في تاريخ ثروة بريطانيا 2: من الثورة الصناعية إلى التجارة الحرة

18/05/2025
Whatsapp image 2025 05 18 at 10.10.36 1349a652 (1)

ليس موضوع هذا النص نقاش الثورة الصناعية في حد ذاتها ولا هو يتسع لتناولها بشكل مطول. سيكتفي بتبديد بعض الأوهام حولها. كان الفهم الأولي لهذه الفترة نوعيا أكثر منه كميا: صعود القطاع الصناعي من ناحيتي الإنتاج والتشغيل؛ صعود قطاع لصناعة الآلات المستعملة في هذا القطاع الصناعي؛ تزايد تقسيم العمل وصعود المعامل نسبيا رغم استمرار وجود الورشات الصغيرة إلخ. بهيمنة نمو الناتج الخام (ن.د.خ) كمقياس حاسم للتطور الاقتصادي (خصوصا منذ الحرب العالمية الثانية)، حاول المختصون أن يبينوا أن الثورة الصناعية فترة نمو سريع ودرسوها كذلك. منذ السبعينات تعرض هذا الفهم لهجوم شامل، إذ بينت دراسات وتقديرات عديدة أن الفترة المعنية (1780-1830 تقريبا) ليست فترة نمو سريع بل على العكس من ذلك [والرشتاين] [موكير][1]. أدى ذلك بالبعض لتصفية مفهوم الثورة الصناعية تماما واعتبار التغيرات التي شهدتها بريطانيا ومراكز الرأسمالية عموما كعملية طويلة الأمد انطلقت منذ بداية تشكل الرأسمالية في القرن السادس عشر، لا تمثل فيها هذه الفترة تغييرا اقتصاديا مفصليا. يعود توافق المختصين اليوم (داخل الأرثودوكسية المهيمنة على الأقل) إلى فهم نوعي من جديد: إن لم يعد محل شك أن هذه الفترة ليست فترة نمو سريع، فإنها فترة تحولات اجتماعية ومؤسساتية وديمغرافية إلى غير ذلك، عبّدت الطريق أمام النمو المهم الذي سينطلق في النصف الثاني من القرن 19 [موكير]. هذا لا يمنع أن قطاعات معينة شهدت نموا مهما في حجم الإنتاج وفي إنتاجية العمل وعلى رأسها قطاع النسيج وخاصة نسيج القطن الذي كان مركز التطورات التكنولوجية التي شهدتها هذه الفترة. لكن الحصة النسبية الضئيلة (رغم تطورها السريع) لهذه القطاعات من الإنتاج الإجمالي منعتها من جره في حركة نموها [موكير] [هودسون] [برولاند].

يتواجد مفهوم الثورة الصناعية نفسه إذن محل جدل وبقدر صعوبة تحديد ماهيتها بدقة يصعب حصر أسبابها المباشرة. لكن هذا لا يمنع من فرز بعض الأسباب كفرضيات معقولة (لا يمكن بالضرورة تبيين علاقتها المباشرة وتقدير الوزن النسبي لكل منها وتحديد طابعها الحاسم من عدمه) وبعض الشروط الضرورية التي يصعب في غيابها تصور أخذ التطورات نفس المجرى. لعل أهم هذه الشروط الضرورية والذي يخرج تفصيله عن إطار هذا النص هو الإمبراطورية التي شكلتها بريطانيا بالاستعمار (رغم خسارة الولايات المتحدة الأمريكية) وعلاقتها بالحاضرة [والرشتاين] [هوبسباوم]. لا يمكن تصور ارتفاع الاستثمار (خصوصا في آلات صناعية) وتطور القدرات الإنتاجية واتساع الإنتاج دون سوق واسعة توفر طلبا كافيا على البضائع ليجعل هذه الاستثمارات مربحة ومغرية لرأس المال. لا يمكن بنفس الشكل تصور كل هذا دون تزود مستمر وزهيد بالمواد الأولية وعلى رأسها القطن (الأمريكي والهندي) وغذاء العمال مثل السكر والشاي والقهوة. في نفس الصدد لعب تطور إنتاجية الفلاحة دورا ضروريا في توفير عمال صناعيين. إلى جانب مساهمة تجميع وتركز الأراضي شهد القرن 18 تطوير تقنيات واختراع أدوات فلاحية جديدة، ما جعل البعض يتحدث عن ثورة فلاحية مهّدت للثورة الصناعية [والرشتاين] [س. آلن].

لم تلعب الاكتشافات العلمية الكبرى – ميكانيك نيوتن مثلا – ولا النماذج الرياضية المعقدة كما نعرفها اليوم أي دور تقريبا في الثورة الصناعية. بل إن اعتماد الحساب والقيس الممنهج لقيم مثل الإنتاجية ومردودية الآلات ومولدات الطاقة، لإرشاد عملية تجربة وخطأ وتحسين تدريجي، كان المحرك الأساسي للتقدم التقني في هذه الفترة [موكير].

بالعودة إلى موضوع سلسلتنا، يجب الإقرار أن القطاعات التي شهدت أهم التطورات في هذه الفترة – القطن بالأساس والنسيج عموما والحديد والآلات الصناعية بدرجة أقل – لم تكن احتكارية أو متركزة، ما لا يعني أنها كانت تنافسية بالمعنى النيوكلاسكي أو مفتوحة للمنافسة الأجنبية. “لا شيء أقل دقة من القول إن مصانع القطن الإنقليزية نمت من دون دفاع اصطناعي في وجه المنافسة الأجنبية… بقي توريد القطن المطبوع، من أي مصدر، ممنوعا. لا يمكن أن تكون حماية أكثر كمالا، إذ أعطت للصناعيين احتكارا حقيقيا للسوق الداخلية… ولم تكن فقط السوق الداخلية مخصصة لهم، بل تم اتخاذ خطوات لمساعدتهم في كسب أسواق خارجية. تم إعطاء منحة على كل لفة قطن أو موسلين […] إتُّخذت إجراءات شديدة لمنع تصدير الآلات الجديدة للبلدان الأجنبية… إن كان صحيحا أن قطاع القطن يمثل حججا لصالح عقيدة دعه-يعمل فلا يمكن حتما إيجادها في الفترة الأولى” [والرشتاين]. من جهة إذن “حمت الديوانة صناعيي النسيج البريطانيين من الكتان الإيرلندي والقطن الهندي، وصناعيي الحديد من الحديد السويدي الرخيص” [هارلي، 1]. من جهة أخرى، يفسر بات هودسون “التنوع في التنظيم والبنية بالتأكيد على الطريقة التي أنتج بها التأقلم مع الظروف المحلية صيرورات مختلفة في حين منع التنافس المنقوص وردات فعل متنوعة على تكاليف التعاملات العالية، التوجه التنافسي نحو شكل قطاعي أوحد. شجعت ظروف أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر مسارات تطور مختلفة، وفي الغالب محلية جدا وخصوصية لكل قطاع ومرتكزة على آليات متنوعة لتقليص المخاطر” [هودسون].

