1
لا أكاد أرى فرقا أو اختلافا في المسار والمصير، بين افريقي حامل للجنسية التونسية، حاول بلوغ ما توهمه جنة الشمال الاوروبي، وغرق في البحر المتوسط مأسوفا عليه. وبين افريقي حامل للجنسية الايفوارية أو البوركينية أو الكاميرونية او المالية، حاول هو الآخر بلوغ الجنة الشمالية إياها، فلم يحالفه الحظ وغرق في البر التونسي. كلها صور متعددة للغرق، وكما نعرف، ومثلما أشار إلى ذلك ذات مرة، وبدقة مذهلة، الشاعر محمد المثلوثي، الغرق ليس في البحر وحده. بل قد يكون غرق البر أكثر شناعة. ويفترض بنا، وبشكل لا لبس فيه، أن نقتنع ونصدّق أن هؤلاء القادمين، ما هم غير حشود من بؤساء البشر، تقطعت بهم السبل وفقدوا الأمل في بلدانهم التي انعدمت فيها جميع مقومات الحياة. فهاموا على وجوههم كيفما اتفق، ولا مخطط وراء قدومهم هذا. غير الفرار من جحيم بلد المصدر. واذا بدا لنا أن نعايرهم بأنهم تخلوا عن بلدانهم رغم ما تحويه من ثروات، ونحيل ذلك على الجهل والغباء وقصر النظر، فتكفي نظرة صغيرة على حال بلدنا، وما صنع فيه جهلنا وغباءنا وقصر نظرنا، لنشعر بالخجل من توجيه اتهام مثل هذا.. كثرتهم العددية تعكس تراكم البؤس في بلدانهم، لكن تونس ما كانت بالنسبة لهم يوما ” الأرض الموعودة “. ولا كانت تدور في أذهانهم مطلقا، فكرة القدوم لتونس، الا كمحطة مرور لأوروبا. لكن تونس قبلت، مرغمة أو بفعل سياسة متخاذلة، أن تلعب دور كلب الحراسة للحدود الاوربية الجنوبية وسدت في وجوههم امكانيات مواصلة رحلة الخلاص. فحصلنا فيهم وحصلوا فيها حصلة المنجل في الجرّة. إذا حاولنا إرجاعهم من حيث أتوا، سيقال اننا عنصريون نمارس اعتداء على حق البشر في الاقامة والشغل وو. وان لبثوا بيننا، سنواجه معضلة أن لا شيء لدينا لنقدمه لهم من حلول تتعلق بمستقبل مختلف يطمحون إليه بين ظهرانينا. نحنا أصلا مورطون حتى العنق في همنا الداخلي وفساد سياساتنا وارتباطاتنا المذلة. وليس وحدهم المهاجرون من جنوب الصحراء “ماشين في العفس” جراء فساد حالنا، بل قد يصح أن نعتبر أن معظمنا هم مهاجرون و” أفارقة ” بمعنى بشر نوعية ثانية وثالثة حاصلون على تصريح بإقامة “مؤقتة” تتجدد دون انقطاع. لكنها كافية لتشعرنا بانحلال روابطنا مع هذا البلد. نحن في الحقيقة أفارقة من غير بين قوسين. لكن عقود من النفخ في ” الشخصية التونسية “، جعلت معظمنا يتوهمون أنهم أقرب لأوروبا منهم لإفريقيا. وصنعت انسانا منتفخا معقدا حيال ابسط اختلاف مهما كان.. لوني.. اثني.. ديني .. اجتماعي.. وزادت حكاية ” الاصول الجينية ” واستحالة ان يكون سكان شمال افريقيا سودا في تاريخهم.. كأن القضية متعلقة باللون وحده. وإذا لم تخنني الفانتازيا والشطحات اللي تعمر رأسي، فلن أستغرب أن يتحرك حزب التحرير او تنظيم شبيه، به لإيجاد ” التخريج الشرعي ” لمعضلة تدفق البشر من جنوب الصحراء، عبر تفعيل النص الشرعي المتعلق بالرقيق.. الشرع لا يقول بحرمة الاسترقاق.. والأسود في النص بشر درجة ثانية. يقولون ان هذا التدفق قد يفضي لتغيير الوضع الديمغرافي وما أشبه من التهويلات.. بينما الاحصاء الأخير للسكان قدم رقما للأجانب المقيمين في البر التونسي، لا يزيد على 65 الفا. ولست متأكدا ان كان الاحصاء شمل تعداد الوافدين من جنوب الصحراء أم لا. الوضع الاقرب للمنطقية أن يتحرك الدماغ التونسي البورجوازي البراغماتي فيجيز استرقاق السود تشريعا معمولا به، حتى مع استمراره ممنوعا قانونا، واستبقائهم للقيام بالأعمال الشاقة التي يأنف البورجوازيون القيام بها. على قدم المساواة مع السواد الاعظم من أفارقة تونس حاملي الجنسية التونسية والمولودين فيها..
