“يولد الفرح من عمق الألم، وتصدح الكلمات من عمق الصمت”
سحر فرنسيس مؤسسة الضمير لرعاية الأسير وحقوق الإنسان
للكتابة من داخل السجون والمعتقلات تاريخ طويل، ولأثر الكلمات التي تُجاهد من أجل أن ترى النور قيمة اعتبارية لا تُضاهى، وللغة القابعين وراء القضبان جمالية تنبع من تكثيف الألم حينا ومن ملاحقة الأمل حينا آخر، وللحرفيْن المتخالفيْن أثر بالغ في صدق المعنى.
كتب ملك إشبيلية، المعتمد بن عباد، في سجنه المغربي (أغمات) وكتب أبو فراس الحمداني وكتب الروائي الفذ صنع الله إبراهيم، وكتب غيرهم الكثير من المسجونين والمسجونات في أزمنة مختلفة.
تخيّل أن تكتُب وأنت تحت مطرقة الرقابة النّازية الفتّاكة، وتحت سنديان الأسر والتعذيب بالغيْ الوحشيّة. تخيّل أن تكتُب النصّ أو المقالة أو الكتيّب وأنت تعلم مُسبقا أنّ مولودك الذي ظلّ يتخبّط في أحشائك أياما وسنوات عدة، قد لا يرى النّور، وأنّ أثرك المرجوّ قد يتبخّر في لمح البصر، وأنّ حشرة سامّة قد تقضي على محصولك الوافر في بعض الثواني لا غير. ولكن تخيّل أن تنجو من كلّ هذا، وأن يكبر الطفل/ الأثر المكتوب، وأن يخرج للعالم وينمو وينال ما لم تنله بيننا من حقّ وعدل ونصيب.
هكذا يكتب المناضل الفلسطيني من داخل الزنزانات الصهيونية. يكتب، رغم ارتفاع نسبة المخاطر. ليرتقي فعل الكتابة المقاوم بطبعه إلى فعل نضاليّ خارق يتحدى أعتى أنظمة الرقابة.
إنّ التوثيق في هذه الحالة لا يتماشى بتاتا مع منطق التأريخ الذاتي، أو السيرة الذاتية، بل هو توثيق تاريخي للجماعة ومن أجلها. ومن هنا نتلمس الجانب الأول للفرادة، إذ أنّ الكتابة عامة هي فعل ذاتيّ غارق في الحميميّة، قد يتلقاه القارئ فيما بعد ليتبناه وليلتحم بالنّص. ولكن أن تكون الكتابة منذ البداية كوريغرافيا جماعية، تُساق بشكل خلّاق ومبدع من قبل الكاتب، ويُضبط إيقاعها على ألحان الوجع المشترك للأسرى الذين تتشابه تجاربهم السجنية حتى تتماهى وتنصهر، فتتلاشى كلّ المقولات الفردانية وتنتج تجربة الجماعة وأحلامها، فذلك أمر فلسطيني خالص يندرج ضمن الفعل النضالي المنظم.
أي أن فعل الكتابة بالنسبة للأسرى الفلسطينييّن يدخل في خانة أوسع، وهي دور الحركة الأسيرة، والتي تدخل هي نفسها ضمن استراتيجيا تحرير فلسطين.
وتصبّ الكتابة مع تهريب النطف والصمود في وجه التحقيق والاستجواب ومع إضرابات الجوع الفردية والجماعية ومع كافة أشكال النضال في الهدف ذاته.
إن التحدي الأكبر للأسير من لحظة اعتقاله، هو أن يعيش في السجن دون أن يعيش السجن فيه، والعبارة لسعدات، وأن ينضبط لنمط الحياة الجديد الذي تفرضه الحركة الأسيرة بمختلف مكوّناتها ومسؤوليها. “كيف يقطعون الوقت دون أن يقطعهم ويلجؤون إلى برمجة حياتهم داخل عزلهم واستثمار الوقت” (1)
يتعرض الأسير أحمد سعدات في كتابه صدى القيد إلى برنامج الأسير وتفصيلاته وتقسيماته “أولا ممارسة الرياضة للتعويض عن نقص الحركة والعمل الذي يستغرق جزءا مهما من وقتهم أي في أعمال التنظيف، والطهو وإعداد الطعام وإدارة الحوارات الاجتماعية مهما كانت قصيرة، أو كان عنوانها سياسيا أو فكريا، رياضيا أو ترفيهيا، وأخيرا بالقراءة والكتابة…” (2)
هذا البرنامج التفصيلي لحياة الأسير ليس مجرّد برنامج تقنيّ لسدّ الفراغ أو للتسلية، هو خلق جهاز آخر يُناقض جهاز السجن، ومقاومة مضادة للاحتلال المزدوج، وتكتيكات تجابه المكائد.