نظرا لصغر أغلب وحدات الإنتاج عادة ما يهيمن التجار عليها “عموديا”. من ناحية يورد تاجر (أو شركة تجارة) كبير المواد الأولية اللازمة وفي بعض الحالات يقرض المنتجين لتحسين أدوات إنتاجهم إلى غير ذلك. جزء مهم من هؤلاء المنتجين هم عائلات فلاحية (في القرى المجاورة) في طور “البلترة” (بروليتارية أولية أو شبه بروليتارية) لم يعد مدخولهم الفلاحي يكفيهم أو دفعتهم محاصيل سيئة للعمل موسميا في النسيج[2]. يجمع من ناحية أخرى نفس التاجر المنتجات النهائية ويقوم بتسويقها[3]. يوجد إلى جانب المنتجين الصغار أقلية من التجار الكبار المندمجين عموديا في الإنتاج أو في الاتجاه المعاكس منتجين مندمجين في التجارة.

وإن كان للتنافس مكانة معينة خلال الثورة الصناعية، فيجب القول إنه لم يكن عموما تنافسا “حرا” وأنه على كل حال بعيد عن مفهومه النيوكلاسيكي الضيق: “شجعت مؤسسات [اجتماعية وسياسية واقتصادية وثقافية] ذات أسس جهوية المشاريع على التنافس في ابتكار المنتوجات والعمليات [الصناعية] بدل […] الأسعار والأجور”. كما أن نجاح صغار الحرفيين غالبا ما استفاد من “تطور أشكال الإنتاج التعاوني في بعض العمليات التي يستحسن القيام بها بالجملة […] عجلات الرحي العمومية في شيفيلد والشركات التعاونية في المعالجة المركزية في قطاعات المعدات في برمنغهام التي كانت توفر المواد الأولية من النحاس والنحاس الأصفر”.

بالنظر لطبيعة النقل وانتشار المعلومة ونجاعتهما الضعيفة كانت الأسواق إذن منقوصة جدا، خصوصا في المستويات “ما-بين-الجهوية” أي الوطنية والعالمية. كان أصحاب المشاريع يعتمدون على شبكاتهم وعلاقاتهم (لا يخفى أحدا أن هذا هو الحال إلى اليوم في جميع أنحاء العالم). كانت العلاقات الشخصية عبر العائلة والأصدقاء ومجموعات رسمية أو غير رسمية من رجال الأعمال توفر المعلومات والتمويلات وتضمن الثقة في المعاملات في وقت كانت فيه قدرة الدولة على معاقبة الغش ضعيفة وتكلفة التتبع القانوني عالية. كما كانت الأقليات والمجموعات الدينية تلعب دورا مهما في هذه العلاقات الشخصية مثلا عند الكوكريين (quakers) الذين كان ينتمي إليهم بعض أكبر رجال أعمال بريطانيا. كان أفراد هذه المجموعات بالإضافة إلى علاقات الصداقة التي يبنونها يتزاوجون فيما بينهم. يسهل ذلك الاقتراض ويخفض تكلفة جمع رأس المال بالإضافة إلى تبادل المعلومات الاقتصادية والتكنولوجية.

لكن هذه الممارسات لم تكن حكرا على المجموعات الدينية. منذ صعود المدن الصناعية هيمنت البرجوازية على الإدارة البلدية والجمعيات الخيرية والحياة الاجتماعية والثقافية لأغلب هذه المدن. كما زادت الجمعيات والنوادي في تشكيل لحمة هذه النخب الاقتصادية الجهوية. تعاين عديد البحوث علاقات قرابة شخصية وثيقة – عائلية وزوجية – في امتداد واسع من الشراكات الاقتصادية. “استثمروا المال فقط في المشاريع حيث كان زملاؤهم من المستثمرين معروفين شخصيا ويعتبرون محترمين ومحل ثقة […] كانت الأنشطة الجماعية والمفاهمات التواطئية بكل أنواعها منتشرة على نطاق واسع. كانت هناك منظمات قطاعية جهوية وعبر-جهوية واتفاقات تسعير في مجال من القطاعات من بينها التبغ والتأمين وصناعة الجعة والدبابيس والورق. التعاون بين الشركات والفعل الجماعي الهادفين لتقليص المخاطر وتخفيض تكاليف المعلومة والعمل جعلا القطاعات أفضل اشتغالا وأكثر ربحية دون الحاجة للإدماج الرسمي للمشاريع“.

“يبلور ‘سوق’[4] رأس المال والقروض في الفترة، الاشتغال العملي وأهمية المؤسسات والشبكات خاصة في أطر جهوية. كان سوقا اجتماعيا مبنيا في مغلبه على علاقات وجها لوجه [أي شخصية غير موضوعية] ومعرفة شخصية والسمعة والإجلال والثقة كلها بمساعدة أعراف وفهم مشترك وبأنماط تقديم للنفس وضيافة وتواصل معتمدة وغالبا ما تأخذ شكل الطقوس […] طُوِّرَتْ البنوك الخاصة في المناطق الصناعية كملحق للصناعة أو التجارة وكانت أنشطتها في خصم الفواتير والإقراض قائمة على الشبكات الاجتماعية وشبكات الأعمال التي نشأت منها […] عكست البنوك بالحصص المشتركة التي تطورت في الجهات الصناعية بعد 1826 وخدمت بنفس الطريقة مجموعات رجال الأعمال التي انبثقت عنها. كان هنالك بعض الاستثمار ‘الأعمى’ [أي على أسس موضوعية خارج الاعتبارات الشخصية]، لكن الولوج للمحامين والبنكيين كان، إجمالا، خلال هذه الفترة يعتمد أكثر على الشهرة والمحترمية في الأوساط الاجتماعية وأوساط الأعمال التي يتحرك فيها الصناعيون […] فعلا كثيرا ما كان الشركاء وأصحاب الحصص أنفسهم وعائلاتهم وزبائن مشاريعهم المباشرون مقترضيهم المفضلين“.

كان ملاك الأراضي من جهتهم يأجرون “حقوق استغلال المناجم لمجموعات متداخلة من المساهمين [ما] يعني أن مغامري المناجم كان لهم مصلحة أكثر في الربحية الإجمالية للمقاطعة بدلاً من الشركات الفردية. من خلال تجميع الخبرات المتراكمة وتجريب منوّعات من المقاربات المختلفة، تقدم التغيير التقني بسرعة، حيث تضاعفت كفاءة مضخات المحرك بين عامي 1821 و1844، […] كانت الاختراعات والابتكارات الجماعية تميل إلى الاستجابة لأسعار العوامل في المنطقة أو المحلية التي تمتد عليها المعلومات والجهود الجماعية” [هودسون].

كانت الدولة حتى صدور القانون العام للشركات ذات المسؤولية المحدودة[5] في عام 1844، ترخص لها عبر ميثاق خاص بكل منها يحدد اشتغالها وامتيازاتها والتزاماتها. كان البرلمان مثلا يرخص لبعض مشاريع إمدادات المياه ويرفض تأسيس البعض الآخر. فكان “يحدد مستوى التنافس في المجال عندما يقرر منح احتكارات جهوية من عدمه” [هاريس].

