حائط الرفاقية الأعرج : اليسار الأوروبي بين التورط في الإبادة و الدعم المحدود للقضية الفلسطينية

13/05/2025
Borhen chihaoui

مر أكثر من عامٍ وسبعة أشهرٍ على انطلاق «الإبادة الصهيونية» في قطاع غزة، التي أودت بحياة أكثر من خمسين ألفَ شهيدٍ، بينهم ثمانية آلاف امرأةٍ وأربعة آلاف مسنٍّ، وأكثر من خمسة عشر ألف طفلٍ، إضافةً إلى ما يزيد على مئةٍ وثمانية عشر ألف جريحٍ بحالاتٍ بالغةٍ وخطيرة، فضلاً عن عددٍ غيرَ قليلٍ من المفقودين. وفي خضمّ هذا الدمار الشامل، حذَّرت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين من «انهيار شبه تامّ للمنظومة الصحية واندلاع موجاتٍ من المجاعة»، إذ يواجه 91%[1] من سكّان غزة خطرَ انعدام الأمن الغذائي، فيما أسفت منظمة العفو الدولية لما وصفته بـ«كارثةٍ إنسانيةٍ لا تُحتمل» تتعارض مع أبسط مبادئ حقوق الإنسان. وقد تضررت أكثر من 69% من البنية التحتية المدنية—منازل ومتاجر—و81% من شبكة الطرق، ما أجبر نحو مليون ونصف المليون غزاويٍ على التشرد والاعتماد على ملاجئٍ مؤقتةٍ أو خيامٍ هشّة.

رغم هذا الكمّ الهائل من المآسي، لم تتمكن المنظومة الدولية ولا المحاكم العالمية من إيقاف آلة القتل، بل بدا أن الغطرسة الصهيونية، بدعم من الولايات المتحدة والدول الأوروبية الكبرى، قد وجدت في صمت القُوى العربية والجوار الإقليمي ذريعةً لتصعيد العدوان وبتّ مصير الشعب الفلسطيني نهائيًّا عبر القتل والترحيل، في ضربٍ صارخٍ لكل القوانين والأعراف الدولية.

أمام هذا التخاذل المفضوح، برزت حركات التضامن العالمي مع فلسطين كصرخةٍ للضمير ومحركٍ للتغيير. فمنذ صباحات القصف الأولى، غدت سُاحاتُ العواصم الغربية مكلَّلةً بالأعلام الفلسطينية، وامتلأت شوارعُ الجامعات والميادين الشعبية بجحافلٍ من الطلاب والعمال والمهاجرين والشباب، مرددين شعاراتِ العدالة والتحرر لشعبٍ جابه موجاتِ التصفية والطمس على مدار سبعة عقود. لقد شكّلت هذه التحركات صدى لتقاليدٍ يساريةٍ مناهضةٍ للإمبريالية والاستعمار، امتدّت جذورها إلى دعم حركات التحرّر في الجزائر وفيتنام، بل إلى راديكاليّاتٍ مسلّحةٍ كالخلايا الألمانية «باادر ماينهوف» وجبهة تحرير أنغولا—لتظلَّ بذلك ذاكرةً ثائرةً وشعلةً للمعايير الإنسانية فوق أحقاد الماضي الاستعماري وأوهام المركزية البيضاء.

واليوم، يواجه اليسار الأوروبي امتحانًا جوهريًّا: كيف يحوّل استنفارَ الأجيال الصاعدة وتعاطفَها العميق مع المظلومية الفلسطينية إلى سياساتٍ فاعلةٍ تخرق جدار الصمت والتواطؤ، وتضع حدًّا للإرهاب اليومي واستمرار «الإبادة» نحو أفق حرٍّ وعادل؟

في هذا المقال، نستعرض مواقفَ الأحزاب والتنظيمات اليسارية الأوروبية منذ اندلاع الأزمة وحتى اليوم، من خلال مقاربةٍ منهجيةٍ ترتكز على ثلاثة محاور رئيسة: أولًا، تحليل الموقف من أحداث 7 أكتوبر؛ ثانيًا، تقييم الموقف من الردّ الإسرائيلي واتهامات الإبادة الجماعية؛ وثالثًا، استقصاء أدوات الدعم السياسي والاقتصادي والقانوني التي وظّفها اليسار داخل برلماناته ومجتمعاته المدنية، ومدى ما أسهمت به هذه التحركات في تخفيف وطأة المأساة الفلسطينية.