ذكر محمد خليل عليان (أسير مقدسي مُحرر) ” أن هناك نظاميْن صارمين داخل المعتقلات، وهما متناقضان ومتعارضان: نظام الإدارة القمعية والسجان، والنظام الداخلي للأسرى الذي ينظم حياتهم ويعمل على تصليبهم وتوعيتهم، والمكائد التي تحاك لإسقاطهم أو إخضاعهم وإضاعة فترة اعتقالهم سدى في قضايا تافهة دون أن يستفيدوا أو يتعلموا دروس العلم والحياة”. (3)
لكن هذا النظام، الذي يُخلق في السجن، قد يُصبح في بعض المناسبات ترفا مقارنة بتجربة مُضاغفة القسوة يتعرّض لها الأسير في الحبس الانفرادي.
يسعى السجان من خلال فرض العزلة على الأسير إلى أمرين اثنيْن: الأول هو حصار جسدي يمنع الأسير الذي يسعى للحفاظ على جهوزيته البدنية من الحركة. يقول الأسير المحرر سامي المصري “هذا السجن يتكوّن من غرف متعددة الأشكال، لا تتعدى مساحتها 190 سم * 190سم، وكلّ غرفة لا يوجد فيها مرحاض، وعوضا عنه يوجد كردل لقضاء الحاجة، ويدخل الأسير إلى الغرفة وهذا الكردل مليء وتصدر عنه رائحة نتنة جدا، ولهذا المكان لباس خاص به، حيث يلزم الأسير بخلع كافة ثيابه ويعطى ملابس خاصة لا تناسب حجم المعتقل” (4).
أما الأمر الثاني فهو حصار العقل، إذ تؤدي تجارب العزل الانفرادي إلى اختلالات عقلية وأمراض عدة تشهد بها حتى “منظمات العدوّ نفسها”. ومن هنا تأتي أهمية الكتابة الفلسطينية السجنية، إذ أنها تحوّل المعاناة والوجع إلى رسالات أمل وبطولة يبعث بها إلى رفاقه الأسرى وإلى عائلته. ويُسلّح الأسير الفلسطيني نفسه بالخيال وبالقدرة على جعله مقوما للصمود. ” وهنا في هذه الزنزانة الضيقة والمعتمة حيث الوحدة القاتلة تشعر بعظمة العقل والروح لأن كل القوة التي تملكها دولة الاحتلال بما في ذلك السلاح النووي لم تنجح في حبس عقلي وروحي وإرادتي وإيماني وإن تمكنت من حبس جسدي، وهنا تكتشف بشكل حسي عظمة الخيال وقيمته فهو عصيّ على الحبس والاعتقال، به تحلق في الفضاء ومن خلاله تتجول في أزقة الوطن وشوارعه.” (5).
تتفنن الآلة الصهيونية في أنواع الحبس والتعذيب، ولا طائلة هنا من التعمّق في فكرة المعتقلات السرّية ومقابر الأحياء والتجارب الطبية والصعق الكهربائي، فذلك أمر صارت معرفته مُتاحة للعموم، ولا أحد من العالم الحرّ أو من منظمات حقوق الإنسان يتجرأ على أكثر من التنديد والنحيب والولولة الكاذبة.
ولكنّ الراهني في حياة كلّ أسير فلسطيني يظلّ تجديد الصراع مع الكيان والدخول معه في حرب من نوع آخر، حرب لا تستعمل الفسفور الأبيض والقنابل والصواريخ وطيارات الآف35.
إذ يسعى الآسر إلى تحييد الأسير في المعركة الأشمل وإدخاله في حالة اغتراب آنية أو مستقبلية مع قضايا شعبه، ويسعى الأسير إلى مزيد من التجذّر في بيئته المقاومة فكريا وثقافيا.
هذه الحرب الذهنية إن صحّ التعبير، لا يضطرّ فيها الاحتلال إلى استعمال أساليب صارخة من التعذيب المُدان دُوليا، هي سلسلة من الإجراءات والتضييقات التي لا تُوصّف منفردة كأساليب تعذيب، ولكنها ترتقي إلى أشد الأنواع فتكا بالكرامة الإنسانية إذا ارتبطت ببعضها البعض ووُضعت في إطار أعمّ وأشمل. “إنه تماما كالاستغلال في اقتصاديات السوق الحر في ظل العولمة، الذي يُقدّم دوما على أنه ضرورة لرفع معدلات النمو الاقتصادي، إنه كالاستغلال حيث مستغلك لا وجه له ولا وطن ولا عنوان محدّد”. (6).
إنّ العدوّ الصهيوني وإن انتهج لسنوات طويلة، ولا يزال حد اللحظة، سياسة التدمير المادي للمنشآت والبنايات والتقتيل العشوائي المخيف، أدرك منذ بداية الألفينات أن الاقتصار على هذا الشكل العنيف يخلق آلاف الاستشهاديين من الطرف المُقابل، فأردف خططه بأحدث النظريات في الهندسة البشرية وعلم نفس الجماعات بغية “صهر الوعي الفلسطيني” (7).
هذا الضرب الثقافي لمقولات المُشترك الفلسطيني لخّصه الشهيد وليد نمر دقة في تفكيك البُني والمؤسسات الفلسطينية ومؤسسات المجتمع المدني أولا، وفي انتهاج سياسة التفاوض الدائم الذي يوهم بأن الحلّ وشيك ثانيا، وفي الإجهاز على القيم الجامعة للشعب الفلسطيني وطليعته، الأسرى أنموذجا.