صدر ثروة الأمم سنة 1776. كتب فيه آدم سميث: “لم يكن الطموح النزوي للملوك والوزراء، خلال القرن الحاضر والسابق، أكثر فتكاً بسلامة أوروبا من الحسد السفيه للتجار والمصنعين. عنف وظلم حكام البشر شر قديم، له أخشى أن طبيعة الشؤون البشرية لا تسمح بوجود علاج. ولكن الجشع الشرير، وروح احتكار التجار والمصنعين، الذين ليسوا ولا يجب أن يكونوا حكام البشر، على الرغم من أنه قد لا يتم تصحيحه، يمكن بسهولة جداً أن يتم منعهم من إرباك سكينة أي شخص إلا أنفسهم”. منذ ذلك الحين لم يتغير الشيء الكثير على هذا المستوى. ما لا يعني أن كتابه التاريخي كان محل تجاهل بل إنه لقي بالعكس صيتا كبيرا بما في ذلك في الأوساط الحاكمة إلى جانب المعارضة “الجذرية”[6]. لكن الغريب الذي يجب تفسيره هو تبني البرجوازية، التي لم يدخر عبارة في لعنها، أفكاره.

“خاطب ‘ثروة الأمم’ مباشرة المصلحة الأنانية لأصحاب الذهنية التجارية من الناس؛ تفكُّره الجميل هو فقط عامل ضئيل في نجاحه. إذا كان التجارة الحرة يكافئ النجاعة، فمن الطبيعي أن يعطي أسبقية لأولئك الذين هم، مسبقا، أكثر نجاعة أو لديهم الموارد ليصبحوا كذلك بسرعة. زادت التطورات الصناعية خلال الربع الأخير للقرن الثامن عشر بشكل واسع في الأسبقيات الاقتصادية الهامة بطبعها. بيّن ‘ثروة الأمم’ كيفية تعظيمها”. كما “كانت لبرلة التجارة لتفضّل إلزاما المنتجين الأكثر نجاعة؛ الالتزام اللاحق لبريطانيا بالتجارة الحرة لا يمثل بأي شكل اعتناقا فكريا لعقيدة مقنعة. كان الصناعيون البريطانيون يساندون حصانا لا يمكن أن يخسر“. لذلك “نسيت الطبقات الرأسمالية شتائم سميث بما أن العديدين منها كانوا يستعدون للاستفادة من تحرير السوق؛ ولا كانت اعترفت بتبنيه بأكثر أو أقل صراحة لنظرية العمل للقيمة عندما كانت تضغط على الحكومة لعدم تطبيق القوانين الأساسية القديمة التي تنظم الأجور. كان ملاك الأراضي في الغالب فرحين بتحديد السوق لأجور العمال. لكنهم، مثلما سنرى، لن يكونوا مستعدين للقبول برؤية سميث أن ‘حتى التوريد الحر للحبوب الأجنبية لا يمكنه حقا التأثير على مصالح فلاحي بريطانيا الكبرى”.

ليس بعد من الغريب إذن أن أول أبرز المجالات التي طُبِّق فيها الاقتصاد السياسي الجديد هي سوق العمل. منذ تسعينيات القرن 18، رفض كل من البرلمان والحكومة العمل بالقوانين القديمة التي تنظم العمل وإقرار أجور دنيا ومساعدات للفقراء حتى خلال “أزمات غذاء” لأن “ثمن العمل، ككل بضاعة أخرى، يجب أن يُترك ليجد مستواه بنفسه”. في سنتي 1799 و1800 تم تشريع “قوانين الاندماجات”. تمنع هذه القوانين الاضرابات واندماجات (أو تكتلات أو تجمعات) العمال كما كانت تسمى وقتها أي التنظيمات العمالية البدائية (التي ستتطور فيما بعد لتصبح نقابات القرن 19) المطالبة بزيادات في الأجور والمدافعة على المصالح الاقتصادية المباشرة للعمال ضد مشغليهم [إيفانس]. إن من يطرح التنافس الحر والنزيه في الأسواق كمبدأ الاشتغال الاقتصادي الأكثر نجاعة وكضامن للمصلحة العامة لا مبرر له لأن يستثني سوق العمل (أو “الشغل” كما يقولون). من جهتها تمثل النقابات، وهو سبب وجودها أصلا، قوة تشويش لهذا السوق إذ أن مبدأ عملها هو تجميع أكثر ما يمكن من العمال وجعلهم، بدل التنافس فيما بينهم، يتكتلون ضد الأعراف لزيادة أجورهم. يترتب إذن عن أي حد أدنى من التناسق الفكري، أن مناهضة العمل النقابي[7] جزء لا يتجزأ من مناهضة الريع. كذلك، ليس هذا فقط استخلاصا نظريا بل هو واقع تاريخي، إذ انطلق كما يتبين هنا صعود الليبرالية فعليا بمهاجمة تجمعات العمال وتحرير سوق العمل.

يجب هنا توضيح نقطتين. إن كان وصف الاقتصاد الانقليزي بالمركنتيلي إلى حدود نهاية القرن 18 معقولا بمعنى ما، لا يجب توهم وجود جسم نظري مركنتيلي متناسق. كانت الخيارات الاقتصادية الحكومية تستند إليه. “كانت مركنتيلية القرن الثامن عشر خليطا معقدا من أفكار وسياسات. صارت قوانين الإبحار والمعاليم والمنح والحظورات تقريبا مجموعة من القوانين الأساسية من عصر ‘يبدو أن البرلمان البريطاني لا يرتقي [خلاله] إلا نادرا إلى كرامة أطروحة عامة’. حرّك التقنين مبدآن منفصلان: إما كان يحمي مصالحا محلية أو يوفر مداخيلا للدولة؛ في بعض المناسبات كان يوفر كلاهما” [هارلي، 1]. بالعكس إن أعداء النظام الاقتصادي القائم آن ذاك وعلى رأسهم آدم سميث من سموه بالمركنتيلي. كما كانت خيارات الحكومات الإنقليزية محكومة أساسا باعتبارات سياسية استراتيجية في علاقة بالصراعات القائمة بين الدول (إلى جانب المصالح الداخلية للأوليغارشية).