قبل الخوض في صلب هذا المقال التحليلي، لا بدّ من ترسيم معالم مفهوم «اليسار» الذي نفتتح به نقاشنا حول حصيلة اليسار الأوروبي في دعم القضية الفلسطينية وتفاعله مع حركات التضامن والمقاطعة والعمل الميداني. فغالباً ما تغوص النقاشات اليسارية في متاهات التعاريف الإيديولوجية والنزاعات الداخلية، في هذا المقال سنسلط الضوء على مدلول تعود جذوره إلى مقاعد مجلس الطبقات العامة إبان ثورة 1789 الفرنسية؛ فقد اتخذت الطبقة الثالثة—التي مثّلت الفقراء والمحرومين من عامة الشعب—موقعها على يسار العرش، مطالبةً بإلغاء الفيتو الملكي ورفع عبء الضرائب عن كاهلها، بينما وقف رجال الدين والنبلاء على يمين الملك، معبرين عن تمسكهم بالنظام القديم. ومن هنا حُدّد اليسار، في جوهره التعريفي، بأنه كلُّ حركةٍ أو تنظيمٍ ينشد تغيير الواقع الراهن نحو بديلٍ تقدمي، فيما يرنو اليمين للمحافظة على الوضع القائم، بالتالي يتحدد التموقع من خلال تحديد الارادة من الابقاء او تغيير الوضع القائم اقتصادياً (نمط الإنتاج الرأسمالي) ومجتماعياً (الهياكل البطرياركية أو الهوياتية), قد يضع هذا التعريف عديد التنظيمات المنسوبة لليسار تاريخيا في مرمى النقد او الحرمان والفصل من المجمع اليساري لانحرافات متتالية شهدتها جعلتها تعرف اليوم بحركات وسطية يسارية مقابل يسار اكثر راديكالية ولكن اصلاحي ومؤس.ساتي يليه اقصى اليسار الثوري.

شهد اليسار الوسطي الأوروبي، منذ أواخر القرن التاسع عشر وحتى اليوم، مسارًا تطوّريًا بدأ من الماركسية الثورية مرورًا بالإصلاحية الاشتراكية تحت تأثير اطروحات إدوارد برنشتاين و رفض الفكرة القائلة بإجبارية الثورة، حيث أوّل المنهج الإصلاحي باعتباره الطريق الأنجع لتحقيق العدالة الاجتماعية ضمن الديمقراطية البرلمانية². هذه الرؤية الإصلاحية رمزت إلى الانتقال من “ماركسية ثورية” إلى “اشتراكية برلمانية” تُعنى بتحسين ظروف العمال تدريجيًا عبر تشريعات اجتماعية وجماعات ضغط نقابية، بدل الإطاحة الفورية بالنظام القائم. ثم الديمقراطية الاجتماعيّة  كبديلٍ وحيدٍ قادر على منازلة الأيديولوجيات الأخرى، وإرساءً لنموذج دولة الرفاه. ففي السويد، حكم الحزب الاشتراكي الديمقراطي منذ ثلاثينيات القرن العشرين بنهجٍ يدعم النقابات ويعزّز سياسات إعادة التوزيع.

وبعد 1945، وجدت  أحزاب مثل الحزب الديمقراطي الاجتماعي الألماني وحزب العمال البريطاني شرعيتها الشعبية لا في إسقاط الرأسمالية، بل في تنظيمها وإعادة توجيهها نحو حماية الطبقات الاجتماعية الضعيفة وإدارة اقتصاد السوق ضمن إطار ديمقراطي اجتماعي. وصولًا إلى تبنّي قيم الليبرالية الاجتماعية والطريق الثالث؛ منذ سبعينيات القرن العشرين، وبدخول أزمات النفط وتراجع دور الدولة في الاقتصاد، دخل مفهوم “الليبرالية الاجتماعية” أحزاب اليسار الوسطي، فتبنّى بعض قادتها نموذج “الطريق الثالث” الذي روّج له أنطوني غيدنز وتوني بلير.

