رأي | “طبق في وليمة العقد الاجتماعي”

حين نظر فلاسفة الأنوار للعقد الاجتماعي -وهو فكرة تفترض وجود حالة طبيعية للإنسان سابقة للحالة الاجتماعية تستوجب إنشاء عقد ينظم الحياة الجماعية للأفراد- اختلف هوبز ولوك حول شرعية سلطة الحكومة والحاكم واختلف روسو معهما حول الطبيعة البشرية ذاتها وحول طبيعة الحكومة وعلاقتها بالأفراد والموقف من الملكية الخاصة واعتبر بموجب ذلك أحد روّاد الفكر الاشتراكي المبكر.

لكن كل هؤلاء الفلاسفة على اختلافاتهم اتفقوا – ياللعجب – على استثناء النساء من العقد الاجتماعي. فحيث أن العقد الاجتماعي يبنى بين أفراد يولدون أحرارا ويعيشون كذلك في حالة الطبيعة، ويتمتعون بالعقلانية -هذه الكلمة السحرية في عصر الأنوار- فإن الحرية والعقلانية شرطان أساسيان للعقد الاجتماعي. وحيث أن الفرق “أنثىذكر” كان يستتبع لدى معظم فلاسفة الأنوار (باستثناء هوبز) فرقا في العقلانية، وفرقا في الحرية حيث لم تشمل الحرية الطبيعية للإنسان النساء ضمن التقسيم الجنسي الذي اقترحه هؤلاء الفلاسفة. وفي هذا السياق، يُعتبر الإنسان حرًا منذ الولادة، ولكن هذه الحرية يتم تفسيرها بما يناسب الذكور فالمقصود بالإنسان هو الإنسان الذكر، فقد وقع الاتّفاق على عدم أهلية النساء للانخراط في العقود وتحديدا في العقد الاجتماعيّ.

علام ينص العقد الاجتماعي ببساطة ؟ إنه العقد الذي ينظم  عملية الانتقال من حالة الطبيعة التي يتمتع فيها الأفراد بالحرية الطبيعية المطلقة، حيث تتساوى الحرية في التعبير والحرية في الأكل مع  الحرية في القتل مثلا في ظل غياب عقد يجرم القتل دون غيره من الأفعال.. نحو الحالة الاجتماعية التي يتمتع فيها الأفراد بالأمن والسلم الاجتماعية في ظل وجود كيان فوق المجتمع وفوق الأفراد الذين يكونون هذا المجتمع يضمن سلامتهم وحقوقهم وملكيتهم وأجسادهم الخ. وللانتقال من حالة إلى أخرى يجب على الأفراد التخلي عن حريتهم الطبيعية مقابل جملة من الحريات المدنية. حين يتخلى الفرد عن حريته في قتل غيره للدولة أو الحكومة (كي يحتكر جهازها العنف ويحوله إلى عنف مؤسساتي يستغله هذا الجهاز حسب ما يراه صالحا وخادما للمصلحة الجماعية -نظريا) خلال إبرامه لعقد مع أفراد آخرين على نفس الأساس فإنه يكسب حقه في أن لا يتم قتله.

إننا نعلم طبعا أن حالة الطبيعة ليست فترة تاريخية حقيقية في تاريخ المجتمعات البشرية بل حالة متخيلة أو مفترضة تصبح عند ايولوجيي (les ideologues) العقد الاجتماعي وسيلة لإضفاء الشرعية على الدولة ومؤسساتها كأن يقولوا “ألا تعجبكم الدولة؟ أتشتكون القمع وانعدام الحرية والطبقية والعنف المؤسساتي؟ أنتم بذلك تطالبون بالعودة إلى حالة الطبيعة حيث لم يكن هناك من قانون يضمن حياتكم وحيث كان العنف مشاعا بين الناس يستعمل في مآرب شخصية بطريقة غير معقلنة لا محتكرا في يد جهاز الدولة بحيث تتم عقلنته ومن ثم توظيفه في خدمة المصلحة العامة. في غياب الدولة ستتحول أيامكم إلى نسخة مطولة من فيلم the purge

لن تأمنوا على حياكم ولا على ممتلكاتكم. تصبح الحالة الطبيعية المفترضة فانتازيا سلطوية تشبه حالة الوباء الذي تحدث عنه فوكو في كتابه المراقبة والعقاب. فحالة الطبيعة، تماما كما الوباء، “يتجسد فرضيا على الأقل كالتجربة التي يمكن من خلالها للفرد تعريف ممارسة السلطة التأديبية بشكل مثالي”. كي يتمتع الوضع القائم بشرعية ما وجب علينا أن نتخيل أنفسنا في حالة الطبيعة ونقارن كي نهلع من شر الحرية المطلقة ونرتمي في حضن المشروع السلطوي للدولة البرجوازية… والأبويّة!