ثانيا لا يجب توهم أن صعود الليبرالية كان سلسا وخطيا ولا كونه بالأساس انتصارا فكريا. دامت إجراءات حماية القطن والآلات من ثمانينات القرن 18 إلى عشرينات القرن 19 على الأقل. لن يتم الإلغاء التام لحظر تصدير الآلات وللمعاليم على القطن إلا في أربعينات القرن. بعد انهيار أسعار الحبوب إثر انتهاء الحروب النابليونية مرّر البرلمان سنة 1815 قانون حبوب أكثر حمائية من سابقه. في نفس السياق “قامت معاليم زمن الحرب العالية على الحطب بتجميع مداخيل وعبر تمييز قوي لصالح حطب الإمبراطورية، بدعم قطاع الحطب الكندي الذي التحق بمزارعي الهند الغربية [أمريكا الجنوبية] كمصالح يتوجب حمايتها. فُرضت سياسات لحماية نفس المصالح القائمة على نخبة بريطانيا السياسية الأرستقراطية: كانوا مذعورين بشدة من الثورة الفرنسية […] إستؤنفت عقلنة بنية المعاليم في السنوات 1820 بحذف الضرائب المتناقضة وغير العملية، لكن حتى هذا البرنامج المتواضع كان بعيدا عن الاكتمال في 1840. عشية المرور إلى التجارة الحرة، كان المعلوم لا يزال معقدا وحمائيا بشكل واعٍ للمصالح البريطانية […] كان المعلوم يحتوي حظورات على توريد اللحم الحي والميت وضرائبا على السكر الذي يزرعه العبيد أعلى بمرتين أو أكثر من سكر المستعمرات البريطانية وتعويضات على الحطب المستعمل في كورنوال أو في الكنائس وثمانين تخصيصا غريبا مختلفا من الجلود […] مع ضرائب متناسبة وضرائب على تصدير الفحم والصوف وأكثر من 2000 ضريبة توريد على مواد تمتد من العقيق إلى الخشب المخطط. لكن كمصدر دخل كانت عديد الضرائب نافلة؛ كانت سبع عشر سلعة من 721 في رزنامة المعلوم تنتج 94.5 بالمائة من مداخيل المعلوم […]” [هارلي، 1]. يؤكد هذا مجددا أن أغلب هذه المعاليم الديوانية كانت تهدف لحماية الإنتاج البريطاني لا لتجميع أموال. فمعلوم لا يحقق مداخيلا يعني أن المنتوج المشمول به لم يعد يورد إلى البلاد.

يشير ما سبق أيضا إلى أن الثورة الصناعية لا يمكن أن تكون بأي شكل نتيجة الليبرالية واقتصاد السوق والتنافس المفتوح والتجارة الحرة. أكثر من ذلك، تواصلت السياسات المركنتيلية خلالها وبعدها وطيلة النصف الأول من القرن التاسع عشر رغم شهرة ومشروعية أفكار سميث في هذه الفترة. ما يكذّب بعض التأريخات الليبرالية المتأدلجة بشكل بذيء، التي تحاول ضمنيا أو صراحة ربط الثورة الصناعية بالليبرالية. “حسب أسطورة بالية، كانت الثورة الصناعية البريطانية ثورة أخذت مجراها في السوق، مُوِّلَتْ برأس مال خاص، وكان الفاعلون فيها أفرادا باعثي مشاريع. لم تلعب الحكومة، التي لم يكن لها سياسة تصنيعية، أي دور مهم في هذه الثورة. بدل ذلك تبنت تدريجيا سياسة دعه-يعمل […] بقدر ما صارت بريطانيا استثنائية فيما يخص دور الحكومة، صار هذا الدور الأدنى أكثر جاذبية كتفسير ممكن لسبب كون بريطانيا سباقة في التصنيع. إن كانت الثورة الصناعية قد أخذت مجراها في دولة في شكل ‘حارس ليلي’، ألا يجب على الاقتصاديين، المُلهَمين بهذا التمثل لجذور الثورة الصناعية، أن يوصوا بتصنيع سوق حر، كوصفة للتصنيع في أوروبا الشرقية والعالم الثالث اليوم؟ كانت هذه النظرة للثورة الصناعية الأكثر شعبية في السنوات 1950 و1960″ [هاريس].

لكن “بعد فحص كتاب القوانين الأساسية حتى 1700، يمكن أن يستخلص الواحد أن بريطانيا كانت منظمة بشكل ثقيل. يجد هنا الواحد قوانينا تنظم الإنتاج (بشكل ملحوظ في قطاع الصوف) والعمل (القانون الأساسي للحرفيين) وحركة الناس (قوانين الفقراء) والنقل بالسفن (قوانين الإبحار) والتجارة الخارجية (إحتكارات متنوعة) ونسبة الفائدة القصوى (قوانين الربى) إصدار الأوراق (ميثاق بنك إنقلترا) ونشاط سماسرة الأسهم (قانون 1697، تم لاحقا تمديده وتوسيعه). لهذه القائمة، يمكن إضافة قانون الفقاعات لـ 1720 الذي نظم تشكيل الشركات بالأسهم. هذه قائمة مبهرة يمكن أن توحي بأن الحكومة كانت مهتمة جدا بالاقتصاد وكان لها سياسة اقتصادية واضحة وكانت قادرة على إنفاذها بوسائل قانونية-تنظيمية. الشيء الكبير من هذا التنظيم تم إلغاؤه في النصف الأول من القرن التاسع عشر. تم إلغاء متطلبات القانون الأساسي للحرفيين لتحديد الأجور والتتلمذ في 1812-13. عوّض قانون الفقراء الجديد قوانين الفقراء القديمة سنة 1834. ألغي احتكار شركة الهند الشرقية سنة 1813. ألغي قانون الفقاعات سنة 1825 واحتكار إصدار الأوراق لبنك إنقلترا واحتكارها كشركة بالأسهم في 1826 وقوانين الحبوب في 1844 وقوانين الربى في 1854 وقوانين الإبحار بين 1850 و1854” [هاريس].

تجدر الإشارة لأن كل هذه القوانين وغيرها لم تكن مطبقة بحذافيرها وكان حتى بعضها متروكا لعدة أسباب من بينها قصر الدورات البرلمانية والجهد الكبير الذي يستدعيه تحيينها. لم تكن الأنشطة الاقتصادية المستجدة مثلا خاضعة للقانون الأساسي للحرفيين. مكّن ذلك مثلا رأس المال من حرية كبيرة في استغلال العمال في قطاع القطن المركزي في الثورة الصناعية. ثورة لم تمنعها رجعية قطاع صناعة القبعات الذي كان خاضعا تماما للقانون القديم. الإشارة هنا طبعا لإحدى سرديات مناهضي الريع التي ترى في انحدار قطاع الشاشية التونسي بسبب قوانينه الرجعية سبب فشل تونس في الدخول المبكر في الاقتصاد الصناعي!

في الاتجاه المعاكس وبالنظر للتطور التكنولوجي والعلمي والطلب المتزايد على أخصائيين مثل الأطباء والمهندسين “قامت أغلب المجموعات المهنية بتأسيس جمعياتها في النصف الأول من القرن [التاسع عشر] كوسائل لنيل منزلة [اجتماعية] والحد من الدخول. أسِّست الجمعية الملكية للجراحين سنة 1800 وجمعية القانون سنة 1825. بحلول 1818 كان للمهندسين المدنيين جسم مهني والمهندسون المعماريون في 1837 والصيدليون في 1841 والمهندسون الميكانيكيون في 1847″ [إيفانس].