وهكذا تحولت بوصلة الاحزاب الديمقراطية الاجتماعية الكبرى إلى شراكاتٍ مع القطاع الخاص، وتخلّوا تدريجيًا عن تأميم الصناعات الثقيلة، معتبرين أن “الاشتغال ضمن السوق” أفضل وسيلة لضمان الاستقرار والنمو⁸. هذه المرحلة كانت بداية فَقْدان الشرعية الشعبية من قاعدتهم التقليدية، مع تراجع نسبة تصويت الطبقة العاملة إلى 12% في انتخابات 2025 في ألمانيا⁹ حيث مثلت نسبة المصوتين لمرشحة الحزب الاشتراكي سنة 2022[2] نسبة ميكروسكوبية لا تعدو ال 1% و 5% لمرشح سنة [3]2017.

وهو التحوّل الذي أفضى، في مطلع الألفية الثالثة، إلى بروز تيارات يسارية “شعبوية” مستوحاة من أعمال شانتال موف وإرنستو لاكلو، مثل حزب “بوديموس” في إسبانيا و“سيريزا” في اليونان و“فرنسا الأبية” و“خمس نجوم” في إيطاليا. سعَت هذه الحركات إلى استثمار السخط الشعبي على النيوليبرالية وتوسيع قاعدة التحالفات بين الطبقات الوسطى الصاعدة والفئات المهمَّشة.

تتباين حصيلة اليسار الأوروبي اليوم بين المشاركة في الحكم والمعارضة، وذلك تبعًا لعوامل متعددة تشمل النظام الانتخابي، والثقافة السياسية، والتوازنات الداخلية لكل دولة.

فيما يلي نظرة معمقة على مواقع الأحزاب اليسارية في الحكومات الأوروبية حتى ربيع 2025:

في إسبانيا يقود الحزب الاشتراكي العمالي بزعامة بيدرو سانشيز حكومة أقلية ائتلافية مع تحالف سُومار منذ 21 نوفمبر 2023. في المملكة المتحدة، عاد حزب العمال إلى الحكم بعد 14 عامًا من سيطرة المحافظين، حين نال 412 مقعداً من أصل 650 في انتخابات 4 جويلية 2024، ما مكّن زعيمه كير ستارمر من تشكيل حكومة. فيما يتشارك الحزب الديمقراطي الاجتماعي الالماني الحكم مع التحالف المسيحي منذ 9 أفريل 2025 بعد توقيع اتفاقية ائتلاف تمّت المصادقة عليها داخلياً في حزبي الاتحاد والديمقراطيين الاجتماعيين بعد ما كان يرأس الحكومة مع الخضر والحزب الليبرالي قبل انسحاب هذا الاخير وخسارة الديمقراطيين الاجتماعيين الاغلبية. في النرويج، يحكم حزب العمال بزعامة يونس غار ستوره كحكومة أقلية منذ انهيار تحالفه مع حزب الوسط في يناير 2025، مع دعم خارجي من حزب اليسار الاشتراكي في بعض القضايا. في فرنسا، ورغم تصدر التحالف البرلماني “الجبهة الشعبية الجديدة”—الذي يجمع بين حركة “فرنسا الأبية” والحزب الاشتراكي والحزب الشيوعي وحزب الأخضر— نتائج الانتخابات التشريعية في صيف 2024، لم يقع تفويض الحق لهم في تشكيل حكومة كما تقتضيه الاعراف الدستورية الفرنسية في علاقة بالمساكنة السياسية أي حين يفقد رئيس الجمهورية أغلبيته البرلمانية، فظلّ يتبوّأ مقعد المعارضة. ويتجلى داخل مكوّناته تباينٌ لافت حول عدد من القضايا الشائكة، لاسيما فيما يخص الموقف من القضية الفلسطينية والموقف من الصهيونية.

الموقف من طوفان الاقصى: بين الإدانة والدعم الضمني

منذ السابع من أكتوبر، اتّسمت مواقف أحزاب اليسار الوسطي الأوروبي بإجماعٍ على إدانة الهجوم على إسرائيل واعتباره “إرهابًا” لا يمكن تبريره. فاعتبر حزب العمال البريطاني ما حدث “مجزرة” بحق اليهود، مبرّرًا حقّ الكيان في “الدفاع الشرعي”، مع معارضةٍ طويلة لوقف إطلاق النار؛ إذ وصف زعيمه كير ستارمر ما وقع بأنه “أكبر مذبحة لليهود على أساس كونهم يهودًا”[4]. وعبّر الحزب الاشتراكي الفرنسي عن إدانته لحركة حماس ولقبها “بالمنظمة الإرهابية”[5]، معتبرًا أن “لا شيء يبرر هذا الهجوم”، فيما سار على ذات النهج بييدرو سانشيز[6] ممثّلًا الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني وحزب العمال النرويجي، مع التأكيد على حق إسرائيل في الردّ والدفاع الشرعي، لكنهما أضافا تحذيرًا من “استهداف المدنيين” ورفض حزب العمال النرويجي “العقاب الجماعي للغزاويين”.

