، وكرامة استُهدفت، وذاكرة حاولوا مسحها.
في مصر… عبور بين الرماد والنار
حين تصل القافلة إلى مصر، فهي لن تعبر حدودًا فقط، بل تعبر تاريخًا مثقلاً ومتناقضًا.
مصر العزيزة التي ” قامت وشدت الحيل” .. الأرض التي غنّت يومًا لفلسطين، والتي وقفت في وجه العدوان يومًا، تبدو اليوم حائرة بين وجعها الداخلي، وضغط السياسة، وهمس الشارع. ليس من السهل العبور من هنا، لأن كل خطوة تحمل عبئًا . رمزيًا
مصر وعجلها المخصيّ الذي لم يفتح معبراً ولم يمرر ضمادة وكيس طحين، ستشهد عزيمة من فولاذ لمجهولين قادمين من اقصى المغرب العربي..
لكن رغم الأسلاك والجدران والقيود، هناك قلوب ستفتح الأبواب دون استئذان. وجوه مصرية ستُلوّح في صمت، وعيون تدمع دون أن تتكلم وستلتحق، في الأزقة الخلفية، لا تزال الكوفية تجد من يحملها، ولا تزال الحناجر تهمس في الخفاء: “يا فلسطين، نحن معك… وإن خذلتك السياسة وباعك زعماء كامب دايفيد..”
إلى رفح… حيث الكرامة لا تموت
رفح، ذاك الاسم الذي بات مرادفًا للانتظار المرّ، والأمل المتقطّع. لكن حين تصل القافلة إليها، سيتحوّل الصمت إلى حكاية.
لن يستقبلهم بروتوكول، ولن تنتظرهم عدسات الإعلام الرسمي. ستستقبلهم عيون أنهكها الحصار، وأطفال حفظوا أسماء المدن التونسية من كثرة ما ردّدوها امتنانًا.
هنا، تُقاس القافلة لا بحجم حمولتها، بل بصدق وجهتها. كل كرتونة غذاء، كل علبة دواء، كل بطانية، كانت تقول لأهل غزة: “أنتم لستم وحدكم، والوجع لم يعد فلسطينيًا فقط، بل إنسانيًا جامعًا.”
ليست مجرد مساعدات… بل بيان شرف
من السهل أن تُرسل قافلة إغاثة، لكن الأصعب أن تحوّلها إلى رسالة سياسية، أخلاقية، إنسانية.
هذه القافلة لن تكون عن المعونات بقدر ما هي تعبيرة حقيقية عن الكرامة. كل قطعة فيها صرخة، كل اسم مطبوع على صندوق إعلان موقف. لا تمويل مشبوه، ولا أجندات. فقط شعب اختار أن يقول كلمته، وأن يحوّل التضامن إلى ممارسة يومية. ليست ردّ فعل على مجزرة، بل فعل مقاومة على مجزرة مستمرة.
حين تتحرّك القوافل، تتحرّك الأمة
القافلة تمشي… لكن ليس وحدها. في كل بيت يُذكر اسمها، في كل عين تتابع مسارها، شيء ما يتحرّك.
ربما لا نملك اليوم السلاح، ولا القرار، لكننا نملك هذا: أن نُحرّك الضمير، أن نُوقظ الذاكرة، أن نُزعج صمت العالم.
حين تمشي القافلة، لا تُحرّك فقط عشرات الأطنان، بل تُحرّك إحساسًا كان على وشك الموت.
ولعل هذا، أكثر ما تحتاجه فلسطين اليوم: وجوه سمراء عربية تشبهها .. تأتيها من منطلقات ” الفزعة” ..
تونس تفزع لكم يا شعبي، جرحي الحي.