………………………..
2
الى حد منتصف الثمانينيات، كان “معهد رقادة” الحالي، الواقع على مسافة سبعة كيلومترات جنوبي القيروان، اسمه ” معهد الوعظ والارشاد”.. هنا تحضرني فاصلة طريفة مع ابنة عم لي، درست في ذلك المعهد، سألتها مرة – ربما كانت المرة الاخيرة التي التقيتها فيها – كيف الحال مع معهد الوعظ والارشاد؟ فردت ضاحكة ” لا عاد فيه وعظ ولا إرشاد. صار معهدا فقط.. ” معهد رقادة الثانوي تحديدا. وأذكر حسرة السلفيين على انتهاء دوره كأحد جناحي الرافعة السلفية الى جانب جامع الزيتونة، الذي بدوره صار “كلية الشريعة وأصول الدين “.. أنا لم أدرس في معهد رقادة ولا في غيره، لأن مسار الدراسة توقف بي عند محطة السادسة ابتدائي ناقصة سبعة أشهر. إنما ما أريد قوله؛ أنه في تلك الأيام، تحديدا النصف الاول من السبعينيات، كان هناك عدد معتبر من التلامذة السود القادمين من بلدان عديدة من جنوب الصحراء.. عادة من السنغال وغينيا ومالي ونيجيريا، وربما أيضا من ساحل العاج والكاميرون.. يدرسون في ذلك المعهد ويقيمون فيه كذلك. ولم يكن الطريق الواصل بين مدينة القيروان ورقادة يخلو منهم يوما. ذاهبين للمدينة القريبة على الاقدام أو عائدين منها، كنت طفلا صغيرا وقتها، أعيش في رقادة وأدرس في ضاحية المنصورة، كان حضور هؤلاء السود وتناثرهم في مختلف نقاط الطريق يؤرقني بشدة.. فأحاول قدر ما أستطيع تفادي أن أصطدم بأحدهم، كانوا يبدون لي كائنات مخيفة، وطوال القامة جدا قياسا لقامات من حولي. أما لونهم، فكان السواد علامة الشّر المؤكد والنية الصريحة في الايذاء، لأن هؤلاء سيئون، فهم سود، ولأنهم سود فيجب أن يكونوا سيئين. رغم تواجدهم طوال العام معنا على تخوم القرية. فاختلاطنا بهم كان شبه معدوم. وهم بدورهم كانوا يدركون صعوبة بل شبه استحالة حصول هذا الاختلاط. فكانوا يتحركون دوما في مجموعات، لا يعطون لاحد منا الانطباع بأنهم بحاجة لرفقة أو يشتكون من عزلة، أو يسهّلون علينا التعدي عليهم، وكذلك نحن الصغار عند كل عودة من المدرسة، كنا نخشاهم خشية مميتة، ولا نتوقع منهم غير الاشياء السيئة. التي منها مثلا أن يمسك بي أحدهم وهو يراني أدرج منفردا في الطريق، فيحملني لخربة “بئر الشّعّار ” ويلقي بي هناك.. أو أن تلهو بي مجموعة منهم، فيعلقوني في شحرة كاليتوس مثل القرد، أو أن يختطفوني ويتخذوني طعاما للعشاء. أو يقتلعوا عيني ويستخدموها في اعمال السحر.. أو .. أو.. أو.. وهكذا تنامت وتورمت الاوهام التي شحذتها مخاوف لا أساس لها، لأنني لا أذكر أن أحدا منهم – طوال السنوات التي قضوها يدرسون في المعهد – حتى التخرج والعودة لبلدانهم بشهادات في الفقه أو اللغة العربية – قد ارتكب أمرا شائنا أو أساء لأحد من الناس. كانوا شبانا غررا أبرياء لدرجة تُخجِل البراءة، وخجولين كذلك إذا تكلم أحدهم لا يكاد يبين، حتى كان يوما عدت فيه مع أحد أقاربي على ” الكريطة ” التي يستعملها للذهاب للمدينة والعودة منها. صحبة القريب خلصتني من