وفي ألمانيا، شدد أولاف شولتس المستشار عن الحزب الديمقراطي الاجتماعي على أن “مكان ألمانيا الوحيد في هذه اللحظة هو إلى جانب إسرائيل”[7]، مدينًا هجوم حماس عبر قرارٍ برلماني، ومعلّقًا فورًا 125 مليون يورو من المساعدات التنموية المخصّصة لفلسطين، وإعادة تقييم باقي المشاريع والدعم. وقدمت حكومته، التي تضمّ الديمقراطيين الاجتماعيين والخضر والحزب الليبرالي، مساعداتٍ عسكرية لإسرائيل، معارضًا “وقف إطلاق النار الفوري” في غزة، وذاكرًا أنه “سينعش حماس ليستعيد عافيتها ويوفّر لها صواريخ جديدة”.

أما اليسار التقدمي، فقد امتنع غالبًا عن تسمية الجهة المعتدية بـ«إرهابية»، مفضّلًا تبيان الفلسطينيين كضحايا ضمن السياق الاستعماري التاريخي. فعلى سبيل المثال، لم يصف حزب “فرنسا الأبية” هجوم حماس بالإرهاب؛ بل ورد في بيانه في 7 أكتوبر: “الهجوم العسكري الذي شنته القوات الفلسطينية بقيادة حركة حماس”، مع التذكير بـ“سياق تصعيد السياسة الاحتلالية الإسرائيلية في غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية”، والتعبير عن “حزننا لضحايا الجانبين”، والمطالبة بـ“وقف إطلاق النار الفوري وحماية المدنيين” كمدخلٍ “لتحقيق سلام عادل ودائم يبدأ بإنهاء الاستيطان”[8]. وذكر زعيم الحركة جان لوك ميلونشون:

“كل عنفٍ مُنفلتٍ ضد إسرائيل أو في غزة لا يُثبِت سوى حقيقة واحدة: العنف لا يَخلق ولا يُعيد إنتاجًا إلا ذاته.”[9]

ورغم هذه الصياغة المتوازنة، سارعت وسائل الإعلام والنخب السياسية الفرنسية إلى اتهام الحزب بـ«التواطؤ» أو «تبييض الإرهاب»، مستشهدة بتحقيقاتٍ في تصريحات قادته، أبرزها ما نُسب إلى ماثيلد بانوت.

وفي إسبانيا، غردت يولاندا داميانو، زعيمة “سومار”، على موقع إكس (تويتر):

“أشعر بالصدمة من الصور القادمة من جنوب إسرائيل وغزة. تضامني مع جميع الضحايا. نحتاج إلى سلام عادل ودائم ومستدام، وهذا يتحقق باحترام القانون الدولي وإنهاء الاحتلال وتمكين الشعب الفلسطيني من العيش بكرامة. لا يمكن للمجتمع الدولي أن يبقى مكتوف الأيدي.”[10]

أما في أيرلندا، تجنّب حزب شين فين وأعضاءه إدانةً مباشرة لهجوم حماس، مجرّدين الهجوم من سياقه الأوسع. فرأى النائب كريس أندروز أن الردّ الأوّلي للاتحاد الأوروبي وأيرلندا أساء فهم حق الفلسطينيين “في الدفاع عن أنفسهم ضد القتل والتعذيب ونظام الفصل العنصري”، بينما كتب النائب بول دونلي:

“الإسرائيليون يدمّرون بشكل منهجي أي فرصة للسلام في المنطقة. إنهم نظام فصل عنصري. والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة متواطئان مع هذا النظام. إذا كان للاتحاد الأوروبي أن يمتلك أي مصداقية اليوم، فعليه أن يناصر السلام، وهذا يعني الوقوف في وجه إسرائيل.”[11]