لكن قصة الحالة الطبيعية التي ستكون الاحتمال الوحيد الممكن كبديل لما نحن فيه قصة تتكرر بروايات أخرى ويرويها لنا العلم بطريقة مختلفة. ورغم كونها قصة متخيلة إلا أن لهذا الخيال البرجوازي والأبوي تمظهراته في الواقع المادي. فهو ليس مجرد حكاية ما قبل النوم متخيلة تماما بل هو أقرب ما يكون إلى كونه تأويلا في اتجاه معين لواقع مادي ما. فلنفكر في وعود العقد الاجتماعي للنساء.

بم يعد العقد الاجتماعي النساء؟

كل ما ذكرناه من بنود العقد الاجتماعي يشمل الذكور، أما النساء فيكن غائبات عن هذا الاتفاق لأنهن ببساطة لسن طرفا فيه بل أحد الغنائم فيه. تعبر أبيغايل ثورن عن هذه الفكرة بقولها بأن النساء لم يجلسن إلى طاولة وليمة العقد الاجتماعي لأنهن كن على لائحة الطعام (menu) المقدمة للجالسين حول الطاولة. أي أنك كطرف في العقد الاجتماعي تتخلى بموجب العقد عن حريتك مقابل الأمن والملكية الخاصة والحصول على امرأة أو على نساء. تساوم الدولة البرجوازية الرجال  على حريتهم وتعوضهم عليها بملكية النساء (وغيرها من الامتيازات، كالتي يتمتع بها الرجال البيض أو المغايرون جنسيا الخ). يتجلى لنا منطق الدولة هذا في فترات صعود الخطاب والسّياسات الفاشيّة حيث تضحي الدولة بالنساء والمهاجرين.ات وغيرهم أكباش فداء ترتقي على حسابها فئات أخرى من المجتمع السلم الاجتماعي. ففي فترات الأزمة نشهد صعود خطاب رجعي يلوم النساء وغيرهن من الفئات المستضعفة على الأزمة(قد يذكّرنا هذا بالأشهر القليلة الماضية في تونس، العنف المخطط له وخطاب الكراهية الموجه ضد المهاجرات.ين وضد مجتمع الميم-عين منذ أيام).

يتقبل الشق الآخر من المجتمع هذا الخطاب ويروج له لعجزه عن مواجهة السبب الحقيقي في الأزمة ولأن من خصائص فترات الصّحوة الفاشيّة -كما وصفها سمير أمين- استعداد الفكر الفاشي للاستماتة في الدّفاع عن رأس المال. سيذكر الفاشيون المشكل ويثورون ويمارسون العنف المنظّم ويستنكرون ويستشيطون غضبا.. بيد أنك لن تراهم أبدا يوجهون أصابع الاتّهام إلى رأس المال، ذلك أنهم وكلاؤه الايديولوجيون الذين لا يحضرون إلا لإنقاذه من المأزق الذي ورّط نفسه فيه. الخطاب الرّجعيّ الذي يفتضح لنا هشاشة العقد الذي يجمع النساء بالنصف الآخر من المجتمع وبالدّولة ذاتها، هو إذن أداة المهمات القذرة التي تنقذ بها الدّولة البرجوازيّة نفسها من الأزمة. النساء لسن إلا أكباش فداء فيها إلى جانب غيرهن من الجماعات المستضعفة، أي تلك التي لم تضمن مكانها على طاولة العقد الاجتماعيّ بعد. تسحب المكاسب التي حققتها هذه الفئات المهمشة منها لأنها تظهر خلال فترات الأزمة على حقيقتها التي تغاضى عنها المجتمع طيلة فترات الرخاء أي كخرق لبنود العقد الاجتماعي.