الخوف. فلم أشعر بالرعب ونحن نلتحق بأحد هؤلاء السود بينما هو عائد بمفرده الى رقادة حيث مبيته في المعهد. فقط ركبتني اثارة مخلوطة بوجل قليل وأنا أصغي لقريبي يحاول إفهام الغريب أن بإمكانه الركوب معنا لاختصار المسافة. كان طويلا جدا لحد عجزت عن تصوره إنسانا مثلنا.. من المؤكد أن تقبل حالة اختلاف أمر مرهق جدا. لا علينا.. في الكريطة متسع لنا الثلاثة: قريبي صاحبها وأنا، والأسود الذي وقعنا عليه في الطريق.. سأله قريبي من أي بلد هو؟ وبمنتهى الصعوبة فهمناه، بعد أن لوح صاحبنا بيده مشيرا للجهات الاربع متبعا، كل إشارة بعلامة استفهام، شرق؟ غرب؟ شمال؟ جنوب؟. رد عليه بصوت أهيف رهيف يخرج كل حرف منه من بين أسنانه : سين.. سيني.. سنgالوس.. سنgالوس.. آه سنgال.. آي.. آي.. آي سنقالو.. سنقالو.. آي.. سِنْقgالُو.. انت من سنقالو؟ آي صاهيب (صاحب) سنقالو. أي.. رد الشاب الطويل. فعاد قريبي يسأله وهو يشير لعرجون عنب كان معه، ما اسمه ؟ رد السنقالو: قراب ..’grape . آي آي.. آي. فيرد قريبي: غراب.. غراب.. يرفرف بجناحيه.. أعني يفرد ذراعيه مثل جناحي غراب.. ولا غراب يطير . grape أتدخل وأوضح، بعد أن فارقني الوجل، أن في كلمة الرجل حرف p الأجنبي، وهذا يعني أنها ليست تحريفا لغراب.. ونحن لا نعرف معنى هذه الكلمة.. ليست فرنسية قطعا.. لا شك أن للرجل لغة أخرى.. ومن أين لنا أن نعرف ما لغة أهل السنغالو؟ كان كلام الشاب الأسود الطويل جدا يشبه ضحكة مسترسلة.. لكنه صوته كان رقيقا ناحلا ضامر العود يوشك قوامه على التمايل وهو يشده للاستواء على جهده، وعميقا في نفس الوقت كأنه يخرج من خلال طبقة رقيقة جدا من القطن في حنجرته. كان وهو يتكلم كأنه يضحك ضحكة رقيقة لا انقطاع لها، شفتاه وهو يتكلم لم تتوقفا عن الارتجاف لحظة.. وأسنانه لاح لي كأنها تهشم بهدوء بلورا رهيفا لتحدّد أطرافه، لهذا لم يعده قريبي شريرا بل شخصا مسليا.. يتحرى دقّة مضحكة في كل ما يقوله أو يحاول أن يقوله، فسأله.. وسأله .. وسأله .. وراقت لنا صحبته فأطلناها بقدر ما سمحت المسافة.. هذا الذي معظم كلامه ضحك رقيق مرقق.. كيف له أن يدس المعنى في ثنايا روح الضحك التي هو مفطور عليها؟ وكيف للعالم العبوس أن يفهمه؟ المعنى العبوس الجامد الذي يرغب العالم في سماعه ولا يفهم غيره..؟
بعد أيام معدودة، عاودتني المخاوف التي زرعتها فيّ أمي وأختي وعمتي وعمي وخالي، الذين أغلبهم سمر لدرجة الاسوداد الكامل.. ” اذا شدك الاس..ود يذب..حك “.. في الطريق رأيت أحدهم سالكا نفس الطريق بمفرده نحو المدينة، فحدت عن الطريق وسرت في ثنية متربة.. بعيدا جدا عن الطريق وعن الرجل.. ناسيا حتى مخاوفي القديمة من ” بير الشعار ” الخربة المرعبة. فاخترقته جريا، حتى التقطتني ” عربة الزّهّار ” الانيقة الرشيقة التي يجرها حصان سريع. وعند مستوى مدخل المدينة، على مسافة كيلومتر من المدرسة، اصطدمنا بذلك الاسود الطويل.. فأوقف صاحب العربة مركبته وناداه للركوب معنا.