في إيطاليا، دافع جوزيبي كونتي عن حركته “خمس نجوم” من اتهامات معاداة السامية قائلاً:

“لم يتردد حزبنا في إدانة الأعمال الإرهابية البشعة لحماس، ويجب ألا يُخلَط بين هذه الأعمال والحقوق والتطلعات المشروعة للفلسطينيين. وقد طالبنا بألا تتحوّل الاستجابة إلى حلقة مفرغة من العنف والقتل ضد المدنيين الفلسطينيين.”⁸

تباينت هذه المواقف إذًا بين إدانة صريحة للهجوم مع إبراز حق إسرائيل في الردّ، وطرحٍ أكثر تردّدًا يربط الهجوم بالسياق الاستعماري في حين حلق حزب “دي لينكه” الالماني خارج السرب تماما حيث اتسمت مواقفه من 7 اكتوبر بالصرامة تفسَّر غالبًا على أنه استجابة لـ”السياق الألماني الخاص” بما في ذلك رفض قيادته المطالبة بوقف إطلاق النار واتخاذ موقف واضح ضد جرائم إسرائيل. فقد أيد الحزب قرارًا برلمانيًّا صدر في العاشر من أكتوبر يُعبِّر عن التضامن مع إسرائيل ويُدين حركة حماس[12].

على النقيض، اتخذ أقصى اليسار الثوري موقفًا صريحًا مناصرةً للمقاومة الفلسطينية، ففي بيان لـالحزب المناهض للرأسمالية في 7 أكتوبر: عن ” ضرورة التضامن مع نضالات المقاومة ضد القمع والاحتلال.” كما ذكر الحزب “بدعمه للفلسطينيين والفلسطينيات ووسائل النضال التي اختاروها للمقاومة”. “نحن نوجه نداءً لتنظيم تحركات داعمة للشعب الفلسطيني بشكل عاجل. كما ندعم المطالبة بفرض عقوبات دولية على جرائم الحرب ونظام الفصل العنصري الإسرائيلي.” مذكرين ان “، الهجوم هذه المرة يأتي من جانب المقاومة. فمع وجود حكومة إسرائيلية من اليمين المتطرف، مستعدة لجميع عمليات الضم وجرائم الحرب، وما يرافقها من استفزازات أخيرة على ساحات المسجد الأقصى، لم يعد هذا الوضع قابلاً للاستمرار! حماس تدعو الفلسطينيين والفلسطينيات إلى الانتفاض في كافة الأراضي والنضال ضد الاحتلال.”[13] وهو ما عرضهم لملاحقات قضائية بدعوى تمجيد وتبييض الارهاب.

الموقف من الابادة: أصوات الادانة الحرة وسياسة تكميم الأفواه

عرفت الجبهة الشعبية الجديدة بفرنسا مواقف متباينة بين مطالبة فورية بوقف إطلاق النار وفتح المعابر الإنسانية، واعتبار ما يحصل فيه “جرائم حرب”، ووصف الحصار الذي تعانيه غزة بأنه “إبادة جماعية” مستمرة، من جانب حركة فرنسا الأبية التي ساندت التحركات العفوية والمنظمة في الجامعات الفرنسية مثل السوربون وكلية العلوم السياسية من أجل قطع العلاقات والاتفاقات مع الجامعات الإسرائيلية ودعم المنظمات وحركات التضامن الفلسطيني المهددة بالحل القانوني تحت وطأة تهديدات وزير الداخلية مثل “مجموعة طوارئ فلسطين”[14] . فيما عرف الحزب الاشتراكي مواقف أكثر اعتدالاً: انتقد الرد العسكري الإسرائيلي ووصفه بالعقاب الجماعي غير المشروع في غزة، وطالب الاشتراكيون بوقف إطلاق النار ورفع الحصار وتقديم مساعدات عاجلة، لكنهم تجنّبوا استخدام مصطلح “إبادة”، وفضلوا توصيف المأساة بأنها “مجزرة” أو “معاناة إنسانية”، مع التذكير بأن سبب هذه المعاناة يرجع لجرائم حماس الإرهابية يوم 7 أكتوبر، حسب الرئيس الاشتراكي السابق فرنسوا هولاند[15]. كما صوّت الحزب الاشتراكي لصالح تعليق مشاركته في التحالف مع حركة فرنسا الأبية، احتجاجاً على رفض قيادتها وصف طوفان الأقصى بالإرهاب. ومؤخراً، صوت الحزب الاشتراكي على مقترح قانون حول تجريم الخطاب العنصري والمعادي للسامية في الجامعات، وهو ما اعتبره الـ28 نائباً الرافضون من حركة فرنسا الأبية تكميمًا للأفواه ورفضًا لنقد سياسات حكومة اليمين المتطرف الإسرائيلي تحت غطاء مجابهة العنصرية ومعاداة السامية.