القراءة قبل الكتابة: أو حين يتحوّل المعتقل إلى مصنع للكوادر
إنّ نسبة الفلسطينيين الذين مروا بالتجربة الاعتقالية نسبة ضخمة للغاية وهي الأعلى في العالم مقارنة بعددهم الإجمالي، فبعض الأرقام تتحدّث على أن نصف الفلسطينيين عايشوا السجن من خلال الاعتقال الإداري بثلاثة أشهر أو من خلال الأحكام السجنية الطويلة والمؤبدات. ومن الطبيعي مع ارتفاع هذه النسبة وصعوبة الولوج إلى المدارس والمعاهد أثناء فترات طويلة من الحرب أن ترتفع نسبة الأمّية داخل السجون الصهيونية، خاصة أن الاحتلال لا يُفرّق بين اعتقال الفتى والكهل والشّيخ. ومن هنا تأتي المهمة العظيمة المُلقاة على عاتق الحركة الأسيرة وعيا منها بسهولة الاختراق الثقافي لهؤلاء.
إذ تحرص كلّ التنظيمات، وبمختلف مشاربها الفكرية، إلى إخضاع الأسرى الجدد إلى برامج تكوينية وثقافية متنوعة، من حفظ القرآن إلى الفلسفة والسياسة والشعر والأدب وصولا إلى اللغات والهندسة والاختصاصات العلمية الدقيقة. هذا الوعي، وعي الضرورة، باستثمار الوقت وإيجاد فرصة لصناعة الكوادر التنظيمية القادرة على قيادة التجارب السياسية والعسكرية الكفاحية خارج أسوار السجن زاد من عدد المُثقّفين الفلسطينيّين، وليس من عدد المتعلّمين فحسب.
” حرص الأسرى على تكوين مكتبة في كلّ سجن، يشرفون عليها بأنفسهم، وتمكنوا بعد نضال طويل وصعب وعنيد من فرض نظام داخلي بكل سجن يتمتع بحد أدنى من الإدارة الذاتية، لا سيما لجهة تنشيط الحياة اليومية الثقافية والتعليمية” (8).
هذا النهج النضالي الفذ، يجد قيمته الاستعمالية واستتباعاته السياسية الراهنية من ثلاثة زوايا على الأقل:
فمن ناحية أولى، تُبنى الكوادر الحزبية التي تُشكّل خطرا لاحقا على كيان الاحتلال وتُهدّد وجوده في كلّ مرّة، من القيادة السياسية إلى الهندسة العسكرية، معوّلين في ذلك على ما تعلّموه داخل الأسر وعلى فهم مباشر ودقيق للعقل الصهيوني وللكتابة الصهيونية وللمجتمع الصهيوني الداخلي ولتناقضاته.
ومن ناحية ثانية، يُعزّز وعي الأسرة بالانتماء إلى فلسطين، إلى تاريخ فلسطين وإلى أرضها وإلى قضاياها، فتذهب جهود الكيان في “صهر الوعي” هباء منثورا، وينقلب السحر على الساحر فيُصقل الوعي وينبت ويُزهر بدل أن يُتلف ويُصهر.
ومن ناحية ثالثة، تزدهر المكتبة الفلسطينية وأدب المُقاومة لينقل لنا معارك أخرى لا نُشاهدها في شاشات التلفاز ولا نعي بها جرّاء التعتيم والمُصادرة. معركة الهيمنة الثقافية والتقاط المشترك تاريخا والتشبث به مصيرا.
في النهاية، لا يسعني وأنا أقرأ بعضا مما كتبه الأسرى الفلسطينيون داخل معتقلاتهم إلا أن أتساءل، كما تساءلت تالا تماما، تالا التي خاطبت أباها عبد الله البرغوثي صاحب أعلى الأحكام في تاريخ القضية الفلسطينية، قائلة:لا أفهم معنى “الأسير البطل”
كيف يُصبح الأسير بطلا؟ أم أن السؤال هو كيف يُصبح البطل أسيرا؟
المصادر
(1) الأسير أحمد سعدات، “صدى القيد” ص112
(2) المرجع السابق ص112
(3) إيمان مصاروة، ” دراسة في أدب السجون في فلسطين” ص61
(4) المرجع السابق ص54
(5) مروان البرغوثي، “ألف يوم في العزل الانفرادي” ص127
(6) الشهيد وليد نمر دقة، “صهر الوعي” ص20
(7) ترد العبارة في الأصل، وهي عنوان مؤلف وليد نمر دقة، على لسان قائد الأركان الصهيوني السابق “بوجي يعلون” في أكثر من مرة خلال الانتفاضة الفلسطينية حين كان يُصرح بأنه يجب “إعادة صهر الوعي الفلسطيني”.
(8) مروان البرغوثي، ” ألف يوم في زنزانة العزل الانفرادي” ص131