تقدم الايديولوجيا البرجوازية النساء كطبق  على طاولة العقد الاجتماعي يتغذى عليه الرجال المنخرطون فيه كي لا يضطروا إلى أكل من يديرون شؤون الطاولة والمستفيدين الحقيقيين من الوضع القائم. وذلك هو الفرق الهيكلي بين النساء والرّجال في المجتمع الرّأسمالي وما يجعل من “الرّجل البرجوازيّ داخل العائلة في حين تكون المرأة البروليتاريا داخلها”. والفرق يتلخص ببساطة في أنه في حين يجلس الرّجال على طاولة وليمة العقد الاجتماعيّ كأطراف فيه يفاوضون على تحسين أوضاعهم في انتظار الحل الأكثر جذريّة، يتمّ تقديم النّساء على لائحة الطّعام لا فقط كوجبة دسمة بل أيضا كمادة مخدّرة تمنع الرّجال نفسهم من الوصول إلى الحل الراديكاليّ يوما ما. بحيث يكون الخطاب الذكوريّ أفيون النصف المذكّر من الطّبقات المضطهدة وبحيث يستحيل على هذا النصف أن يتحرّر من أغلال استغلاله واضطهاده (مع مراعاة الفرق في معنى الاستغلال والاضطهاد، فذكور الطبقات المستغلّة يعانون -أيضا- من الاضطهاد) إلا حين يعترف بشرعيّة وجود النّساء على طاولة العقد الاجتماعيّ كطرف ذي حقوق فيه. ما أن يتم الاعتراف بذلك والكف عن استعمال النساء كأداة لامتصاص الصّدمات وحلّ أزمات الإدارة الرأسماليّة للمجتمع.

تعبر كارول بايتمان عن هذه الفكرة عن كيفية حضور النساء في العقد الاجتماعيّ في كتابها “العقد الجنسي” (أسوق هذا العنوان مع الكثير من الاحترازات بصدد المؤلف وبعض المواقف التي تتبناها الكاتبة فيه) حين تقول “ليست النساء طرفا في العقد الأصلي الذي يحول الرجال بموجبه حريتهم الطبيعية إلى أمان الحرية المدنية. العقد الجنسي هو الوسيلة التي يحول بها الرجال حقهم الطبيعي على النساء إلى أمان الحق الأبوي المدني.” ثم تتساءل لتسلط الضوء على التناقضات القائمة داخل النظرية “ولكن لما لم يكن من مكان للنساء في العقد الاجتماعي الأصلي، ولما لم يكنّ قادرات على أن يكنّ طرفا في عقد ما، كيف يجعل فلاسفة العقد الاجتماعي الكلاسيكيون (ما عدا هوبز) الزواج وعقد الزواج جزء من الحالة الطبيعية. كيف يمكن أن نفترض دائما أن الكائنات التي تفتقر إلى القدرة على إبرام العقود والانخراط فيها تدخل دائما في هذا العقد؟ ولماذا، علاوة على ذلك، يصر جميع الفلاسفة الكلاسيكيون (بما في ذلك هوبز) على أن النساء يجب أن يدخلن في عقد الزواج في المجتمع المدني؟”

تعبر كارول بايتمان عن هذه الفكرة عن كيفية حضور النساء في العقد الاجتماعيّ في كتابها “العقد الجنسي” (أسوق هذا العنوان مع الكثير من الاحترازات بصدد المؤلف وبعض المواقف التي تتبناها الكاتبة فيه) حين تقول “ليست النساء طرفا في العقد الأصلي الذي يحول الرجال بموجبه حريتهم الطبيعية إلى أمان الحرية المدنية. العقد الجنسي هو الوسيلة التي يحول بها الرجال حقهم الطبيعي على النساء إلى أمان الحق الأبوي المدني.