في ألمانيا، تتفق الأطراف الرئيسية في اليسار الألماني على إدانة المقاومة ودعم الكيان الصهيوني. ففي آخر مانيفستو انتخابي لحزب “دي لينكه”، لم يتم ذكر غزة ولو لمرة واحدة، بالإضافة إلى عدم الاعتراف بطبيعة الإبادة أو الأبارتايد الذي يعيشه الفلسطينيون، مع التصويت على قانون مماثل يضيف في اختبار الإقامة بألمانيا أسئلة حول الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود، بالإضافة لتجريم حركات المقاطعة ومنعها من التمويل العمومي. كما جاء في رسالة مسربة من عاملين في مؤسسة روزا لوكسمبورغ التابعة للحزب اليساري بفرع الأردن، “تدين الصمت الرهيب وقمع الأصوات المعبّرة عن الإدانة”. وهي نفس السياسة التي انتهجتها مؤسسة هاينرش بول[16] التابعة لحزب الخضر، التي سحبت جائزة حنة آرندت من كاتبة يهودية أمريكية “ماشا غاسان”، بسبب موقف لها نُشر في “نيو يوركر”، قارنت فيه الوضع بغزة بالغيتوهات النازية، وهو ما دفع النائبة اليسارية “نيكول غولكه” للإقرار بأن “معاناة الشعب الفلسطيني تبدو هامشية ولا تهم النخب السياسية بألمانيا”.

أما مجمل الموقف الإسباني فيميل إلى المطالبة بوقف القتال وإحلال حل الدولتين، مع تأييد واسع داخل اليسار الاشتراكي لتسريع الاعتراف الدولي بفلسطين، وهو ما تم رسمياً في ماي 2024 بضغط من جانب حركة “سومار”، بالإضافة لكونها الدولة الأوروبية الوحيدة التي شاركت مع جنوب أفريقيا في دعوتها ضد إسرائيل في محكمة العدل الدولية في لاهاي، تقدّم دلائل إدانة لإسرائيل بالسعي للإبادة الجماعية بحق الشعب الفلسطيني في قطاع غزة[17]. فيما اكتفت الحكومة النرويجية بقيادة ستوره بالدعوة لهدنة إنسانية عاجلة تسمح بإدخال مساعدات وإخراج جرحى، كما انضمت النرويج رفقة إيرلندا في ماي 2024 إلى الدول المعترفة بفلسطين لدفع مسار حل الدولتين، بالإضافة إلى دعم مالي بقيمة 3 بليون، ودعم مقاطعة تبادلات مع المستوطنات الإسرائيلية.

أما في ايطاليا لعبت الأحزاب اليسارية دوراً نشطاً في المعارضة لإجراءات حكومة ميلوني. فقد قدّم نواب الحزب الديمقراطي وحركة «الخمس نجوم» مقترحا حلاً برلمانياً مشتركاً (أفريل 2025) يطالب بـ10 إجراءات[18]، بدءاً من اعتراف إيطاليا بدولة فلسطين، وحتى “التعليق الفوري لتصدير الأسلحة”، و”دعم تبني عقوبات على المستوى الأوروبي ضد الحكومة الإسرائيلية بسبب انتهاكها المنهجي للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني”. بالإضافة إلى ذلك، “المطالبة بحماية أمن السكان المدنيين في الضفة الغربية”، و”اقتراح إجراءات فعالة لمواجهة انتهاكات الحكومة الإسرائيلية للقانون الدولي والإنساني، بما في ذلك تعليق اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل”، و”تنفيذ كامل لأوامر الاعتقال الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية”، وأخيرًا “دعم شرعية المحكمة الجنائية الدولية في جميع المحافل الأوروبية والدولية”. وفرض عقوبات على قادة إسرائيليين ومستوطني الضفة المتورطين بالعنف.