منذ زيادة الحماية على الحبوب في 1815 تواترت الاحتجاجات حول غلاء المعيشة والمطالبة بتحرير تجارة الحبوب. تشكلت خلال العشريتين التاليتين جملة من الجمعيات المحلية والجهوية لمناهضة قانون الحبوب. مع كل أزمة أو ارتفاع أسعار الغذاء كان تأثيرها وتنظيمها يتسع. سنة 1839 تشكلت رابطة مناهضة قانون الحبوب لتنسيق مجهودات هذه المجموعات على مستوى وطني. وضع هذا اللوبي لنفسه هدف إلغاء قوانين الحبوب. كان على رأسه صناعيون كبار، فلم يعان من شح التمويلات. أصدر عديد الصحف في مختلف الجهات وكانت صحيفتهم المركزية خاسرة اقتصاديا. ولو تحالفوا مع ليبراليين واستعملوا معجم التجارة الحرة فلم يكن ذلك لا حجتهم ولا قناعتهم ولا محركهم الأساسية. كانوا يعتبرون أن ارتفاع أسعار الغذاء يتسبب في ارتفاع الأجور التي عليهم دفعها مما يمس من تنافسيتهم في الأسواق الخارجية – حجة أقرب لمركنتيلية القرن السابق أكثر منها لللبرالية. رأوا أيضا أن غلاء المواد الفلاحية يحد من الطلب الداخلي على منتجاتهم الصناعية وأن التضييق على الصادرات الفلاحية الأجنبية يقلص الطلب الخارجي على صناعات بريطانيا. بناء على ذلك وجهوا أصابع الاتهام لملاك الأراضي كمتسببين أساسيين في البطالة وغلاء المعيشة وفي “المعاناة المشتركة” (!) للصناعيين والعمال. “استمرت الرابطة في استعمال لغة الطبقات مع حرص متزايد على التأكيد بأن مصالح الطبقات الوسطى [البرجوازية في المعجم الإنقليزي بما أن الأرستقراطية هي الطبقة العليا] والوطن مترادفة”. بنفس المنطق سعت الرابطة لتجنب ربط قضيتها بالصراعات الحزبية على قول قائدها ريشارد كوبدن: “علينا أن نفصل المسألة كليا على السياسة الحزبية” [إيفانس].

“أدى التحول السريع لمركز ثقل بريطانيا الاقتصادي من الزراعة إلى الصناعة إلى ضغوط للابتعاد عن السياسات التي تفضل الفلاحين نحو تلك التي تتوافق مع رغبات قطاع التصنيع. كما تواكبت هذه الاتجاهات العامة مع ظهور الإيديولوجية الليبرالية المستمدة من آدم سميث وخلفائه، التي تركز على فوائد التجارة المفتوحة أكثر وتقليل التنظيمات في الداخل والخارج. عبّد تزامن التغيرات في المصالح الاقتصادية التحتية، وكذلك التحولات في الأفكار التي ترشد العديد من أعضاء الطبقات الحاكمة، الطريق أمام النقاشات التي أدّت في النهاية إلى إلغاء المنح الفلاحية المختلفة ورسوم استيراد وتصدير على الحبوب التي تُعرف عادة بقوانين الحبوب” [ناي].

سنة 1845 ألغى الوزير الأول روبت بيل ضريبة توريد القطن الخام وخفض في الضرائب على السكر. إلى جانب السبب الإيديولوجي – الهيمنة الفكرية لللبرالية الاقتصادية – كان بيل يفضل أن يأتي التغيير من داخل البرلمان وبمبادرة منه بدل أن تفرضه ضغوطات واحتجاجات الحركتين الليبرالية (برجوازية-صغيرة بالأساس) والبرجوازية من خارجه. كان يفضل التنازل الاقتصادي للصناعيين وحلفائهم حفاظا على مشروعية البرلمان وبذلك على السلطة السياسية للأوليغارشية الأرستقراطية. تسبب المناخ السيء في خريف 1845 في أزمة غذائية بالإضافة إلى وباء البطاطا الذي انتشر على امتداد أوروبا. رغم ذلك بقيت أغلبية حزبه، التوريين، مناصرة للحمائية. استقال بيل، ثم عاد للحكم بعد فشل المعارضة في تشكيل حكومة. مرر إثر ذلك في البرلمان إلغاء قانون الحبوب بمساندة المعارضة ومعارضة أغلبية حزبه سنة 1846. “يمثل إلغاء قوانين الحبوب شيئا من المعضلة. غيّر جذريا السياسة حول المعاليم لكن المعاليم في الواقع لم تنزل إلا قليلا ونسبة مداخيل المعاليم على قيمة الواردات بقيت أعلى مما هي في فرنسا إلى 1870“. [هارلي، 1]

على أهميتها الرمزية لم تجعل هذه الخطوة بريطانيا جنة تجارة حرة في ليلة وضحاها ولا أنهت تأثير وأهمية الحمائيين بقيادة ديسراييلي عدو بيل في حزب المحافظين (التوريين سابقا). “لم ينه إلغاء قوانين الحبوب على الفور معاليم بريطانيا. واصلت ضرائب التوريد على بضائع الاستهلاك في توفير حصة واسعة من مدخول الحكومة لكن مبدأ حذف المعاليم الحمائية تحقق ولم يبق إلا التثبيت. ميزانية قلادستون في 1860 ومتصلة بها، معاهدة كوبدن-شوفاليي للتجارة الحرة مع فرنسا، حذفتا آخر بقايا المنظومة الحمائية […] بقيت معاليم على السكر (معقدة بمصالح الهند الغربية والعبودية البرازيلية) والشاي والقهوة والمشروبات الروحية والنبيذ والتبغ مهمة في نظام جبائي يحتوي ضرائب اقتطاع مماثلة على الإنتاج المحلي. استمرت هذه الضرائب مثلما أشار إلى ذلك الفرنسيون فيما يخص النبيذ في تشويش التجارة وحماية بعض المصالح البريطانية” [هارلي، 1].

لم تكن المعاليم الديوانية البريطانية فقط أعلى من نظيرتها الفرنسية إلى حدود 1860 بل كانت تقريبا في مستويات معاليم الو.م.أ. يتحدث تقرير برلماني سنة 1898 على “القائمة الطويلة من السلع التي كانت محظورة تماما من التوريد أو التي يمكن توريدها تحت تضييقات شديدة” والتي دامت إلى حدود السنوات 1830 وبعضها إلى السنوات 1860. كما يقول التقرير أن هذا الحظر كان في بعض الحالات امتدادا للصراعات مع هولندا أو للتأثير السياسي لشركة الهند الشرقية. تشمل هذه القائمة التبغ والسجائر التي لم يتم تحرير تجارتهما إلى 1863. تحررت تجارة السكر الخام سنة 1846 بينما تواصلت حماية تكرير السكر إلى سنة 1874.

Image
صورة 2: المعلوم بالنسبة المئوية من قيمة التوريد [ناي]

عديد المنتجات التي بقيت خاضعة لمعاليم حتى بعد إصلاحات السنوات 1840 هي تحديدا تلك التي كانت محل صراعات تجارية (أي أنه تم تحرير المنتجات الخاضعة لمعلوم كمورد دخل للدولة) وعديد هذه المعاليم هي تحديدا التي ندد بها آدم سميث [ناي].

