بهاء هو شابّ غزّاوي، يُصارع الاحتلال والاكتئاب الحاد. يُمكن له أن يكتب قصّته بشكل أفضل بكثير ممّا أفعل. له من التجربة وسلاسة الكتابة وجمال الأسلوب وخفّة الدم ما يكفي ليكتب أسطورة وملحمة ورواية. ومن هنا، لأن يفعل صاحبي، هذه مجرّد كلمات بسيطة لا غير.
هو رجل في أواسط العمر، قمحيّ البشرة، لفحته شمس غزّة الساطعة مرارًا حتى تسرّبت أشعتها إلى مسامه. عريض الكتفين، ممتلئ الجسد، صيغ من بقايا صخر البنايات المتهاوية، ومن أشلاء أصدقائه ودماء رفاقه الذين فارقهم خلال الطوفان وقبله. غليظ اليدين، له تشققات جذع الزيتون الفلسطيني على كفّيه، ولا تجاعيد على وجهه، رغم قسوة الحياة تحت سطوة القصف المتواصل والركام المتناثر.
لـبهاء صوت أجش، ينازع الرياح حين تأتي، ويغنّي عنها حين تذهب، فيتردّد صدى القصّة ويختلط مع آلاف القصص الأخرى، فتنتج أحلام الجماعة. لحيته كثيفة، مائلة للاصفرار، تنمو من التعب، وتُسقى بالدمع وبالدم.
لم أقابل بهاء يومًا، ولكنّي أتخيله كما وصفت: رجل من رجال حنّا مينا، بحّار من بحارته الأشداء. أولئك الذين لا تروضهم الزوابع بل تصقلهم، ولا تقتلعهم العواصف عواصف الصهيونية بل تزيدهم حبًا لليابسة وعشقًا للبحر، وتزيد من تجذّرهم في الأرض، وتُثبّت انتماءهم لفلسطين.
“رح نعمرها يا صديقي.. أنا عن نفسي مش حنتحر قبل ما تتعمّر”،
هكذا طمأنني بهاء في إحدى المحادثات البرقية، مازجًا بين الجدّ والمزح.
لمن لا يعرف قصّة الاكتئاب وأدويته، لمن لا يعرف مرارتها، هي لا تمت للعلاج بصلة. ولك أن تسأل أيّ مكتئب مواظب، وكم هم كثيرون في سوق الربح الرأسمالي البشع. لا تمتّ للشفاء بعلاقة، هي أدوية للإدماج أو لإعادة الإدماج داخل هذا الجنون الذي يحيط بنا جميعًا. هي تعطيل لعملية الاحتجاج القصوى، وهي منع من الوصول إلى الذروة. وهي أيضًا الحاجز الواهي بين التّعقّل والانهيار، إن صحّ تعبير الهاوية أصلًا.
ولمن لا يعرف قصة الانقطاع الطوعي عن الدواء، له أن يسأل عن ذلك الحدث الداخلي الصامت الذي ينجرّ عن القرار.
لكن في غزّة، يصبح الانقطاع عن مثل هذا الدواء فقدانًا لا رغبة. ارتطامًا عنيفًا، وانفجارًا هائلًا يتبخّر ويخفت تحت وطأة ما ترسله الـ F16 والـ F35 الوحشيّتان. لتصير الحرب حربين:
– حرب تسبّب الفقد وتنثر الأشلاء،
– وحرب تقودك نحو المشي حافيًا على زجاج الأفكار الهش، ونحو التنفس الضحل.
وصديقي يخوض الحربين معًا، لذلك أكتب عنه، لذلك أحبّه، ولذلك أخجل منه.
أريد أن أقتسم معه علبة الـ”ديباكين” اللعينة، أو أن أرسل له “الليثيوم”، وكثيرًا من الكلام، كما يُسلّح الأخ أخاه، وكما يدافع الرفيق عن رفيقه، وكما يؤازر الصديق صديقه.
أما أنا، فأعجز عن كلّ هذا.
وأما نحن، فنعجز عن إرسال الصواريخ ومضاداتها.
لذلك أخجل من بهاء، ولذلك نخجل من فلسطين.
قادني هذا الخجل إلى عدم الردّ على رسالتيه الأخيرتين قبل شهرين تقريبًا.
وهو لا يطلب فيهما شيئًا مني. فبهاء لا يطلب، بل يُعطي.
هو يتطلّع إلى الحديث والرفقة والأنس.
يا لهذا العار! ويا لهذا العجز!
قبل أيام معدودات، كتب هذا الأسمر:
“كان عليّ أن أموت صغيرًا”،
ليُلحق هذا النداء القصير الصادق بتدوينة مطوّلة، مفادها استسلامه للاكتئاب بعد صراع عشر سنوات، وتوقّفه عن تناول الأدوية، ورفضه، في وقت سابق، للعلاج بالصدمات الكهربائية.
أما أجمل ما جاء به وسط الكلام فهو أنه: “ليس ضعيفًا، وهو أقوى من جميع من يُخَيّل إليهم ذلك”
رغم هشاشته النفسية.
وحتى لا ينزلق النص نحو الإنسانوية البائسة واستدرار الدموع، وهو أمر لا يليق بهؤلاء، يجب أن أؤكّد:
بهاء هو غزة، وغزة هي بهاء.
قد تكتئب أحيانًا، قد تمرض، قد يتخلى عنها الجميع كما هو الحال،
لكنها غزة. ترادف الحياة، فلا تموت، وتكثّف الإنسان، فلا تفنى.
“قد يكسرون عظامها
قد يزرعون الدبابات في أحشاء أطفالها ونسائها
وقد يرمونها في البحر أو الرمل أو الدم
ولكنّها لن تكرّر الأكاذيب
ولن تقول للغزاة: نعم
وستستمرّ في الانفجار
لا هو موت، ولا هو انتحار
ولكنّه أسلوب غزّة في إعلان جدارتها بالحياة”
— محمود درويش
مرّة أخيرة، لماذا أكتب عن بهاء؟
لأنه لم يلقِ مسؤولية البشاعة على المقاومة يومًا.
لأنه، وهو الشيوعي فكرًا ومشروعًا، لم ينهش لحمها حين فعل الجميع.
لأنه العاقل وإن قال: “أنا المجنون”،
ولأنه الشجاع، وإن قالوا: “الضعيف”.
لأنه غزّة، وفلسطين.
قدر لا متناهٍ من الحلم، وانحياز لا ينضب للإنسان.
أبو صالح الغزاوي