اذا، يمكن رسم خطوط عامة فيما يتعلق بمواقف الإسناد والدعم. فعلى الصعيد القاري وداخل أروقة البرلمان الأوروبي، طالبت الكتلة اليسارية بتوجيه عقوبات للأفراد والأجسام والهياكل المتورطة في جرائم الإبادة بغزة، بالإضافة لمنع تزويد الكيان بالسلاح، وتجميد اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي والكيان الصهيوني، ودعم الاتحاد الأوروبي لقضية جنوب أفريقيا. وعلى الميدان، كان اليسار الراديكالي داعمًا لتوسيع حملات المقاطعة، ومناصرًا لكل دعوةٍ تدعو إلى تعليق التبادل الثقافي والرياضي والاقتصادي مع إسرائيل[19].

في حين طالبت مجموعة الاشتراكيين والديمقراطيين بـ”وقف إطلاق نار دائم في غزة”، بالإضافة إلى “الإفراج الفوري عن جميع الرهائن الذين ما زالوا محتجزين لدى حماس”. “يجب أن تتوقف المأساة الإنسانية والفظائع التي يتسبب بها الجيش الإسرائيلي في غزة ضد المدنيين كردٍّ على الهجمات الإرهابية البشعة التي نفذتها حماس، وأن يُنفذ القانون الدولي أخيرًا”، في أفق أن “ينتهي احتلال الأراضي الفلسطينية، بما فيها غزة، و”إقامة دولة فلسطينية مستقلة وفقًا لروح حل الدولتين المعترف به دوليًا والذي تم الاتفاق عليه في اتفاقيات أوسلو”.

بالمجمل يمكن اعتبار الدعم الذي يقدّمه اليسار الأوروبي للقضية الفلسطينية دعمًا محدودًا، وذلك لعدة اعتبارات بنيوية وسياسية. فقد تخلّت الأحزاب الأقرب إلى الوسط، منذ عقود، عن قاعدتها الانتخابية العمالية والشعبية، واندمجت تدريجيًا في منطق المؤسسات، مما أفقدها حيويتها الثورية ومواقفها التضامنية الجذرية لينزع عنها ثوب الرفاقية باتخاذها مواقف رجعية تجاه المقاومة الفلسطينية، معتبرةً إياها تهديدًا لوجود “دولة إسرائيل”، ومتهمةً من يدعمها بـ”معاداة السامية”، كما حصل في حالة جيريمي كوربين، الذي أُقصي من حزب العمّال، أو في ما يتعرّض له جان-لوك ميلونشون من حملات إعلامية وسياسية وصلت حد تشبيهه بجوبلز، وزير الدعاية النازية.

تُستخدم هذه “الفزّاعة” بفعالية لتقويض الدور الذي تلعبه الحركات الطلابية، وحملات المقاطعة، ومجموعات التضامن مع الشعب الفلسطيني، والتي تعمل على نشر الوعي، ومناهضة صفقات تسليح الاحتلال، ودعم الدعاوى القضائية ضد قادته العسكريين والسياسيين. وتُواجه هذه المبادرات بحملات شيطنة ممنهجة، إذ يُتهم ناشطوها بدعم “الإرهاب” أو بـ”الدعوة إلى قتل اليهود”، الأمر الذي يعرّضهم فعليًا للملاحقات القضائية والتتبعات الأمنية.

لذلك، فإن سقف التوقّعات من اليسار الأوروبي لا يتعدى، في أفضل الحالات، الاعتراف الرمزي بدولة فلسطينية، دون أي توضيح لمقوّمات تشكّلها، سواء من حيث الحدود الجغرافية، أو وضع المستوطنات الإسرائيلية التي نخرت الضفة الغربية، أو شكل السلطة التي ستُشرف عليها هذه الدولة. وحتى هذه المكاسب الهشّة تظل مهدّدة، لا سيّما في ظلّ تصاعد اليمين المتطرّف، واستقرار المواقف الداعمة للفلسطينيين عند حدود الإدانة اللفظية عند وقوع المجازر، دون أي تبنٍّ فعلي لشرعية المقاومة، سواء كانت شعبية أو مسلّحة.

