خطّنا التحريري

“نعم، أنا منحاز. هذه تهمة لا أنفيها. أنا منحازٌ لمن هم “تحت”. لمَن هم ضحايا الكذب وأطنان التضليلات وصنوف القهر والنهب وأحجار السجون والمعتقلات. (…)”.

هكذا أجاب الرسّام والمناضل الفلسطيني الشهيد ناجي العلي من هاجموا رسومه الكاريكاتورية اللاذعة وانتقدوا ما رأوه “انحيازًا” منه. وعلى نفس نهج هذا المناضل الإعلامي والسياسي الشهيد نسيرُ في موقعنا هذا.

فنحن قرّرنا أن لا نُضيّع مزيدًا من الوقت في محاججة مجادلينا ممّن يتهمّوننا بـ”عدم الحياد الصحفي”؛ تلك المُسلّمَة الزائفة، إحدى إفرازات الهيمنة الإيديولوجيّة البرجوازيّة السائدة. تلك المقولة الكاذبة التي يلقّنونها لطلبة الصحافة والاعلام في معاهدَ وكلّياتٍ تعملُ على تخريج “كتَبَةٍ” ومصوّرين و”منشّطين” لا يملكون أدنى حسٍّ نقديّ. مجرّد “تقنيّي معرفة” ينظرُون إلى الصراعات الدائرة داخل مجتمعهم بعين “الملاحظ” و”ناقل الأحداث”، في أفضل الأحوال.

فهذا هو ما تطلبُه منّا المنظومة: أن نكون دليلاً على مدى احترام “حرّية الثرثَرة” في كنف “الديمقراطيّة الليبراليّة”، لكن دون أدنى محاولة لتغيير الواقع البائس المحيط بنا. أن نُطلّ من فوْق على ما يجري أمام أبصارنا دون السعي للانخراط فيه. وأن نهتمّ فقط بالتُرّهات ومكامن “الإثارة” في أخبار “النجوم” و”الشخصيات”، وتغطية تصريحات ومآثر “أبطال” المسرح السياسي والاقتصادي القائم.

وهكذا، يحصُل شيئًا فشيئًا استلابُ وعي الصحفيّ واغترابُهُ عن موضوع عمله، ومن ثمّة “انفصاله” عن مجتمعه وما يشقّه من صراعات وتناقضات. فيصبحُ همّه الأوّل تحسين ظروف عيشه والتدرّج في السلمّ الوظيفي لمؤسّسات الاعلام التقليدي. سواءٌ تلك التي تحكمها بيروقراطية الدولة، أو تلك التي يملكها الرأسماليون، أو كذلك بعض وسائل الإعلام “البديلة” المرتهنة لأجندات وأولويّات مُموّليها من “المنظّمات غير الحكوميّة”، الغربيّة أساسًا.

هذا هو المصير الذي يسطّره “النظام” لعموم الصحفيّين.  أمّا “كلاب الحراسة” من “مقدّمي برامج” و”معلّقين” و”خبراء”، فيتمّ انتقاؤهم وتوزيعهم بعناية على وسائل اعلام المنظومة السائدة، وتُوكَل إليهم، بشكل مباشر أو غير مباشر، مهمّة الدفاع  – بكلّ “حياديّة” و”موضوعيّة” طبعًا ! – عن مصالح الطبقات الحاكمة، وتبرير الواقع و”صناعة الرضا” وإقناع الناس بالصبر على همّهم. وبالمقابل، ينعمُ جمهور المستهلكين بالحرّية الكاملة في التلصّص على أحوال من يفوته بؤسًا عبر “تلفزيون الواقع”، وبحقّ الفضفضة العقيمة، والطمع في أوهام خلاص فرديّ قد يأتي من مسابقة هذا البرنامج أو من قُرعةِ ذاك.

في ظلّ هذا المشهد البائس، إخترنا أن نقاوم.