لحد يومنا هذا، لا تكاد تتعدى معرفتنا بشعوب جنوب الصحراء، ولا ما نتقاسمه معهم، ما عرفته وعرفه قريبي عن لغة أهل سنغالو من ذلك الشاب الذي صادفناه في الطريق، رغم مضي أكثر من خمسين عاما على الحادثة. ما يؤشر إلى عطب عميق في علاقتنا بامتدادنا الافريقي. وأن عند أطراف ذلك الحاجز الطبيعي الذي يفصلنا عنهم، نمت، مثل الاعشاب السامة، المغالطات التي غذت نعرات التفوق الوهمي في ساكنة البر التونسي، عطلت كل محاولة ” لأنسنة” تمثلاتنا عن شعوب جنوب الصحراء، وانتهى بنا هذا لاكتشاف أن نظرتنا لهم هي في الحقيقة أشد عنصرية من نظرة الاوربيين،
……………………………………………
3
محاولة لربط المعطيات ببعضها :
– الاتحاد الاوربي ممثلا في رأس حربته ميلوني يستنهض أكثر نوازعه وخططه خبثا، ويرشو تونس بمبلغ مالي، لتقبل أن يتم اتخاذها حاجزا حديديا في وجه تدفق المهاجرين نحو أوروبا .
– اوروبا في مفاوضاتها مع بلدان الحوض الجنوبي تنطلق دائما من نقطة حماية مصالحها فقط. وإبعاد المهاجرين بأي طريقة. أسلوبها هو الاغلاق ولا شيء غيره. في الوقت الذي تريد في المقابل بقية العالم سوقا مفتوحة لها.. بينما جنّتها الشمالية مقفلة على اهلها، ودول الجنوب عسسا لذلك الرفاه .
-قيس سعيد يقول أن المهاجرين اخوتنا وكلنا أفارقة، لكن الحل لن يكون على حساب تونس ..
ما هي حسابات تونس ترى؟ وما رؤيتها حيال تدفق المهاجرين؟ هل هي بالنسبة لنا مجرد ظاهرة، أم مؤشر تحول تاريخي في مختلف الموازين الديموغرافية والاقتصادية؟ وينبغي فهمها على أنها فعل مقاوم، عمل استعادة، وثأر لنهب تواصل على مدى قرون من التاريخ. انتهى بتجريد الانسان من حس انسانيته. لكن لم يفقده حس الثأر وشعوره الدامي المرير بما سُلب منه. الغربيون لا يصغون لنا ولا يهتمون بأن يوجهوا لنا أي خطاب. وعندما نكون نحن “موضوعهم”، يعتمدون أكثر أشكال الخطاب استهتارا. لأن احتكامهم النهائي هو للقوة وحدها. المهاجرون هم ” الغزاة الجدد ” من بدو الجنوب الذين يقومون، في حدود ما يملكون من امكانيات، بغزو معاكس واحتياج مضاد. حفاظا على الحق في الحلم بحياة، سلبها اياهم النهب الغربي.