من جهة النتائج كانت الأمور أكثر تعقيدا مما تصور الليبراليون. في الحقيقة كانت المحاصيل البريطانية السيئة منذ نهاية الثلاثينات تقريبا ظاهرة أوروبية تسبب فيها الجفاف: “يبدو أن أسياد القطن في مانشستر لم يجدوا بأي شكل الإلغاء مفيدا بقدر ما ادّعت الرابطة. أنتجت سنوات التجارة الحرة 1850 أسعار قمح لم تكن جليّة الاختلاف عن السنوات 1830 وأوائل 1840 المحمية” [إيفانس]. من جهته يكتب الاقتصادي س. نيك هارلي في نفس الصدد: “رفع معلوم أول السنوات 1840 سعر المواد الخامة ذات شدة أرضية [أي تمثل الأرض أحد أهم عوامل إنتاجها مثل المواد المنجمية] والغذاء بالنسبة لسعر الصناعات والخدمات مثلما يمكن انتظاره من معلوم مصمم من لجنة ملاك أراض في البرلمان ومفروض على واردات أمة تشتري القليل خلاف المواد الخامة والغذاء من بقية العالم. الأثر الأول للتجارة الحرة بديهي: قلّص حذف المعاليم العالية مدخول ملاك الأراضي مقارنة بمواطنيهم. أخذ الحجاج السياسي في ذلك الوقت كمسلمة أن ما سيخسره ملاك الأراضي سيربحه العمال لأن حماية منتجي الحبوب البريطانيين كانت ضريبة على أساسيات حمية العمال. في الواقع ارتفعت الأجور الحقيقية بحدة بعد السنوات 1840 لكن الريوع الحقيقية لملاك الأراضي لم تسقط إلى الجيل الموالي […] أثّر المعلوم أيضا على حجم الدخل الوطني لكن حتى اتجاه هذا التأثير محل شك. دعاة التجارة الحرة ماض وحاضرا لم يكن لهم أي شك. مثلما يسوء حال فرد يحد من معاملاتها مع بقية العالم، نفسه أيضا حال الوطن. يمكن أن يتحسن حال ملاك الأراضي بمعلوم على الحبوب، لكن بما أنه يتوجب أن يسوء حال الأمة ككل بتوفر أقل للحبوب، فإن الخسارة لبقية الأمة بالضرورة أكبر. لكن الحجة مختلّة. يمكن لمحتكر أن يرفع سعر ما يبيع ومدخوله بكبح العرض؛ ما يمكن أن تفعله بلاد أيضا. أعطت، مثلما رأينا، القيادة التكنولوجية لنسيج قطن والحديد والآلات بريطانيا موقعا مهيمنا خلال الثورة الصناعية لكن التنافس بين الشركات الصغيرة ضمن أن تُقلِّص التكنولوجيا الأسعار بدل أن تزيد في أرباح الشركات. حقّقت معاليم بداية القرن التاسع عشر لبريطانيا بعض منافع الاحتكار في هذه القطاعات الجديدة بالحد من الرغبة البريطانية في قبول البضائع الأجنبية. بما أن بريطانيا كانت المزود المهيمن والشاري الأساسي لعديد الصادرات الأجنبية، تلقى الأجانب أقل ملابس وحديد مقابل صادراتهم وكانت شروط تجارة بريطانيا أفضل مما كانت قد تكون. بالتخلي عن الحماية اختارت بريطانيا بكل كرم [!] ألا تستغل موقعها الفريد كقوة في سوق وسط القرن. للمفارقة، لم تبدأ الحماية في استرجاع جاذبيتها السياسية إلا في نهاية القرن عندما ذهبت إمكانية الاحتكار إلى الأبد. في وقت الحماس الأكبر للتجارة الحرة كانت الحجة المألوفة على الأرجح عكس الحقيقة. قلّص التوجه نحو التجارة الحرة في السنوات 1840 و1850 على الأرجح المدخول الوطني لبريطانيا قليلا” [هارلي، 1].

من الواضح في هذه النقطة من النص، أن المركنتيلية انتهت وأن الليبرالية تقدمت تدريجيا على الأقل في بعض جوانبها وخصوصا في التجارة الخارجية من خلال صراعات عسيرة طيلة وسط القرن 19. إن كانت التجارة الحرة قد انتصرت في التجارة الخارجية بشكل حاسم بدخول النصف الثاني من القرن فماهي الأحوال على “الجبهة الداخلية”؟ بتأكيدها على أهمية الفرد وحريته وحذرها من الدولة وتدخلاتها في الاقتصاد أو غيره من المجالات أكدت الليبرالية على مبدأ عدم التدخل أو “دعه يعمل دعه يمر”. أعطى الليبراليون الكلاسيكيون وعلى رأسهم سميث لهذه المبادئ عقلانية اقتصادية أي أنهم حاججوا أن عدم تدخل الدولة يعطي عموما نتائجا اقتصادية أفضل من تدخلها. مع التأكيد على هذا المبدأ العام عدّدوا الاستثناءات مثل تنظيم قطاع المالية أو حماية الصناعات المتعلقة بالحرب أو قوانين الإبحار عند سميث. لم يكن إذن رفض الليبراليين لتدخل الدولة مطلقا. يمكن تلخيص المسألة بالقول إن الأصل في الليبرالية (الكلاسيكية) هو عدم التدخل وأن التدخلات هي استثناءات يجب تعليلها بالأمن القومي أو المصلحة الوطنية العليا أو السلم الأهلي إلى غير ذلك.

مع تقدم الفلسفة الليبرالية تراجع أيضا فهم الحريات العامة والفردية كحقوق “طبيعية” مثلما توجد في فلسفة المتدين جون لوك مثلا لصالح فهم نفعي مادي يمكن العودة بجذوره إلى دايفيد هيوم. قاد هذا التيار النفعي الصاعد في القرن التاسع عشر جيريمي بنثام الذي، متهكما على اعتباطية الحقوق الطبيعية، وضع كمبدأ للتشريع “السعادة الأكبر للعدد الأكبر”. رغم تبنيها نفس الفردانية والحذر من سلطة الدولة، ومجتمعة مع الاستثناءات والتنازلات العديدة (ومقاصدها) التي قدمها الليبراليون الكلاسيكيون في الاقتصاد، شرعنت البنثامية لتدخل إصلاحي واسع للدولة. مثلما هو الحال مع التجارة الحرة لم تكن هذه التطورات الفكرية في منبعها واشتغالها خارجة عن التطورات والصراعات الاجتماعية التي شهدها القرن.

لم يكن الصراع بين البرجوازية المتوسطة والأوليغارشية الحاكمة[8] على أهميته أهم صراع شهدته بريطانيا. كان صراع الطبقة العاملة الصاعدة مع البرجوازية الصناعية أكثر عنفا ومثّلت حركتها التشارتية (ثم لاحقا الحركة النقابية والاشتراكية) تهديدا سياسيا مفزعا (خصوصا بعد الثورة الفرنسية ثم “ربيع الشعوب” في 1848). أمام هذا الخطر كان من الضروري تقديم تنازلات والقيام بإصلاحات لصالح هذه الطبقة، تمثلت في سلسلة من قوانين المصانع وقوانين المناجم وتشكيل أجسام متفقدي شغل للسهر على تطبيقها. نظّم أول هذه القوانين ظروف العمل وحدّ من ساعات عمل الأطفال ثم النساء سنة 1847 لعشر ساعات في اليوم مع منع العمل الليلي. نظم الثاني قطاع المناجم بأكثر صرامة ومنع النساء والأطفال من العمل في مناجم الفحم منذ 1841. زادت هذه القوانين في تشويش سوق الشغل إلى جانب قانون الفقراء لسنة 1834. حظيت هذه الإصلاحات عموما بمساندة كبار الصناعيين (جزء مهم من قيادة رابطة مناهضة قانون الحبوب) بينما عارضها صغارهم[9].