يصور هوبز علاقة الرجال بالنساء في حالة الطبيعة على أنها علاقة احتلال وغلبة، حين يغلب رجل امرأة فهو يحتل جسدها بموجب هذه الغلبة ويصيرها بذلك أمته ويصير هو سيدها الجنسي. في تاريخ روسو المفترض عن تطور المجتمع اضطلعت النساء منذ بدء التكوين  بالأعمال المنزلية. تقول بايتمان بأن القصة ذاتها عن التقسيم الجنسي للعمل كانت قد سردت مرات أخرى وقد أصبحت رواية علمية هذه المرة “عن طريق علماء الاجتماع البيولوجي. تروى قصة إي. أو. ويلسون حول نشوء التقسيم الجنسي الحديث للعمل في أقرب مراحل تاريخ الإنسان بحيث تعتبر أن هذا التقسيم هو جزء ضروري من وجود الإنسان.” تخبرنا بايتمان في كتابها عن انطلاق القصة من حقيقة أن البشر يتكاثرون مثل غيرهم من الكائنات البدائية ببطء وتتم عملية التكاثر على النحو الآتي، تحمل النساء الأجنة على مدى تسع أشهر تنجب على اثرها أطفالا يستوجبون العناية والإطعام مرات متكررة على مدار اليوم ومن مصلحة كل امرأة في مجموعة صيادين وجامعين أن تؤمن تحالف رجال سيساهمون بتوفير المؤونة والمأوى والأغطية ويشاركون في الوقت ذاته في تربية الأطفال. في المقابل  فإن من مصلحة كل رجل الحصول على حقوق جنسية على النساء وإنشاء مونوبول على إنتاجيتهن الاقتصادية.

تستنتج كارول بايتمان أن العلم يكشف لنا كون حياتنا الاجتماعية المبنية على عقود الزواج مبنية على عقد جنسي ينظم حصول الرجال على أجساد النساء مقابل توفير الغذاء والحماية لهن ويقسم العمل جنسيا بحيث يجعل النساء في تبعية لذكور المجتمع الملزمين في المقابل برعايتهن اقتصاديا. وقد كان ويليام تومبسون قد وصل لنفس الاستنتاج حين قال بأنه لو لم يكن للرجال رغبات جنسية تعتمد على النساء لإشباعها ولو لم يعتمد استمرار النوع على الوظيفة الانجابية للنساء لحوّل الرجال النساء إلى عبيد بصفة مباشرة ولتم توزيع النساء بين الرجال ولكن كل تلك الضرورات أدت إلى استعبادهن اقتصاديا  وجنسيا عن طريق عقود الزواج. كما قال أن النساء يرتبطن بالرجال كما يرتبط كل ضعيف في العلاقات العبودية بقوي يسخره لصالحه مقابل الحماية والمأكل والمشرب والمأوى وبنفس المنطق العبودي أخضع الرجال النساء في إطار مؤسسة الزواج بفضل تفوقهم الجسدي عليهن. ونحن نلاحظ تمظهرات هذه العلاقات الأبوية التي هي جوهر عقد الزواج حسب بايتمان في طقوس  الزفاف ذاتها (المهر واستعراض الجهاز واستعراض الكميات المهولة من الذهب التي تثقل كاهل الزوجة وتعيق حركتها، الخ)

بهذا تصل بايتمان إلى أن الهيمنة الأبوية أصيلة وهيكلية في عقد الزواج، وأن الزواج إذا لم يكن عقد استعباد مقابل الحق في الحماية والرعاية الاقتصادية والأمن فهو يكف عن كونه زواجا.. قد يصبح عقد مساكنة أو عقد اشتراك في الحياة والملكية ولكنه يكف حتما عن كونه زواجا بالمفهوم الأصلي للكلمة ذلك أن الزواج ظهر ليؤطر ديناميات الهيمنة الأبوية.