هل الحل بالنسبة لتونس هو إعادة المهاجرين لوجهتهم التي قدموا منها والخلاص منهم؟ أم مساومة اوروبا على المزيد. والمطالبة بمبلغ أكبر مقابل توطينهم.. أم تركهم يمرون نحو الشمال وتحميل النتائج لأوروبا؟ ام اعتماد مأساة الهجرة منطلقا لرؤية أشمل لمستقبل العالم.. حيث أساس التعامل مع اروبا ينبغي أن يكون قائما على ادانة تاريخها وتحميلها كل المسؤولية. ولو انتهى الأمر بخوض حرب معها.. نعرف يقينا أنها لن تكون قادرة على تحملها.. عندما يكون منطلقها إطلاق أكبر موجات للهجرة لتجتاح حدودها الجنوبية الرخوة .
الأكثر ” حكمة ” وبراعة في التكتيك واستثمار المأساة التاريخية للمهاجرين، التي صنعتها الغطرسة الغربية وجنون رأس المال الذي خرب العالم.. سيحقق فوزا مؤقتا.. كالذي اعتقد جازما ان قيس سعيد يمضي نحوه.. أي مزيد من التمويلات لمشاريع تنمية وهمية، مقابل صرامة أكبر تجاه المهاجرين. مشفوعة بخطاب ” أخوي ” مخاتل، تقوضه دائما تلك ال” لكن “.. نعم انتم اخوة لنا.. لكن لتونس ظروفها.. هكذا سيمضي الخطاب.. ليقوم ذيله بالتهام رأسه، هل لتونس حقا ظروفا مختلفة عن ظروف المهاجرين؟ وصانعا لمآسيها مختلفا عن صانع مآسيهم هم؟
……………………..
قَطَعَ الاف المهاجرين الصحراء حتى بلغوا تونس، باعتبارها النقطة الاقرب لأوروبا وهم لا فكرة لهم عن كلفة العبور للضفة الاخرى وكيفيتها، وادارة المفاوضات لتحقيقها، ووجدوها تعجيزية من قبل مافيا الاتجار بالبشر.
شعروا بعد ذلك العناء الرهيب الذي احتملوه وهم يقطعون الاف الكيلومترات في بيئات موحشة معادية لهم، أنهم علقوا في شباك خدعة كبيرة، اشتركت في نسجها مافيات الاتجار بالبشر والمستفيدين من هجرتهم ومن قدومهم ومن عبورهم، من المتربّحين من جميع المآسي. والمحولين لها الى فرص لتحقيق الكسب الطائل، وهؤلاء مثل حيتان القرش وأفظع منها، يرابطون في انتظارهم لمص دمائهم على كلا من الضفتين للمتوسط. .
الابله وحده من يصدق أن مهاجري جنوب الصحراء جاءوا لتونس بهدف البقاء فيها، أو كما يسمونه بذلك الاسم المثير للسخرية والغيظ: الاستيطان الإجصي، هدفهم العاجل والاساسي هو اروبا. مهاجرو جنوب الصحراء لا شأن لهم بتونس ولا بأزماتها.. الذي فعلوه.. وعن غير قصد منهم. أن حضورهم فتح العيون على دمالات رهيبة تنخر هذا المجتمع. وعلى أفق نعرفه جميعا لإنهاء المحنة، لكن الجبن وحده يمنعنا من الذهاب اليه.
هذا الافق هو الصدام المباشر مع اروبا بفتح أبواب الجحيم عليها. بإغراقها في موجات عاتية من الهجرة والمهاجرين. بتوفير كافة أشكال الدعم لهم ليعبروا حيث يشاؤوا. فليس هناك أرض محرمة على محروم. هؤلاء هم الفاتحون الجدد الذين جاءوا ليستردوا شيئا مما انتزعته منهم تلك القارة المجرمة.
إذا أردنا الخلاص مرة واحدة من محنة التدفق ومن محنة الارتهان لمشيئة اروبا فعلينا أن نكون كما رغب المهاجرون بالضبط: أرض عبور لا أرض لجوء.
اروبا بحاجة لحالة اجتياح وتدمير كبيرين، تحدثهما أمواج هجرة عارمة تقدم عليها جموع من المحرومين. من تونس ومن بلدان جنوب الصحراء، تلغي ذلك السياج الذي اقامته حول نفسها لحماية رفاهيتها.. وتلغي الوهم الساكن في رأسها أن بإمكانها الاستمرار في التمتع برفاهيتها في عالم أربع اخماسه من المحرومين.