شهدت الفترة أيضا سلسلة من القوانين في علاقة بالتعليم تدرجت إلى حد فرض التعليم الإجباري بتمويل من الدولة سنة 1880 وقوانينا وتفقديات للملاجئ (المرضى النفسيين) وقوانينا ومجالسا لتنظيم قطاعات القطارات والتجارة البحرية والبناء وحتى المقابر. من الملحوظ أن العديد من تلاميذ بنثام وأتباع فلسفته تواجدوا في مراكز مهمة في اللجان الملكية وغيرها من الإدارات الحكومية. بحلول الثلاثينية الأخيرة من القرن اتسع مجال الإصلاحات الاقتصادية الاجتماعية وتسارع نسقها.

جعلت مثل هذه المعطيات المؤرخ أرثور ج. تايلور يعتبر أن مبدأ “دعه-يعمل” كان بمثابة المكبح أمام تدخلات أوسع للدولة أكثر منه مبدأ اشتغالها. من جهته أرجع دافيد روبرتس أصول دولة الرعاية الاجتماعية البريطانية التي أقيمت بعد الحرب الثانية، إلى هذه الفترة في كتابه “الأصول الفيكتورية لدولة الرعاية الاجتماعية البريطانية”[10]. يجب على كل حال التفريق بين التجارة الحرة والليبرالية الاقتصادية ككل. إذ يؤكد المؤرخ ه‍. سكوت قوردن على الغياب التام لكلمة “دعه يعمل” (الرائجة أكثر من كلمة ليبرالية في ذلك الوقت) من أرشيف النقاشات البرلمانية كما يشير إلى تصريح الوزير الأول بيل بعدم وجود أكثر من حفنة من البرلمانيين من المؤمنين بتطبيق مبدأ دعه-يعمل على المسائل الاقتصادية بصفة عامة. يستخلص على ذلك أن التجارة الخارجية الحرة هي من حققت هيمنة إيديولوجية وليست الليبرالية ككل أو مبدأ عدم التدخل [بول]. هذا ما سيتبين بشكل جلي في الفترة التالية.


المراجع

[إدالشتيْن]: Michael Edelstein – Foreign investment, accumulation and Empire, 1860–1914, in The Cambridge Economic History of Modern Britain Volume II: Economic Maturity, 1860–1939

[آرونوفيتش]: Sam Aaronovitch – The Ruling Class: A Study of British Finance Capital

[ج. ألان]: G. C. Allen – Monopoly and Competition in The United Kingdom, in Monopoly and Competition and Their Regulation Edited by Edward H. Chamberlain

[س. ألان]: Robert C. Allen – Agriculture during the industrial revolution, 1700-1850, in The Cambridge Economic History of Modern Britain, Volume I: Industrialisation, 1700–1860

[إناس]: Dave Innes – Full employment: are we nearly there yet?

[إيشنڨرين]: Barry Eichengreen – The British economy between the wars, in The Cambridge Economic History of Modern Britain Volume II: Economic Maturity, 1860–1939

[إيفانس]: Eric J. Evans – The Forging of the Modern State: Early Industrial Britain, 1783-c.1870

[بال وتوملنسون]: Torsten Bell and Dan Tomlinson – Is everybody concentrating? Recent trends in product and labour market concentration in the UK

[بروار]: John Brewer – The Sinews of Power: War, Money and the English State, 1688–1783

[برولاند]: Kristine Bruland – Industrialisation and technological change, in The Cambridge Economic History of Modern Britain, Volume I: Industrialisation, 1700–1860

[بريسكو]: Norris A. Brisco – The Economic Policy of Robert Walpole

[بُوْدن وهيڨّنس]: Sue Bowden and David M. Higgins – British industry in the interwar years, in The Cambridge Economic History of Modern Britain Volume II: Economic Maturity, 1860–1939

[بوڨارت]: Dan Bogart – The East Indian Monopoly and The Transition from Limited Access in England, 1600-1813

[بول]: Ellen Frankel Paul – Laissez Faire in Nineteenth-Century Britain: Fact or Myth?

[ترنر]: Michael Turner – Agriculture, 1860–1914, in The Cambridge Economic History of Modern Britain Volume II: Economic Maturity, 1860–1939

[ثوماس]: Mark Thomas – The service sector, in The Cambridge Economic History of Modern Britain Volume II: Economic Maturity, 1860–1939

[جونس، 1]: Owen Jones – The Establishment: And how they get away with it

[جونس، 2]: Owen Jones – Chavs: The Demonization of the Working Class

[روبنس]: Keith Robbins – The Eclipse of a Great Power: Modern Britain 1870-1992

[روس]:Dave Roos – How the East India Company Became the World’s Most Powerful Monopoly

[ستاندينڨ]: Guy Standing – The Corruption of Capitalism: Why Rentiers Thrive and Work Does Not Pay

[سكوت]: Peter Scott – Regional development and policy, in The Cambridge Economic History of Modern Britain Volume III: Structural Change and Growth, 1939–2000

[شانغ]: Ha-Joon Chang – Kicking Away the Ladder: Development Strategy in Historical Perspective

[فيل]: Simon Ville – Transport, in The Cambridge Economic History of Modern Britain, Volume I: Industrialisation, 1700–1860

[ڨروف]: J.W. Grove – Government and Industry in Britain

[كريستوفرز]: Brett Christophers – The Rentier Economy: Who Owns The Economy and Who Pays for It

[كوترل]:P. L. Cottrell – Domestic finance, 1860–1914, in The Cambridge Economic History of Modern Britain Volume II: Economic Maturity, 1860–1939

[كيتسون]: Michael Kitson – Failure followed by success or success followed by failure? A re-examination of British economic growth since 1949, in The Cambridge Economic History of Modern Britain Volume III: Structural Change and Growth, 1939–2000

[ليفي]: Hermann Levy – Monopolies, Cartels and Trusts in British Industry

[ماجي]: Gary B. Magee – Manufacturing and technological change, in The Cambridge Economic History of Modern Britain Volume II: Economic Maturity, 1860–1939

[ماكروستي]: Henry William Macrosty – The Trust Movement in British Industry: A Study of Business Organisation

[موكير]: Joel Mokyr – Accounting for the Industrial Revolution, in The Cambridge Economic History of Modern Britain, Volume I: Industrialisation, 1700–1860

[ميدلتون]: Roger Middleton – Government and the economy, 1860–1939, in The Cambridge Economic History of Modern Britain Volume II: Economic Maturity, 1860–1939

[ميدلماس، 1]: K. Middlemas – Power, Competition and the State: Volume 2

[ميدلماس، 2]: Keith Middlemas – Power, Competition and the State: Volume 3

[ناي]: John V.C. Nye – War, Wine, and Taxes: The Political Economy of Anglo-French Trade, 1689–1900