لذلك فإن كون أعظم اهتمامات عديد النساء هو الزواج والعائلة لا يمكن أن يكون محل دفاع ببساطة لكونه خيارا شخصيا وفرديا، هكذا بكل فردانية وكل سطحية وبكل ليبرالية العالم. هناك سبب وراء وجود أعداد مهولة من النساء لا تهتم سوى بتأسيس عائلة ، وهو عصور من الاضطهاد الأبوي ومئات السنين من الاستغلال الرأسمالي أدت إلى ظهور نموذج برجوازي عن العائلة المصغرة (nuclear) يشجعه نمط الانتاج الرأسمالي لأنه التنظيم الاجتماعي الذي يناسب مصالح رأس المال الذي لا يراكم الثروة عن طريق سلب العمال رجالا ونساء فائض قيمتهم.ن فقط بل أيضا عن طريق امتصاص فائض قيمة العمل المنزلي غير مدفوع الأجر الذي تؤديه زوجات العمال المقيمات في المنزل والعاملات منهن. في كتابها الرأسمالية الأبوية تدافع سيلفيا فيديريتشي عن أطروحتها التي مفادها أن صيد الساحرات الذي تزامن مع عصر النهضة الأوروبية أي البدايات المبكرة للرأسمالية -التي كانت تواجه خطر أن تجهض قبل أن تولد- والفكر والنضالات الثّوريّة المبكرة (انتفاضات الفلاحين في أوروبا التي كانت النساء جزء منها والتي هددت أمن علاقات الانتاج الاقطاعية مما استوجب تحويرا / reform في العلاقات التي تنظم الملكية الخاصّة في النظام الأقطاعيّ في أوروبا لنحصل على النظام الرأسمالي بديلا لها-انظر مؤلف انجلز عن هذه النضالات في ألمانيا “حرب الفلاحين في ألمانيا”) في الآن ذاته، قد كان نموذجا للمراكمة البدائية التي تحدث عنها كارل ماركس. فقد كان من الضروريّ كي يحصل الانتقال من الإقطاع إلى رأس المال أن تتم مصادرة مجموعة من الموارد عن طريق النساء كي تتم المراكمة البدائية (إقصاء النّساء من الفضاء العامّ + حصرهنّ في الوظيفة الإنجابيّة، من التّعبيرات الثّقافيّة عن هذه العمليّة ظهور مفهوم ملاك البيت angel of the house في عديد الأعمال الأدبيّة + تجريد النّساء من آليّات النّشاط والتّنظّم والتّطبيب ونظم المعرفة التي كنّ قد طوّرنها ومن بينها “السّحر” عن طريق صيد السّاحرات) . في بقية مناطق العالم تمّت هذه العملية عن طريق الاحتلال والاحتلال الاستيطاني والإبادات العرقية للشعوب غير الأوروبيّة.

وما أن أنهى رأس المال مراكمته البدائية حتى تذكّر حقوق النّساء ودعاهنّ إلى الخروج إلى العمل، لا ليراكم عن طريقهنّ الثروة بمصادرة فائض قيمتهنّ ولا ليواصل اضطهادهنّ في الفضاء العام وفي فضاء الشغل عن طريق إجبارهن على مواصلة تقديم خدمات الرعاية ( travail du care) المجانية في مكان العمل (تكليف امرأة بإعداد القهوة لرب عملها، مطالبتها بأن تكون الجميلة النّاعمة التي تداعب بأنوثتها رب عملها خلال مروره بيوم عمل شاق وكل ما يذكرنا بالصورة التقليدية للنساء العاملات داخل مكتب عمل في الأفلام والمسلسلات.. مطالبة النّساء -بطرق غير مباشرة- بأن يكنّ “جميلات” في مقر الشغل أي مناسبات للذائقة الجمالية الأبوية في تنانير قصيرة وكعب عال وملابس تظهر مفاتن أجسادهنّ..) . طبعا ليس لكلّ هذا يريدنا رأس المال عاملات. بل لأنه اكتسب فجأة قدرا عاليا من التعاطف معنا والتقدير لمعاناتنا، لأنه أصبح نسويّا فجأة ويريد لنا أن نكون نماذج ناجحة عن الأنوثة، يريد لنا أن نكون متألقات وصاحبات قصص نجاح حاصلات على شهادة تخرّج ورخصة قيادة، صاحبات إنجازات كأن نقف أمام لجنة تحكيم نقدّم أطروحة دوكتوراه في تخصيب اليورانيوم وأرصدة بنكيّة تسمح لنا بأن نسافر ونرى العالم وعجائبه عوض أن نعيش حياتنا من أجل رجل وقبيلة من الأطفال خاصة أن الإنجاب أصبح موضة قديمة لا فقط في الخطاب العنصري والطبقيّ الموجه ضدّ الطبقات الدنيا -التي ما تزال تمارس حقها في الإنجاب لأنها لا تسعى ألى ارتقاء المصعد الاجتماعي فلا تضحي في سبيل ذلك بكل ما لا يخدم ذواتها الضيقة- وضد الثقافات التي ما تزال تحبذ الإنجاب -خلافا للثقافة النموذج ، ثقافة الرّجل الأبيض.. والمرأة البيضاء، والعائلة البرجوازية البيضاء المصغرة-… بل أيضا في الخطاب النسوي الذي يبدو أحيانا متواطئا مع هذا الخطاب اللّاإنجابي. وقبل أن يتمّ اتّهامي بأنني بصدد خلق صورة ورديّة عن الإنجاب والأمومة أذكّر بأنّني أمضيت كلّ الجزء الأول من المقال في نقد العائلة.