اخترنا أن نرفض “تعدّدية الخيارات” الزائفة التي تتيحها المنظومة السائدة. قرّرنا ألّا ننافس أحدًا، بل فقط أن نسخّر كلّ جهدنا، و”حبرنا”، وعدساتنا لنقل نضالات المُضطَهَدين والمَنسيّين. ولتعرية الأسباب البنيويّة لهذا البؤس الرأسمالي والامبريالي المُعمَّم، فضلاً عن فضح أدوات التنفيذ و”كلاب الحراسة”. ولن نكتفيَ بكشف الواقع ونقده، على أهمّية ذلك. بل سنعمل أيضًا على التعريف بالتجارب البديلة المقاومة، في كلّ المجالات : اقتصادًا وسياسة وثقافة وفنًا وغيره. كما سنحرص على اقتراح مساحات للتفكير والجدال الحُرّ “خارج الصندوق” الرأسمالي، الذي يُرادُ لعقولنا أن تبقى حبيستهُ.

ومن جهتنا، لن نرايَد على أحدٍ أو نُخفيَ أنّنا لم نكن لنقدر على الإنطلاق لولا حصولنا على تمويلٍ صغير، وغير مشروط، من إحدى المنظّمات التقدّمية الأجنبيّة الصديقة. ففي ظلّ ضيق الحال، وانعدام التمويل العمومي وعوْدته من جديد أداةً سلطويّة لمكافأة المُقرّبين وعقاب المارقين. وأمام اختراق التمويل الأجنبي الامبريالي والرجعي لجلّ ساحات “المجتمع المدني”، لم يكن لدينا خيارٌ غير البحث عن تمويل “صديق” يسمح لنا بوضع اللبنة الأولى، لا غير.

فنحنُ خيّرنا منذ البداية سلوك دربٍ مغايرٍ نعرف مُسبقًا مدى وعورته. إذ اخترنا “خطّ الجماهير”. اخترنا الصدق والشفافيّة والمراهنة على أبناء شعبنا وأحراره. لذلك قرّرنا أن يكون تعويلنا على “التمويل” مؤقّتًا وجزئيًا. وأن نتوجّه منذ انطلاقنا إلى قرّائنا وأصدقائنا، ممّن يشاطروننا نفس توجّهنا المنحاز، داعينَهم إلى “حماية” خطّنا التحريري وتعزيز استقلاليّتنا الاقتصاديّة. وذلك عبر التبرّع ماليًا للموقع، حتى يصير تدريجيًا (كما في تجارب اعلاميّة عديدة حول العالم) مُمَوّلا تمامًا من قرّائه وأصدقائه الأوفياء.

في الأثناء يعملُ كلّ أعضاء فريق العمل كمتطوّعين، باسثناء المتفرّغ الوحيد: منسّق التحرير (كاتب هذه السطور)، الذي يتقاضى مقابلاً زهيدًا لا يرقى إلى “الأجر الصناعي الأدنى المضمون”.

ومن نافلة القول أن نضيف أنّ إعلاننا انحيازَنا الاعلامي، لا يعني البتّة انخراطنا في الدعاية الشعبويّة الفجّة. بل نحن كنّا، ومازلنا دومًا، حريصين على احترام أعلى درجات الموضوعيّة والنزاهة الفكريّة والمهنيّة. فكما قال ثائر عظيم، اسمه لينين، نحتفل هذه الأيّام بالذكرى المائوية لانتصار ثورة شعبه : “الحقيقةُ وحدَها ثوريّة.”

أخيرًا، نهتفُ مع شاعرنا العربيِّ الثائر مظفّر النوّاب انحيازنَا للمظلومين، للمُضطَهَدين، للمُستغَلّين وللمقاومين. ونُعلن انتماءنَا “للجموع التي رفعَت قَهْرها هرمًا، إلى الجياعِ ومن سيُقاتل”.

قُرّاءنا ورفاقنا وأصدقائنا الأوفياء ممّن يشاطروننا نفس النهج: هذا الموقع موقعكُم، يسعى لكسب ثقتكم، ويعوّل على دعمِكم. دامَ إنحيازُكُم !