ومع ذلك، يبقى بصيص أمل في دينامية متنامية تهدف إلى وقف بيع الأسلحة للاحتلال، وتوفير الدعم القانوني والمالي والسياسي للحقوق الفلسطينية، رغم تعثّر هذه الجهود حاليًا، نظرًا لوجود معظم تيارات أقصى اليسار خارج البرلمانات أو ضمن كتل غير مؤثرة، إلى جانب تواطؤ ما يُعرف بـ”يسار الكافيار” مع منطق الإبادة، وابتعاده عن أي موقف جذري يناهض الاستعمار الصهيوني.


[1] Reported impact snapshot | Gaza Strip (7 May 2025) | United Nations Office for the Coordination of Humanitarian Affairs – Occupied Palestinian Territory

[2] Présidentielle 2022 | Ipsos

[3] 1er tour présidentielle 2017 : sociologie de l’électorat | Ipsos

[4] Keir Starmer’s speech on the international situation in the Middle East – The Labour Party

[5] Résolution du Parti socialiste sur la situation à Gaza – Parti Socialiste

[6] La Moncloa. 21/10/2023. Pedro Sánchez: “I join the UN Secretary General’s call for a humanitarian ceasefire” [News]

[7] Policy statement by Olaf Scholz  | Federal Government

[8] Israël-Palestine : pour une paix juste et durable, stop à l’escalade ! – Communiqué – La France insoumise

[9] (4) Jean-Luc Mélenchon sur X : “Toute la violence déchaînée contre Israël et à Gaza ne prouve qu’une chose : la violence ne produit et ne reproduit qu’elle-même. Horrifiés, nos pensées et notre compassion vont à toutes les populations désemparées victimes de tout cela. Le cessez-le-feu doit s’imposer. La France” / X

[10] Un instant…

[11] Spotlight on Sinn Féin over its stance on Palestine after Hamas attack – The Irish Times

[12] Genocide is no longer a red line for Germany’s Die Linke | Al Mayadeen English

[13] Offensive de Gaza : nous sommes tous et toutes palestinienNEs ! | NPA

[14] Offensive autoritaire : plusieurs milliers de personnes en soutien à la Jeune Garde et à Urgence Palestine

[15] (14) Douanes, Donald Trump : le décryptage de François Hollande – YouTube

[16] Conversation avec Masha Gessen, lauréate du prix Hannah Arendt 2023 | Fondation Heinrich Böll

[17] España se suma al procedimiento contra Israel iniciado por Sudáfrica en la Corte Internacional de Justicia

[18] Gaza, mozione unitaria di Pd, M5s e Avs: 10 impegni, da riconoscimento Stato Palestina a sanzioni a Israele

[19] Europe must recognise Palestinian statehood – The Left


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي انحياز وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً.

مقالات ذات صلة

  •           لحظة حياة من قلب الدمار: حوار مع المخرجة ميّ سعد

    على هامش أيام قرطاج السينمائية، في دورتها الـ36، التقى موقع انحياز بالمخرجة المصرية ميّ سعد في حوار حول الفيلم الوثائقي…

    أدب وفنون

    WhatsApp Image 2026 01 05 at 16.32.08
  • مخططات ترامب.. وسياسة فرض السلام من خلال القوة وخططه المفخخة

    منذ اللحظة التي اندلعت فيها الحرب على قطاع غزّة، بدا واضحًا أنّ دونالد ترامب، الرئيس الأميركي العائد بقوة إلى المشهد…

    رأي

    WhatsApp Image 2025 12 05 at 18.36.49(1)
  • من أجل غزة والسودان وكلّ الأوطان: “كتلة تاريخية” ضدّ الطغيان!

    تتسارع الأحداث في المنطقة العربية بالفترة الأخيرة، وتصبّ جميعها في اتجاه أساسي: محاولة العدو الأمريكي الصهيوني الاستفادة استراتيجيا لأقصى حدّ…

    بلا حياد

    Whatsapp image 2025 11 05 at 19.56.34
  • صوت الحصار: حين يصبح الصّمود وحده الحرب الممكنة

    1 هل هذه القضيّة جديرة منّي بتضحية مثل هذه؟ سؤال بحجم جريمة، يفرش ممرّا فسيحا للخيانة، طرحه على نفسه "رازوموف"…

    رأي

    Whatsapp image 2025 11 04 at 14.15.41