أي حريّة في الاختيار تلك التي نتمتع نحن النّساء بها؟ إنّها -تماما كما الديمقراطيّة البرجوازية- حرية اختيار شكل الاضطهاد الأمثل.

إنّهنّ يعلّمننا الأخلاق والاحترام وقيم الأخواتيّة النّسائيّة. إنّهنّ يرين امرأة منقبة فيقلن “مرحى للحرّيّة الشّخصيّة” ويرين عاملة جنس فيهتفن “حيّ على الخيارات النّسائيّة” ويصادفن أما تقتلها الأمومة القسريّة فيصرخن “مبارك الإنجاز يا أختنا في النّسويّة” ويأسفن لامرأة أفنت حياتها في خدمة رأس المال كي تتفرّغ فيما بعد للموت وحيدة في دار العجّز فيشجّعنها “نعم الخيار هذه الميتة”. إنّهنّ يكتفين بسؤال كل امرأة مضطهدة “هل أنت من اختار شكل اضطهادك هذا؟ نعم؟ مرحى لك عزيزتي..” أخواتنا النّسويّات، حداثيّات كنتنّ أو ليبراليّات، لا فضل لخيار نسائي على آخر. إنّنا جميعا غارقات في الوحل حدّ النخاع. لذلك فإن من باب الوهم والغرور والجهل أن نرى فضلا لإنجاز واحدة منا على الأخرى. بل إن ذلك من باب ضرب آفاق المطالب النسوية. مباركتنا لدخول النساء سوق الشغل، اعتبار مكاسب دولة الحداثة البرجوازية للنساء مهما بدت لنا تقدمية (خروح النساء للشغل، إلغاء تعدد الزوجات، الخ) أقصى مطامح الحراك النسوي ليس فقط انقلابا على مصالحنا لصالح رأس المال بل أيضا تواطؤا مع إيديولوجيا الدّولة ضدّ بقيّة شركائنا في النضال من الطّبقات المضطهدة وخيانة للتحالف الاستراتيجي  الذي وجب على الحراك النسوي أن يلتزم به، بل أن يطهر نفسه من كلّ الأوهام اللّيبراليّة الحداثيّة وما بعد الحداثيّة التي لا تتماشى وهذا التّحالف. وإذا ما رمت الحركة النّسويّة إلى التّحالف مع الدّولة )وذلك دأبها في تونس على الأقل)، فما لنا إلا أن نذكّر أنفسنا بمكان النّساء داخل العقد الاجتماعيّ وبالخطر الذي يتهدّدهنّ إبّان كلّ أزمة من أزمات الدولة البرجوازيّة. إنّ من الغباء أن نأمن جانب الدّولة التي كانت أداة اضطهادنا لقرون على حقوقنا ومكاسبنا المزعومة.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي إنحياز وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً.

اكثر قراءة

  • لسنا بخير ولكننا نقاوم لحظات ودهر في مخيّم لاجئين/ات فلسطينيّ ين/ات في بيروت

    برج البراجنة هو مخيّم فلسطينيّ يقع في الضاحية الجنوبيّة لبيروت، وهي منطقة معروفة بموالاتها لحزب اللّه. ها أنا أطأه لأول…

    بلا حياد

  • رأي | طوفان الأقصى: دروس لم تنته بعد…

    مع الساعات الأولى للطوفان صباح السابع من أكتوبر لم تكن صفارات الإنذار الصهيونية وحدها من دوّت في قلب "تل أبيب"،…

    بلا حياد

  • ديموغرافيا الحرب في فلسطين: حين يكون “الميلاد” آلية مقاومة في وجه “الميعاد”

    استيطان، استعمار، تهجير، قتلى… هذه المفردات وغيرها كانت ولا زالت الأكثر تردّدا على مسامعنا طوال حرب التحرير الفلسطينية، ولا نقصد…

    بلا حياد

  • ترجمة | جدار وبرج مراقبة: لماذا تفشل إسرائيل؟

    إيلان بابيه ترجمة: فاطمة الدهماني كانت البداية بحوما وبمجدال، أي حرفيا: بجدار وببرج مراقبة.من المحتمل جدا أن يكون مفكّرو الحركة…

    بلا حياد