الساخطون على قدوم المهاجرين، هم تلك الملة التي نعرفها: البورجوازية القذرة التي تعاف حتى وجود بقية التونسيين معها على أرض واحدة وتحت سماء واحدة. والمرتعبة من تلاشي امتيازاتها بفعل غضبة أوروبية عليها، لتقصيرهم في قمع الحشود القادمة ومنعها من اقلاق ربة نعمتهم التي تغدق عليهم السيارات والكماليات والرحلات والاموال الطائلة. هؤلاء هم الداعون لذلك الخيار المتوحش: القيام بحملة إعادة المهاجرين من حيث أتوا. ولا يدرون أن الخط الذي سلكه مهاجرو جنوب الصحراء هو خط ذهاب دون عودة.. الا اذا كانت عودة للموت.. فأي مربع يخترقه المهاجرون ينغلق خلفهم ويستحيل العودة اليه الا جثثا هامدة.
عدا هؤلاء.. لا أحد من مساكين تونس يصدق شيئا من حكاية الاستيطان أو يفكر أنهم سينازعونه يوما كسبا هو نفسه لم يملكه.. هم فقراء يستجيرون بفقراء وقعوا عليهم صدفة في طريقهم ليساعدوهم على المرور لا غير. وفقراؤنا يتلهفون على المرور بدورهم. لا احد اطلاقا يرغب فيك يا تونس، الهدف هو دك اروبا دكا وانهاء كذبتها المستمرة منذ 5 قرون.. فطيبي نفسا.
………………………..
اننا نصدق تماما أن نظام قيس سعيد مهتم حقا باستقلالية القرار الوطني ويرفض الاملاءات من الخارج.
ما الذي يدفعه اذن للقبول ب”ترهدين” ميلوني؟ التي زارت تونس أربع مرات في عام واحد، ولماذا يريدنا أن نقبل رشاويها ونكون كلاب حراسة لحماية حدودها الجنوبية وحدود أوروبا من تدفق أمواج المهاجرين من جنوب الصحراء.. هؤلاء المهاجرين هم ابناء افريقيا، ونحن بلد في افريقيا وجزء لا يتجزأ منها، ولا أفق لنا غير الأفق الإفريقي، والمثل البوركيني الناصع الذي قدمه حفيد سنكارا، عندما طرد الاحتكارات الغربية وحرمها جميع ما كانت تتمتع به من امتيازات، يؤكد أن فك الارتباط مع الغرب وانهاء دوامة القروض ليس مستحيلا إطلاقا. ولأيّ من أبناء افريقيا كل الحق في أن يأتي ويقيم بيننا.. واذا رغبوا في العبور لأوروبا، واعتبرت اوروبا عبورهم تهديدا لرفاهيتها، فتلك ليست قضيتنا وذاك ليس شأننا؟ نحن نعرف أن اوروبا كاذبة ومجرمة لعينة ولا يأتي منها غير الشر، فلماذا نعرقلهم ونعتقلهم لرغبتهم تلك، ونشحنهم بشكل مهين في الحافلات ونعاود إطلاقهم في الصحراء ليهلكوا عطشا وجوعا.
عبورهم لأوروبا هي قضية بينهم وبين أوربا، دين قديم عليها أن تسدده لهم عاجلا أو آجلا، ولا دخل لنا فيها إطلاقا. وليس ذنبنا أن تونس تقع في أعلى الأنف الافريقي الذي لا يكف عن الزفير ولفظ أهله، لأن اروبا طوال تاريخها لم تفعل غير افساد الهواء الذي يتنفّسه، وفي موقع مطل عليها وممر مثالي يؤدي اليها.. طالما اروبا لا تنوي تسديد ديونها وفهم معنى ممارسة الثأر التاريخي.. وتتحصن بالقوة والتهديد لمواصلة الإفلات من العقاب، فأقل ما قد يبرهن به نظامنا الحالي على عدم خضوعه لإملاءات ايطاليا، هو أن يتصرف كأنه لا يرى ولا يسمع، أليس دائما يقول لنا أن ثمن الاستقلالية باهظ؟ فيدع المار يمر وطالب الثأر يأخذ بثأره.. ولتمطري كما تشائين، أيتها السماء.