[نيكولاس]: Tom Nicholas – Enterprise and management, in The Cambridge Economic History of Modern Britain Volume II: Economic Maturity, 1860–1939

[واتسون]: Katherine Watson – The financial services sector since 1945, in The Cambridge Economic History of Modern Britain Volume III: Structural Change and Growth, 1939–2000

[ويهتون]: Timothy Whitton – The Growth of Precarious Employment in Great Britain

[هارلي، 1]: C. Knick Harley – Trade: discovery, mercantilism and technology, in The Cambridge Economic History of Modern Britain, Volume I: Industrialisation, 1700–1860

[هارلي، 2]: C. Knick Harley – Trade, 1870–1939: from globalisation to fragmentation, in The Cambridge Economic History of Modern Britain Volume II: Economic Maturity, 1860–1939

[هاريس]: Ron Harris – Government and the economy, 1688– 1850, in The Cambridge Economic History of Modern Britain, Volume I: Industrialisation, 1700–1860

[هوبسباوم]: Eric J. Hobsbawm – Industry and Empire

[هولات]: Peter Howlett – The War-Time Economy, 1939–1945, in The Cambridge Economic History of Modern Britain Volume III: Structural Change and Growth, 1939–2000

[هودسون]: Pat Hudson – Industrial organisation and structure, in The Cambridge Economic History of Modern Britain, Volume I: Industrialisation, 1700–1860

[هولمس وسزاتشي]: Geoffrey Holmes, D. Szechi – The Age of Oligarchy: Pre-Industrial Britain 1722-1783

[والرشتاين]: Immanuel Wallerstein – The Modern World-System IV: Centrist Liberalism Triumphant, 1789–1914


[1] تجنبا لإثقال النص بالمراجع وتسهيلا لكتابته وقراءته، يعود كل مرجع بين معقفين على كل الجزء الذي يسبقه من النص إلى حد المرجع السابق.

[2] حول هذا النقطة بالذات أنظر أيضا: كارل ماركس – رأس المال، الكتاب الأول.

[3] لن يفوت مناهضي الريع أن هذه البنية تشبه هيمنة مصنعي العلف والحليب على الفلاحين الصغار أصحاب الأبقار.

[4] لاحظ أن كاتب الاقتباس وضع مفردة سوق بين ضفرين لأنه لم يكن كذلك فعلا بالمفهوم النيوكلاسيكي الذي يستعمله الاقتصاديون اليوم.

[5] في هذا الشكل السائد اليوم يتم الفصل بين “الشخص المعنوي” للشركة و”الأشخاص الطبيعيين” الذين يملكون فيها حصصا. أهم تداعيات ذلك هي عدم المساس بالأملاك الشخصية للمساهمين لتسديد ديون الشركة في حالة إفلاسها (يخسرون فقط رأس المال الذي استثمروه فيها). بالنسبة للشركات الشخصية أو العائلية ذات المسؤولية المطلقة تعتبر ديونها ديونا شخصية يتم سدادها بعقُلة ما يكفي من الأملاك الشخصية لأصحاب الشركة.

[6] التيار الليبرالي الذي كان في تلك الفترة يطالب بتوسيع الحقوق السياسية مثل حق الانتخاب ليشمل كل الرجال أو حتى كل الرجال ما عدا العمال وتحرير الأسواق داخليا وخارجيا.

[7] رغم الطبيعة الرجعية لقيادة اتحاد الشغل وممارساتها المحافظة في القطاع العام وتفاهمها مع البرجوازية في القطاع الخاص، تبقى النقابات عموما في القطاع الخاص آخر خطوط الدفاع عن العمال وإنسانيتهم.

[8] الأوليغارشية الحاكمة رأسمالية من وجهة النظر الاقتصادية-السياسية كما هو بديهي من خلال هذا النص. اجتماعيا يمكن القول إنها مزدوجة الطابع فهي أرستقراطية رمزيا وثقافيا (تملك أراض وقصورا وتمارس التقاليد والطقوس الأرستقراطية وتحمل الرموز من لباس ورتب إلى غير ذلك) لكنها في نفس الوقت فاحشة الثراء من استثمارها الرأسمالي خاصة في المالية ما يجعلها (باعتبار المظاهر الثقافية-الرمزية ثانوية) برجوازية كبرى. لذلك تسمى في هذه الفترة البرجوازية المتوسطة والصغيرة في بريطانيا بالطبقة أو الطبقات الوسطى. يهدف هنا استعمال مصطلح “الأوليغارشية” إذن فقط للإشارة إلى استفراد هذه البرجوازية العليا بالحكم بشكل مباشر عبر احتكارها لحق الانتخاب وتوضيح الانفصال (السياسي خاصة) بينها وبين عموم البرجوازية (“الطبقات الوسطى”)، لا لنفي طبيعتها الرأسمالية البديهية. في الحقيقة تهيمن دائما (منذ صعود الرأسمالية إلى اليوم) على السلطة السياسية البرجوازية/الرأسمالية، أوليغارشية (برجوازية) أي أقلية مهيمنة تقود الكتلة الحاكمة (أو التحالف الطبقي الحاكم) تتكون عادة من أعلى شرائح البرجوازية. يكون ذلك غير مباشر حيثما تم تعميم حق الانتخاب.

[9] تندرج هذه السياسات أيضا في إطار ازدياد استعمال الآلات في المصانع وارتفاع نسق العمل بها وحاجة رأس المال إلى عمال أفضل صحة وأكثر قوة. أنظر حول هذا الموضوع الخارج عن نطاق النص الجزء الطويل حول صرعات الطبقة العاملة للحد من ساعات العمل في الكتاب الأول من رأس مال ماركس. أنظر أيضا:
Silvia Federici – Le capitalisme patriarcal

[10]  David Roberts – Victorian Origins of The British Welfare State
لم يتسن للكاتب الإطلاع مباشرة على هذا المرجع للأسف.

مقالات ذات صلة

  • هشاشة العلاقات الشغّلية

    ظهرت كلمة السّر في كل ما يتعلق بأسواق العمل كنتاج للمقاربة النيوليبرالية. مقاربة تقدس إلغاء حدود التسّليع وسرعة زوال الحدث…

    اقتصاد سياسي

    Manel habachi
  • سقوط “جدار المزونة” يكشف انهيار التعليم العمومي وآثار سياسات التقشف

    في واقعة مأساوية هزّت ولاية سيدي بوزيد والبلاد بأكملها، توفي  أمس ثلاثة تلاميذ تتراوح أعمارهم بين 18 و19 سنة (عبد…

    رأي

    +
  • أي تعريف ممكن للنيوليبرالية!

    على الرغم من أن البعض يرى أن النيوليبرالية مازالت مصطلحًا ملتبسًا فقد جرى إستعمالها لفترة طويلة نسبيا كافية لكي تحقق…

    اقتصاد سياسي

    تصميم أمل الورثي
  • في تاريخ ثروة الأمم: إصلاحا لما أفسده خطاب “الريع”

    "نعلم كلنا أن التنافس نشأ من الاحتكار الإقطاعي. وبالتالي، كان التنافس في الأصل عكس الاحتكار وليس الاحتكار عكس التنافس. لذا…

    اقتصاد سياسي

    blank